رسالة من: محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أحمعين
أحبتناحجاجَ بيت الله، الذين أنابوا إلى ربّöهم، وفارقوا ديارهم، وتخلَّصوا منمعوقات الدنيا، بعد أن تلقَّوا الدعوةَ من اللهº فتحركوا شوقًا ومحبةًواستجابةً لأمر ربهم، وانبعثوا مُلَبّöين دعوةَ خالقهم وسيدهم: لبيك اللهملبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعدº
ففيأعظم وأكرم مؤتمر جامع عرفته الدنياº وقف نبيُّنا الحبيبُ صلى الله عليهوسلم في حجة الوداع أمام أكثر من مائة ألف مسلم وحَّدهم الإسلامُ بعد أنكانت قد فرقتهم النعرات العصبيةº ليُحَذّöر الأمةَ من المحاولات الشيطانيةالماكرة للعودة بهم إلى مربع العصبية وحمية الجاهلية، فقال "أَلاَلاَ تَرْجöعُوا بَعْدöي كُفَّارًا يَضْرöبُ بَعْضُكُمْ رöقَابَ بَعْضٍ،أَلاَ إöنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيöسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَوَلَكöنَّهُ فöي التَّحْرöيشö بَيْنَكُمْ" (مسند أحمد)، أي أنه جعل كيده لهذه الأمة الواحدة في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن وغيرها.
وطلب صلى الله عليه وسلم صفوةَ الأمة الذين حضروا هذا المؤتمر الكريم أن يبلغوا الأمةَ كلَّها هذا البلاغ فقال: "لöيُبَلّöغö الشَّاهöدُ الْغَائöبَº رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مöنْ سَامöعٍ" (صحيح البخاري).
ولاتزل الأمةُ تسعد بهذا التوجيه النبوي العظيم، فتجتمع في مؤتمركم العظيمسنة بعد سنة، معلنةً تجريد العبودية وإخلاصَها لله، وتخلّöيها عن كل أسبابالتفرق، لا ترفع في موسم الطهر إلا رايةَ الوحدة الإسلامية، ولا تهتف إلابنداء الأخوة الجامعة، في حالةٍ من أرقى حالات التواصل الروحيº حيثتَعْذُبُ المناجاة، وتحلو الطاعة، ويسري نورُ الإيمان بين الجوانح، ويشعرالمسلم أنه فوق عالَم البشر، يُحلّق مع الملائكة الكرامº فالذنبُ مغفورñ،والسعيُ مشكورñ، وكلُّ خطوة يخطوها الحاجُّ تكتب له ملائكةُ الرحمة بهاحسنةً، وتضع عنه بها سيئة، في إدراك واعٍ رائع لكون الحجّ تهذيبًا للنفوس،وتطهيرًا للقلوب، وغسلاً لأدران الشر، فضلاً عن أنه تلاقٍ اجتماعيّñ،وتعارفñ إسلاميّñ، واجتماع للنفوس المؤمنة على مودةٍ ورحمةٍ ورُوحانيةٍ فيظل البيت المقدس، وفي الأماكن المطهرة، في ضيافة رحمانية كريمة، الحجيجُفيها لا ينشغلون بغير ما جاءوا له من عبادة كريمة، فهديرُهم تكبيرñ،وهتافُهم تسبيحñ، ونداؤُهم تلبيةñ، ودعاؤُهم تهليلñ، ومشيُهم عبادةñ،وزحفُهم صلاةñ، وسفرُهم هجرةñ إلى ربهم، وغايتُهم مغفرةñ من الله ورضوانñ،تراهم في حشدهم صورةً متكاملةً متناسقةً في إطار نوراني على اختلافالأجناس، وتباين اللغات وتغاير الأوطان.
تلكم هي صورة الأمة المسلمة الواحدة التي يمثلها الحجيج في هذا المؤتمر الكريم أصدق تمثيل.
فهنيئًالكم أيها السعداء بضيافة الرحمن، وبشراكم أيها المستجيبون لنداء الخليل،أبي الأنبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام، وإذْأدعوكم إلى نبذ كل أسباب الفرقة، وتجنب كل أسباب الخلاف، ورفض كل محاولاتالتحريش أو التحريض، وطرح كل رايةٍ وشعارٍ غيرö راية التوحيد وشعارالتلبية، والانهماك الصادق في الذكر والطاعة، وشغل كل الوقت بالتلبيةوالدعاءº فإنني أذكركم بأن تجعلوا وردًا من دعائكم لأمتكم، أن يحقن اللهدماءَها، ويدفع عنها الفتنَ، ويهديَها سبيل الرشاد، ويحفظَها من كيدالأعداء وجهالة الحمقى والسفهاء، ويحررَ مقدساتها من أيدي الغاصبين،ويحررَ ديارها من عدوان المحتلين، ويكتبَ لها الرفعة في العالمين، وأنيصلحَ بين الرعاة والرعية، وأن يؤلفَ بينهم في الخيرات، وأن يدفع شرَّبعضهم عن بعض، وأن يجعلهم يدًا واحدةً على أعداء أمتهم.
تقبل الله حجكم، وغفر لكم ولمن استغفرتم له، وحفظكم من كل بلاء، وأعادكم لأوطانكم مقبولين مغفورين سعداء.
والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.