رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمدلله وحده، أنجزَ وعده، ونصرَ عبده، وأعزَّ جنده، وهزمَ الأحزابوحده.. والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعدهº سيدنا محمد وعلى آله وصحبهومن دعا بدعوته واهتدى بهديه.
وبعد.. فإن حجم التدمير والتخريب والدم البريء المسفوك من الشهداء.. من الأطفالوالنساء والمدنيينº الذي خلَّفته الحرب الصهيونية الهمجية المجرمة على غزةهاشمº يؤكد أن الصهاينة حين يتمكنون من المسلمين يفعلون بهم الأفاعيل، منغير مراعاة لعهد قائم، ومن غير ذمَّة يرعونهاº ومن غير تحرُّج من فعليأتونه معهم!، فهم لا يرعَون عهدًا، ولا يقفون عند حدّö التنكيل بالبرآء،بل إنهم لöشدة ما تمتلئ به قلوبهم من البغضاء يتجاوزون كلَّ حدٍّ فيالتنكيل بهم إذا قدروا عليهمº على حد قوله تعالى: {إöنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إöلَيْكُمْ أَيْدöيَهُمْ وَأَلْسöنَتَهُمْ بöالسُّوءö وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)}(الممتحنة).
فهملا يتأخرون عن الفتك بالمسلمين بلا شفقة ولا رحمةº إلا حين يعجزهمذلك، وليس هذا أمرًا عارضًا، أو شيئًا مؤقتًا، وإنما هذا شأنهم دائمًا،وديدنهم مع أهل الحق في جميع العصور والأزمان وعلى مدار التاريخ البشريكله بلا استثناء!! قال تعالى: {كَيْفَ وَإöنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فöيكُمْ إöلاً وَلا ذöمَّةً يُرْضُونَكُمْ بöأَفْوَاهöهöمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسöقُونَ (8) اشْتَرَوْا بöآيَاتö اللَّهö ثَمَنًا قَلöيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبöيلöهö إöنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فöي مُؤْمöنٍ إöلاً وَلا ذöمَّةً وَأُوْلَئöكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10)}(التوبة).
فهمقوم طغاة بغاة معتدون، لا يُقيمون للمقدسات وزنًا، ولا يتحرَّجون أمامالحرمات، ويدوسون كل ما تواضع الناس على احترامه من خلق ودين وعقيدة، وصدقالله العظيم{لَتَجöدَنَّ أَشَدَّ النَّاسö عَدَاوَةً لöلَّذöينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذöينَ أَشْرَكُوا} (المائدة: من الآية 82).
المعركة مستمرة
لهذافإنني أقول للمجاهدين في غزة ولكل المجاهدين على كل المستويات: إن معركةالصهاينة لا تزال مستمرةً، ولم تُؤذöن بقرب الانتهاء، فحصار غزة لا يزالمستمرًّا، ومعابرها لا تزال مغلقةً، والمساومات الصهيونية لا تقف عندحدٍّ، والعدوان الصهيوني الإجرامي لا يزال متواصلاً جوًّا وبحرًا، والعدوالصهيوني يريد أن يحاصر الانتصار الرائع الذي حقَّقته المقاومة البطلة عنطريق الضغط والمساومة على مرور الإمدادات الغذائية والدوائية وموادالإعمار إلى غزة، والدفع باتجاه تقديم عملائه لتسلُّم ملف إعادة الإعمارºحتى يحقق من خلال هذا الحصار ما عجز عن تحقيقه من خلال الحرب والقتلوالدمار.
وهذاما تفهمه المقاومة جيدًا، ويجب إعانتها على التصدي له بكل قوة، فلا يصح أنيجني ثمرات النصر غير المجاهدين المنتصرين، وليذكر الجميع قول الله تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتöلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دöينöكُمْ إöنْ اسْتَطَاعُوا}(البقرة: من الآية 217).
الكيان الغاصب يجب أن يتحمل نتيجة إجرامه
لايختلف العقلاء في هذه الدنيا في أن المجرم ينبغي أن يدفع ثمن إجرامه، وأنالمتسبب في إتلاف شيء يجب أن يتحمل إصلاحه، هذه قاعدة دينية وأخلاقيةوإنسانية لا جدال فيها، وها هم اليهود لا يزالون إلى اليوم يبتزُّونأوروبا وألمانيا ويتقاضون تعويضات بمئات المليارات عما يسمَّى (الهولوكست).
وإذاكان الأمر كذلك فإن تكلفة الإعمار والتعويضات التي يستحقها المظلومون منالفلسطينيين جرَّاء الحصار وجرَّاء هذه الحرب المجرمة يجب أن يدفعهاالكيان الغاصب، وعلى حكومات الأمة العربية والإسلامية أن تتبنَّى هذاالاتجاه وتُنشئ اللجان القانونية لملاحقة الكيان الغاصب وتحميله مسئوليةوتكلفة ما أقدم عليه من إجرام ومجازر وتخريب منذ بدأ اغتصابه فلسطين حتىاليومº فلا يجوز إطلاقًا أن نمكّöن المجرم من الإفلات بجريمته، وعلينا أننضع النظام الدولي أمام مسئولياته الإنسانية والأخلاقية والقانونية.
وإذاكانت الحكومات الغربية والأمم المتحدة قد هبَّت لمحاسبة مرتكبي الجرائمالنازية في حق اليهود، واستحدثت لذلك قوانين ومحاكم خاصةº أفلا يتحركالعالم الذي يرى كل تلك المجازر لإقرار محاكم وقوانين لمحاكمة مجرمي الحربالصهاينة؟!
هلآلم العالم الحر تعرُّض اليهود للتصفيةº فيما لم يتأثر مطلقًا لمَّا رأىمن حرب إبادة وحشية تعرَّض لها الشعب الفلسطيني في غزة منذ أكثر من ستينسنة بلغت أوجها في حرب غزة الأخيرة؟
هلآلم العالم الحر صور أفران الغاز المزعومة، فيما لم تؤثر فيه ألوف الأطنانمن الذخيرة والقنابل الفسفورية وقنابل الدايم والأسلحة المحرمة التيألقتها العصابات الصهيونية على شعب غزة الأعزل بكثافة مذهلةº دفعت بعضالمراقبين للتساؤل عما إذا كانت تلك الأسلحة والذخائر التي ألقيت بلا حسابقد دفع فيها أي ثمن؟!
هليطرب العالم لسماع صرخات أطفال غزة الذين كبروا قبل أوانهم ويتلهَّى بذلك؟ألا تتحرك الضمائر الحية في العالم الذي يدَّعي الحرية وحقوق الإنسان؟
إنناإذ نحيّöي الأفراد والهيئات الحقوقية الحرة التي تولَّت مواجهة الكيانالصهيوني أمام المحاكم الدوليةº فإننا ندعو الحكومات العربية خاصةًوحكومات العالم كافةً والأمم المتحدة- التي أكد ممثلوها ارتكاب لبكيانالصهيوني جرائم إبادة في غزة- أن تتبنَّى الدعوة لإنشاء محاكم خاصةلمحاسبة قيادات وجنود العدو الصهيوني على جرائم الإبادة وجرائم ضدالإنسانيةº التي ارتكبوها في حق أطفالنا ونسائنا وشعبنا في غزة.
توثيق كل الانتهاكات الصهيونية
وإلىأن يتم ذلك فإنني أدعو كل الهيئات الرسمية والشعبية إلى توثيق كافةالاعتداءات والانتهاكات والأضرار التي سبَّبها هذا العدوان المجرمº لتبقىالملاحقة قائمةً، ولا تضيع الحقوق في ظل العوج القائم في النظام الدوليوالنفاق المستشري في قلب المؤسسات الأممية، فقريبًا تتغيَّر الأحوالويتمكن أصحاب الحق من انتزاع حقوقهم، ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكونقريبًا.
القضية هي فلسطين
إنهذا العدوان المجرم الذي أصاب أحبَّتنا في غزة يجب ألا يصرفنا عن القضيةالأساسية، وهي قضية فلسطين كل فلسطين، فغزة لا تمثل من فلسطين سوى 1.3% منمساحة فلسطين، وهذا العدوان الصهيوني ينشب مخالبه في سائر الأرضالفلسطينية المباركة.
القضية في الأصل هي الاحتلال والعدوان الذي يفتك بالشعب الفلسطيني كله، وهنا يجب التذكير بأصل القضية.
أصل القضية: أن الاستعمار الأوروبي (وبخاصة البريطاني) أعطى العصابات الصهيونية بغيرحق وعدًا بإقامة كيان يهودي في فلسطين على حساب الشعب العربي الفلسطيني،ووفَّر للعصابات الصهيونية السلاح الذي ارتكبت به مجازر وحشية في عمومفلسطين، ثم تواطأ الاستعمار فأنشأ من العدم دولةً يهوديةً من خلال قرارظالم للأمم المتحدة بتقسيم أرض فلسطين عام 1947مº بين أهلها الفلسطينيينوبين اليهود الذين تركوا بلادهم الأصلية وتجمعوا في فلسطين، ثم أعلنت دولةالكيان الغاصب عام 1948م، وأعلنت أمريكا وأوروبا الاعتراف بها ليحدث واقعñجديدñ لم يكن له أن يحصل لولا التواطؤ الظالم ضد الشعب الفلسطيني، والضعفوالتخاذل- والعمالة أحيانًا- في العالم العربي والإسلامي.
علىأن دولة الاغتصاب والاحتلال لم تكتفö بما أعطيت ظلمًا في قرار التقسيمالظالم، بل تجاوزت ذلك إلى توسيع قاعدة عدوانها واحتلال كامل فلسطين،وتجاوزت ذلك إلى احتلال أجزاء من دول الجوار الفلسطيني، دون أن تتخذ الأممالمتحدة أو مجلس الأمن أية خطوات جدية أو أي موقف جدي من هذا العدوان، سوىإصدار بعض القرارات التي تدعو لعودة اللاجئين والتراجع إلى حدود الرابع منيونيه 1967م، وهي قرارات ضرب بها الكيان عرض الحائط، ورفض أية دعوة إلىالتراجع عن شيء من هذه المظالم، وفرض الحصار المطبق على شعب فلسطين،وحوَّل حياتهم إلى جحيم وبلدهم إلى سجن كبير، وأراد جرَّ الفلسطينيينوالعرب إلى مفاوضات عبثية لتقطيع الوقت إلى أن يتمكن من إخضاع فلسطينتمامًا.
المقاومة حق مشروع
أردتبسرد الحقائق السابقة أن أذكّöر من غاب وعيُهم بأصل القضيةº لأقول: إنهأمام كل هذه الاعتداءات الصهيونية يصبح من الواجب على أصحاب الأرض أنيدافعوا عنها، وعلى أصحاب القضية أن يرفعوا راية المقاومة، وهذا حق كفلتهالشرائع السماوية والوضعية، وهذه المقاومة وحدها هي السبيل لاستردادالحقوق، ومع أن الظروف الواقعية قد لا تكون في صالح المقاومة فإن إرادةالحياة الحرة والكريمة والعزيزة، وإرادة التحرير متوفرة لدى المجاهدينالذين سطروا صحائف العز والشرف بثباتهم وصمودهم الأسطوريº ليؤكدوا أنالموازين المقلوبة والعدالة المفقودة لا ينبغي أن تكون حجر عثرة في طريقالتحرير.
وما من احتلال حصل في التاريخ أمكن التخلص منه من غير مقاومة مسلَّحةº تردّ العدوان، وتعيد الحق إلى أصحابه الشرعيين.
وحريّñبكل حر في هذا العالم أن يدعم كل ساعٍ إلى الحرية وكل مطالب بحقوقهالطبيعية، وهذا كان الموقف المنتظر من الأمم المتحدة، لكنها للأسف ساوتبين المعتدöي والمعتدَى عليه، بل جعلت الضحية الفلسطينية معتديةً علىالكيان الظالم! وهذا من العجب!!.
منع السلاح عن المقاومة ظلم وعدوان
إنتعجب فعجب أن تتداعى الدول الكبرى ودول الإقليم لمنع السلاح عن المعتدَىعليه حتى لا يدافع عن نفسه، وحتى يستسلم للذبح والموت، وتُعقد الاتفاقاتوتُساق الأساطيل لمحاصرة المقاومة ومنعها من التسلُّح للدفاع عن الشعبالمعتدى عليه، وكأنما هذه المقاومة جيش كبير يمتلك الأسلحة المحرمة التيتملأ البر والبحر والجو!.
وفينفس الوقت يسمح للمعتدي الجائر بالتسليحº بل تُحمَل إليه الذخائر عبرالبحار ليعوّöض ما فقد من أسلحته وذخائره في عدوانه الآثم والغاشم!.
فيحالات الحروب بين الجيوش المتكافئة يتداعى الوسطاء إلى منع السلاح عنالجيشين المتحاربين، لكننا الآن أمام حرب ظالمة يشنُّها أقوى جيوش المنطقةعلى أمة عزلاء، لا تملك حركة المقاومة فيها مع إرادتها الصلبة إلا أسلحةخفيفة للدفاع عن النفس، ومع ذلك يراد منع هذا السلاح الخفيف عن المقاومةºفي الوقت الذي تُحمَل فيه الأسلحة المدمرة إلى الجيش المجرم!.
أي منطق أعوج هذا الذي يراد له أن يُفرَض على الأمة؟! وأي عاقل يقبل هذا الظلم البيّöن والواضح؟!
إنتسليح المقاومة الفلسطينية فرض شرعي على كل الحكومات العربية والإسلامية،وواجب أخلاقي على كل الأحرار في هذا العالم، وإن التخلف عن هذا الواجب أوالتقصير في هذه الفريضة لهو خيانة للحق، وتشجيع على العربدة والإفسادºفكيف بمساعدة المعتدي وتشجيعه، ومحاربة المعتدى عليه ومنع تسليحه؟!
دور الإعلام العربي والإسلامي في تنمية الوعي بالقضية
لقدخاض الإعلام الصهيوني وأذنابه في الإعلام العربي والإسلامي معركةً كبيرةًلتزييف الوعي وتحسين صورة البغي الصهيوني وخداع الرأي العام لدى شعوبالعالم كله، واستطاع جر الرأي العام العالمي إلى تبني مواقفه الظالمة، فيظل غياب واضح للإعلام العربي المؤثر، غير أن هذه الصورة بدأت في التحول معظهور إعلام عربي مسئول بدأ في اختراق الرأي العام العالمي، وهذا الإعلامالمسئول لا يزال أمامه مهمة كبيرة في عرض الحقيقة وتقديم الصورة الحقيقيةلهذا الصراع، وكشف الوجه القبيح للإجرام الصهيوني، وإن ما سجلته عدساتالمصورين من مشاهد بشعة لإجرام الصهاينة في غزة إذا أحسن تسويقه وتقديمهللرأي العام العالمي لكفيل بأن يصحح الصورة المغلوطة، وهنا أتوجه لكل صاحبضمير حي من الإعلاميين بأن يقوم بدوره بأمانة، وأن يكشف الحقائق التي تبصرالرأي العام العالمي بالحقيقة.
الاحتلال إلى زوال
إنزوال هذا الكيان المغتصب أمر حتمي شأنه في ذلك شأن كل احتلال مر علىالدنيا، وهذه المظالم التي يرتكبها الصهاينة ستزيد من قوة المقاومة وتشعلجذوتها في النفوس، فالظلم يبعث المقاومة من رقادها، ويجمع المظلومين علىهدف التحرر، ويحرك الهمم إلى الثأر واستعادة الحقوق، ثم إن هذا الكيان جسمغريب في هذه المنطقة العربية الإسلامية ليس له امتداد ولا جذور في هذهالأرض، ولن يلبث أن يزول على يد رجال المقاومة الذين عرفوا طريقهم، وذاقواطعم النصر العزيز، واستطاعوا أن يغيروا معادلات القوة، وأن يضعوا للنصرقواعد جديدة، وكسبوا المعركة في نفوسهم قبل أن يخوضوها في الميدان، وها هوالكيان الغاصب قد بدأ في الانكماش، وصار يخوض معاركه داخل فلسطين المحتلةبعد أن كان يخوضها على أراضي الدول المجاورة، وها هو جيشه الذي نسج حولهأساطير القوة يفر مذعورًا أمام المقاومة الفلسطينية المظفرة، وستبقىتلاحقه حتى تطهر الأرض المباركة، وتقيم الدولة الفلسطينية الحرة على أرضفلسطين، ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا.
والله أكبر ولله الحمد.