الحمدُ لله رب العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفö المرسلينº سيدنا محمدٍ، النَّبيّö الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..
في وقتٍ تعالت فيه صيحاتُ الانهزام، وتتابعت دعواتُ التفريط، وتسارعت فيه مواكبُ التبعية، تقدّöم فروضَ الولاء والطاعة للاستبداد الأمريكي والطغيان الصهيوني، واستحالت كلُّ دعوةٍ للحق رöدَّةً، وكلُّ تمسُّكٍ بهويَّة الإسلام رجعيةً، وكلُّ دعمٍ لمقاومة المحتل تخريبًا وإرهابًا..
يعود الإخوان المسلمون بالقضية إلى أصولهاº ليضعوا الجميعَ أمامَ مسئوليتöهم من الأمانة التي سيُسألون عنها بين يدَي ربهم.. ﴿إöنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتö وَالأَرْضö وَالْجöبَالö فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمöلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مöنْهَا وَحَمَلَهَا الإöنْسَانُ إöنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (الأحزاب: 72)، وهذه المسئوليةُ تقعُ على الجميعö بغير استثناءº حكامًا ومحكومين.. شيوخًا وشبابًا.. علماءَ وأميّöين.. رجالاً ونساءًº فالكل- حسب موقعه وتبعًا لقدراته وإمكاناته- أمام التبعة سواءñ، وفي ساحة الأمانة مُطالَبñ.
وقد يتوهَّم البعض أمام ثقافة الوهن، التي يبثُّها إعلام الغرب في عقول أبناء الأمة الإسلامية، أن قدرةَ أمتöنا على المواجَهَةö والبقاءö وامتلاكö أسبابö الممانعةö في مواجهة الاستكبار والبغيö والغيّö قد انعدمت، أو أن شوكةَ المسلمين قد انكَسَرت، وذاك هو غايةُ ما يسعَى المتربّöصون بأمتöنا إليه، وساعتَها يستتبُّ لهم الأمرُ، وتنقادُ لهم أمتُنا ذليلةً خانعةً خاضعةً، يفعلون بها ما يشاءون.
غيرَ أن الإخوان المسلمين يدعون كلَّ الأمة- وعلى رأسöها ولاةُ أمرöها- إلى الإصغاءö لصوتö العزةö الإلهيةö يدوّöي في أجواءö الآفاقö، ويملأُ الأرضَ والسبْعَ الطباقَ، ويوحي في نفسö كلّö مؤمنٍ أسمَى معاني العزة والفخار ﴿وَلöلَّهö الْعöزَّةُ وَلöرَسُولöهö وَلöلْمُؤْمöنöينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).
إنه النداءُ الذي إذا استجابت له قلوبُ القادةö والشعوبö لأفاقت أمتُنا من تأثير المخدّöر الغربي على حقيقة ولاية الله لهاº لينصرَ من عَمöل، ويُدافعَ عمن ظُلöمَ، ويُحرّöرَ من أُسöرَ، ويُقوّöيَ مَن حُورöبَ وأُخرجَ من داره وأرضه، ويُعزَّ مَن إليه لجأَ، وبه احتمى.. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إöنَّ اللَّهَ لَقَوöيّñ عَزöيزñ﴾ (الحج: من الآية 40).
فيا قومنا..
لقد جرَّبتم عبْرَ عقود عديدة مناهجَ وسياساتٍ وقوانينَ وضعيةً، وأنتم اليوم مطالَبون بوقفةٍ جادَّةٍ مع أنفسكم لإعادةö الحسابات، وتحديدö المواقفö في ضوء منهج الله، الذي سعى المستعمرُ بشتَّى الطرقö لإقصائكم عنهº حتى يتسرَّب الوهنُ إلى النفوسö، وتصيرَ روحُ الانهزامö مسيطرةً على القلوب، وشبَحُ الفرقة يطاردُ كلَّ أملٍ في الوحدة، وتمتدُّ يدُ الفرقة تأكلُ الأقطارَ ثم الأفراد، فعودñ إلى معين الله لاستلهام القوة، واكتشاف سرّö العزة الكامن في أمة الإسلام، باتباعö منهجö الله وموالاةö أهل الإيمان ﴿اللَّهُ وَلöيُّ الَّذöينَ آمَنُوا يُخْرöجُهُمْ مöنَ الظُّلُمَاتö إöلَى النُّورö﴾ (البقرة: من الآية 257) ﴿بَلö اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصöرöينَ﴾ (آل عمران: من الآية 150) ﴿إöنَّمَا وَلöيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذöينَ آمَنُوا الَّذöينَ يُقöيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكöعُونَ﴾ (المائدة: من الآية 55) ﴿إöنَّ وَلöيّöيَ اللَّهُ الَّذöي نَزَّلَ الْكöتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالöحöينَ﴾ (الأعراف: 196) ﴿قُلْ لَنْ يُصöيبَنَا إöلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهö فَلْيَتَوَكَّلö الْمُؤْمöنُونَ﴾ (التوبة: 51) ﴿أَلا إöنَّ أَوْلöيَاءَ اللَّهö لا خَوْفñ عَلَيْهöمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذöينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يونس: 62- 63) ﴿ذَلöكَ بöأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذöينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافöرöينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (محمد: 11).
فأيُّ قوة تلك التي تستعبد قومًا نسَبَهم الله إلى نفسه؟! وأيُّ فضلٍ لجماعة يعلو على فضلö مَن مَنَحَهُ اللهُ فضلَ ولايتöه واتباعö منهجöه؟! وأيُّ عزٍّ لإمبراطوريةٍ مهما بلغ يضاهي عزَّ أمةٍ أفاضَ اللهُ عليها من فَيْضö عزَّتöه؟! ﴿وَلöلَّهö الْعöزَّةُ وَلöرَسُولöهö وَلöلْمُؤْمöنöينَ وَلَكöنَّ الْمُنَافöقöينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).
فجدّöدوا يا شعوب العالم الإسلامي استشعارَ الولاءö لله، وارفَعوا رايةَ الإسلامö، وأقيموا دولةَ الإسلام في نفوسكم تقُم على أرضكم، واعلَموا أن الإسلام إن لم يكن بكم فسيكون بغيركم، ولكنكم لو لم تكونوا به لن تكونوا بغيره ﴿وَإöنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدöلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 38).
ولا يغرَّنَّكم هذا التقدمُ العلميُّ والتقنيُّ وتلك المدنيةُ التي شيَّدتها أيادي الظلم والجور، ولا يستخفَّ بكم أو يخدعنَّكم هذا الإعلامُ المزيّفُ، ولا تشغلنَّكم أو تُلهöكُم الألفاظُ البرَّاقةُ عن إدراك الحقائق، ولا المظاهر عن الجواهرº فإن لإسلامكم منهجًا فيه سعادةُ الدنيا وفلاحُ الآخرة، وتلك هي سياستُنا لا نبغي بها بديلاً، فسُوسوا بها أنفسَكم، وادعُوا إليها غيرَكمº تظفروا بالعزة في الدنيا والآخرة.
وقد يقول القائل: وما يفعل فردñ واحدñ في أمة مستضعفة؟! ولكن الإجابة في قول المصطفى- صلوات الله عليه وسلم-: "لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا"، ولنا فيمن سبق الأسوةُ الحسنةُ، فقد رفعوا جميعًا شعارَ الفعل لا القول، مؤكدين أن فعْلَ رجلٍ في ألف رجل خيرñ من قول ألف رجل في رجل، فليكن المسلمُ سبَّاقًا للخير مغلاقًا للشر، رافضًا للظلم مهما بلغ حجمُه، مؤيدًا للحقّö مهما ضاقت دائرتُه، متمسّöكًا بالحقّö غير مفرّöط، ناصرًا للمظلوم ولو بكلمة مواساة، وداعمًا للمجاهد المقاوم ضد الاحتلالº المدافع عن الحرمات والمقدَّسات ولو بدعوات السجود في ساعات السَّحَر، وليعمل المسلمُ على تلقينö الحقائق لمن حوله، وبثّö الأمل في النفوس، وتربيةö النشء على حقوق الأمة.
أما ولاة الأمر..
فإننا نذكّöرهم بأن كتُبَ التاريخ حفلت بصفحاتٍ من الاستبداد، استجلبَت سخطَ الناس وغضبَ الله، لكنها في الوقت ذاته خلَّدَت قادةً وزعماءَ، صدَعوا بالحق، وارتَضَوا أن تكون شهادتُهم لله خالصةً، ولوجه الحقيقة مبيّöضةً، وللأوطان حافظةً وصائنةً، واليوم لا تنتظر منكم شعوبُكم إلا وقفةَ الحقّö، فلا تنساقوا وراءَ دعوات التفريط، ولا أوهام السلام، ولا دعوات التركيع.
إن مؤتمر أنابوليس، هرول إليه العربُ وغيرُهم، بلا رؤية ولا منهج، ويريدون أن يقفزوا على الواقع الذي يعرفه القاصي والدانيº وهو أن الصهاينة احتلوا أرضَ فلسطين، وطردوا أهلَها، وهدموا بيوتهم، وحرَّقوا أرضهم، وقتَّلوا رجالهم ونساءهم وأطفالهم.. هذه الحقيقة يجب ألا تغيب عن أذهاننا لحظةً، وما يتطلبه ذلك من تحركٍ جادٍّ وفعَّالٍ لتحرير الأرض واستنقاذ المقدسات.
وإن كان حكام الأمة العربية والإسلامية أغفلوا هذه الحقيقة، وسعَوا لاسترضاء الإدارة الأمريكية، فأمَلُنا كبيرñ في شعوب الأمةº أن تكون دائمًا على مستوى رفيع في فهمö الواقع، والتمسكö بالحق، والدفاعö عنه بكل الوسائل المتاحة.
إن المتربصين بالأمة الإسلامية لن يقنعوا إلا بالسيطرةö على الأوطان، ومحاولةö إخضاعö أهلöها ونهبö ثرواتöها وسلبö خيراتöها، وانظروا ماذا يفعلون بالعراق وأفغانستان والصومال، وها هو خنجرُ التقسيم يحاول تمزيق السودان، وأصابع المؤامرة تعبَث بأمن واستقرار لبنان، وهكذا يستمرُّ المسلسلُ الاستعماريُّ رافعًا شعار (فرّöق تَسُد).
ويا شباب الأمة..
الآمال معقودة عليكم، وفي الوقت ذاته تستهدفكم كلُّ أسلحة المتربصين بأمة الإسلام، بالجهل تحاصرُكم، وبالغواية تصرفُكم عن طريق الهداية، وبالتيئيس والإحباط تسعى لتطوّöقَكم، وكلَّ يوم تُستَحدَثُ أسلحةñº فاجعلوا المعرفةَ في شتَّى المجالات النورَ الذي به تسيرون، وبهديه تُبْدöعون، وفي ضوئه تتقدَّمونº حتى لا تحرثوا البحر، أو تقوّöضوا ما شيَّدته أيادي غيرöكم بغير قصد.
واسعَوا لبعث الأمل في نفوس مَن وراءكم، ومن يأتي بعدَكمº لأن التبعة عليكم ثقيلة، والأحداث والخطوب متلاحقة، وتحتاج إلى همَّة الشباب لمواجهتها، فجدّöدوا إيمانَكم، وحدّöدوا غاياتöكم وأهدافَكم، وأول القوة قوةُ العقيدة والإيمان، وثانيها قوةُ الوحدة والارتباطº فآمنوا وتآخَوا، واعملوا بجدٍّ، وترقَّبوا بعد ذلك ساعة النصر، وإنه لقريبñ بإذن الله، وبشر المؤمنين.
إن الإخوان المسلمين يوقنون أن سننَ الله غلاَّبة، ونواميسَه ثابتةñº فلا يُقعöدنَّكم عن السير طولُ الطريقº فأولُ الغيثö قطرةñ، ورحلةُ الألف ميل تبدأ بخطوةٍ، فتحرَّكوا حركةَ الواثقö العارف، المتحصّöنö بالعلم والمعرفة، والمستقوي بإيمانه، والمستعلي بانتمائه، والمتجردö بيقينه في النصر، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، و﴿لöلَّهö الأَمْرُ مöنْ قَبْلُ وَمöنْ بَعْدُ وَيَوْمَئöذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمöنُونَ* بöنَصْرö اللَّهö يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزöيزُ الرَّحöيمُ* وَعْدَ اللَّهö لا يُخْلöفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 5- 7).
وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَكَ على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.