رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، الحَكَمö العَدلö، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خيرö من قام بين الناس بالقسط..
لله تعالى في كونه سننñ ماضيةñ، لا تتخلَّف ولا تحابي أحدًا، وسننُه في قيام الأمم ونهضتها، أو انهيارها وكبوتها، يراها كلُّ ذي عقل في تاريخ البشرية وحاضرها، وقد جعل الله تعالى العدلَ أساسَ الملك ﴿إöنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتö إöلَى أَهْلöهَا وَإöذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسö أَنْ تَحْكُمُوا بöالْعَدْلö﴾ (النساء: من الآية 58)، وأمر الله تبارك وتعالى الأمةَ المسلمةَ المستخلَفةَ في الأرض بإقامة العدل وتحقيق القسط بين الناس، مهما اختلفت أجناسُهم وألوانُهم بل وعقائدُهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامöينَ لöلَّهö شُهَدَاءَ بöالْقöسْطö وَلا يَجْرöمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدöلُوا اعْدöلُوا هُوَ أَقْرَبُ لöلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إöنَّ اللَّهَ خَبöيرñ بöمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾ (المائدة).
وحذَّر الله سبحانه من الظلم بكافة أنواعهº ظلم المرء لنفسه، أو لأهله وعشيرته، وظلم الأغنياء للفقراء، والأقوياء للضعفاء، وظلم الحكامö للمحكومين، بل وظلمö الأمم بعضها لبعض، وبيَّن أن عاقبة هذا كله الهلاكُ في الدنيا والعذابُ الأليم في الآخرة.. ﴿وَتöلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لöمَهْلöكöهöمْ مَوْعöدًا (59)﴾ (الكهف)، ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مöنْ قَبْلöكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (يونس: من الآية 13)، ﴿فَقُطöعَ دَابöرُ الْقَوْمö الَّذöينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لöلَّهö رَبّö الْعَالَمöينَ (45)﴾ (الأنعام).
ولقد ضرب الله تعالى المثل بنفسه عز وجل، وهو القادرُ المقتدرُ، القويُّ العزيزُ الجبارُº فقال للبشر جميعًا "يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته مُحرَّمًا بينكم فلا تظالموا" ﴿إöنَّ اللَّهَ لا يَظْلöمُ مöثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإöنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعöفْهَا وَيُؤْتö مöنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظöيمًا (40)﴾ (النساء).
والناظر في أحوال العالم اليوم يرى ألوانًا من الظلم، تشقَى بها البشرية جمعاءº ظلم الدول الكبرى للدول الصغرى، والدول الغنية للدول النامية أو الفقيرة، وظلم الحكام للمحكومين، وظلم طبقات من المجتمع لطبقات أخرى، وقد رأينا في السابق والحاضر عاقبةَ الظلمö، كيف هلك الفرس والروم، وكيف تفتَّت الاتحاد السوفيتي، حينما حَكمَ الناس بالحديد والنار، وجارَ على دولة ضعيفة كأفغانستان!.
واليوم هناك نذيرُ شؤمٍ يهدّöد الولايات المتحدة الأمريكيةº بتجبُّرها على دول العالم، واعتداءاتها بالسلاح والاحتلال والنهب الاقتصادي، واحتلالها أفغانستان والعراق، وتهديد سوريا وإيران، ومحاولتها تفتيت لبنان والسودان، ثم ظلم ربيبتها "إسرائيل" التي أقاموها على أشلاء ودماء الشعب الفلسطيني، الذي ذاق ألوانًا من الظلم لم يذُق مثلَها شعبñ من شعوب الأرض.
فإذا نظرنا إلى عالمنا العربي والإسلامي رأينا ألونًا من الظلم، هَوَت بنا من القمة إلى الحضيض، بعد أن كنا ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرöجَتْ لöلنَّاسö﴾ (آل عمران: من الآية110)، صرنا في ذيل الأمم..
في المجال السياسي.. صار الاستبدادُ هو السمةَ في كلّö الأنظمةº ملكية كانت أو جمهورية، هي فرعونيةñ جديدةñ تخضع لحكم الفرد ﴿مَا أُرöيكُمْ إöلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدöيكُمْ إöلاَّ سَبöيلَ الرَّشَادö﴾ (غافر: من الآية 29).. إهدار الشورى، وتزوير إرادة الأمة وحكمها بالحديد والنار، وتقريب المنافقين واضطهاد الصالحين المخلصين، وتمزيق الأمة، وتسليط بعض الفئات على بعض ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شöيَعًا﴾ (القصص: من الآية 4).
في المجال الاقتصادي.. احتكار الثروة لفئات محدودة، وحرمان جموع الشعب من ثمارö عملها، وإهدار الطاقات والتفريط في الثروات وبيعها للأعداء وبأبخس الأسعار مقابل عمولات، تصبُّ في جيوبö قلةö ومليارات، تقترضُ من البنوك بلا ضمانات، ومليارات أخرى تهرَّب إلى الخارج، والنتيجة فقرñ مدقعñ واحتياجñ وذلةñ لكل دول العالم.
في المجال الاجتماعي.. تفاوت رهيب بين الطبقات، ينذرُ بصراعٍ اجتماعيٍّ يأكل اليابسَ والأخضرَ، وإفساد أخلاقي يقوم به المترفون ليُلهوا جموع الشعب بالمعاصي والشهوات، وشيوع المحسوبية والمحاباة في مقابل إهدار الكفاءات والمواهب، حتى صار اليأسُ والإحباطُ سمةَ الكثير من شباب الأمة الذي لا يجد عملاً ولا تقديرًا ولا تشجيعًا، فضاع بعضه انتحارًا وهجرةً إلى بقاع العالم.
في المجال الأمني.. أصبحت مهمة الأمن تكميمَ الأفواه ومصادرةَ الحرياتö ومطاردةَ الأطهار الأبرياء وتلفيقَ التهم، بدلاً من مطاردة اللصوص والخارجين عن القانون والمعتدين على أرواح الناس وأعراضهم وممتلكاتهم.
فكانت النتيجة أن سقطنا، أو أوشكنا، أن نسقط من عين الله، والله تبارك وتعالى لا يحابي أحدًا ﴿لَيْسَ بöأَمَانöيّöكُمْ وَلا أَمَانöيّö أَهْلö الْكöتَابö مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بöهö وَلا يَجöدْ لَهُ مöنْ دُونö اللَّهö وَلöيًّا وَلا نَصöيرًا (123)﴾ (النساء)، وقد حذّرنا سبحانه "إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني".
وبين أن عاقبة الظلم تنالُ الجميعº الظالم بجبروته وطغيانه، والساكت عن الحق "شيطان أخرس"، وجموع الأمة إن توانت عن استخلاص حقوقها من أيدي الظالمين.. ﴿وَاتَّقُوا فöتْنَةً لا تُصöيبَنَّ الَّذöينَ ظَلَمُوا مöنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدöيدُ الْعöقَابö (25)﴾ (الأنفال).
عقاب آخر.. أشد وأبقى
نحن الآن في عقاب الدنيا، ذلّñ وهوانñ، وتخلُّفñ وهزيمةñ، وجوعñ وفقرñ، واحتلالñ وسفكُ دماء، لكنَّ هناك عذابًا أشدَّ وأبقى، ينال كل ظالم مهما علا وتجبَّر، لا يستطيع له دفعًا ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالöمöينَ مَعْذöرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارö (52)﴾ (غافر) ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشöيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخöلُوا آلَ فöرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابö (46)﴾ (غافر) ﴿فَيَوْمَئöذٍ لا يُعَذّöبُ عَذَابَهُ أَحَدñ (25) وَلا يُوثöقُ وَثَاقَهُ أَحَدñ (26)﴾ (الفجر).
التوبة والعدل.. قبل فوات الأوان
إننا نهيب بكل ظالم أن يفيء إلى أمر الله فيكفَّ عن ظلمه لنفسه أولاً، ثم لكلّö مظلوم ناله بأذى في نفسه أو ماله أو عرضه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فöيهö إöلَى اللَّهö ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)﴾ (البقرة).
* أطلقوا الحريات.. احترموا كرامة الإنسان.. أشيعوا الأمن والأمان.. ساووا بين الناس في الحقوق والواجبات.. كفُّوا عن تزوير إرادة الأمة.. احترموا أحكام القضاء.. قدّöموا الكفاءات.. احترموا المواهب والطاقات والآراء.
* اعدلوا في توزيع الثروات (فما جاع فقير إلا بتخمة غنى).. ادفعوا الشباب إلى العمل النافع بدلاً من اللهو الضائع.. نقّöبوا في ثروات الأرض ولا تبيعوها للأعداء.. صونوا ممتلكات الأمة ولا تهدروها فتهلكوا الحاضر والمستقبل.
* أجمöعوا الصفوف، ووحّöدوا الأمة، واجعلوا سلاحكم في وجه أعدائكم، واعرفوا عدوَّكم ولا تعادوا شعوبكم.
* أطلقوا سراحَ الأبرياء الشرفاء، وردُّوا إليهم أموالَهم وشركاتöهم ومصالحَهم، بل عوّöضوهم وأهليَهم عما نالهم من أذى وحرمان وتشويه، وأنزلوهم منازلَهم، ولا تقفوا من هذه الجماعة موقف الخصومة والعداءº فهي أمل الأمة في الإصلاح، وهي القادرة مع الشرفاء من أبناء هذه الأمة على إنقاذها من كبوتها.
* عودوا إلى الله واصطلحوا مع شعوبكم، واحكموا بشريعة ربكم، واهتدوا بهدي نبيكم صلى الله عليه وسلم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا اسْتَجöيبُوا لöلَّهö وَلöلرَّسُولö إöذَا دَعَاكُمْ لöمَا يُحْيöيكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 24).
والله الهادي إلى سواء السبيل، والله أكبر ولله الحمد..
وصلى الله على سيدنا محمد، والحمد لله رب العالمين