رسالة من: محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، النبي الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..
صار لزامًا على أمة الإسلام أن تضع يدها على مواطن الداء فيهاº حتى تبدأ أولى خطواتها على طريق العلاجº لتنهض من كبوتها، ولعل إيمانها بحتمية النهوض يكون هو الدافع لتتحمَّل شجاعة مواجهة العلل التي باتت تنخر في جسدهاº لتحوّöل الجسد الواحد إلى أعضاء متفرقة بلا ملامح، وتعمل عللها في العضو الواحد فتفسُد أنسجتُه وتتنافر خلاياه.. أليس هذا بربكم هو حال أمتنا؟ دول تتصارع.. وأنظمة تتناحر.. وحكومات تأكل الحقوق وتجثم على الصدور والخيرات.. وشعوب تمزقها الصراعات والمؤامرات قبل الغارات والتفجيرات.
ومن يتمعَّن في صورة الواقع يجد روحًا غائبةً عن أمتنا تارةً، أو مغيبةً تارةً أخرى.. إنها روح الإرادة الحرة التي تدفع الشعوب للحياة، وليس المقصود اليوم بالحياة أسبابها من مأكل ومشرب وتناسل، ولكنَّا نقصد هنا الحياة الإنسانية التي ترى الإنسان محور الكون.. {اللهُ الَّذöي خَلَقَ السَّمَوَاتö وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مöنْ السَّمَاءö مَاءً فَأَخْرَجَ بöهö مöنْ الثَّمَرَاتö رöزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لöتَجْرöيَ فöي الْبَحْرö بöأَمْرöهö وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائöبَيْنö وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مöنْ كُلّö مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإöنْ تَعُدُّوا نöعْمَةَ اللهö لا تُحْصُوهَا إöنَّ الإöنسَانَ لَظَلُومñ كَفَّارñ(34)} (إبراهيم)º فله سخَّر الله كل شيءº ليحيا ويدير المفردات من حوله بقرار واختيار حفظه له الله، حتى في علاقته به جلَّ وعلا حين قال: {لَكُمْ دöينُكُمْ وَلöيَ دöينö (6)} (الكافرون).
إن الإرادة التي نريد هي تلك النابعة من إيمان حقيقي بقيمة الإنسان الذي كرَّمه ربُّه وخالقه حين قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنöي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فöي الْبَرّö وَالْبَحْرö وَرَزَقْنَاهُمْ مöنْ الطَّيّöبَاتö وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثöيرٍ مöمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضöيلاً (70)} (الإسراء) لتفجّöر في الإنسان طاقات الفعل المتنوعº ما بين تواصل إنساني.. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إöنَّا خَلَقْنَاكُمْ مöنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائöلَ لöتَعَارَفُوا إöنَّ أَكْرَمَكُمْ عöنْدَ اللهö أَتْقَاكُمْ إöنَّ اللهَ عَلöيمñ خَبöيرñ (13)} (الحجرات)، واقتحام لكل دروب الأرض..{هُوَ الَّذöي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فöي مَنَاكöبöهَا وَكُلُوا مöنْ رöزْقöهö وَإöلَيْهö النُّشُورُ (15)} (الملك)، وتحصيل لكل علم.. {قُلْ هَلْ يَسْتَوöي الَّذöينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذöينَ لا يَعْلَمُونَ إöنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابö (9)} (الزمر)، ومقاومةٍ لكل ظلم واستبداد وعدوان وتجبُّر {وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمöهö فَأُوْلَئöكَ مَا عَلَيْهöمْ مöنْ سَبöيلٍ (41)} (الشورى).
سلب الإرادة
ولا شك أن المتربصين بأمتنا سعوا عبر مخططات عديدة لسلب شعبها إرادته عبر شتى الطرق والوسائل الممكنةº حتى تستحيل الشعوب مطيةً لكل غاصب يوجه طاقتها في فضاء غير متناهٍ.
ومن ثم فليس بمستغرَب أن يتم تخدير شعوب كانت توحّöدها راية الإسلام، وتحركها صرخة وإسلاماه لتنتفض ملبيةً صرخة مواطنة في دولة الإسلام الواسعة دون أن تفكر هذه الشعوب في حسب أو نسب أو عرق هذه السيدة!.
وكذا ليس مستغربًا عندما يتم أسر إرادة الشعوب المسلمة أن تجدها غير مباليةº بينما يد بني صهيون تعبث بقواعد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، والوقف الذي أوقفه عمر بن الخطاب لكل المسلمين ليجعل من كل فرد في هذه الأمة أمينًا عليه إلى يوم الدين.
وعندما تتغير بوصلة الإرادة تختلف الأولويات ليصبح الفرد قبل المجموع، وساعتها يقل الولاء للوطن، ويتراجع الإحساس بالمسئولية، وتنمو آفات التسلق والنفاق والابتزاز، وتموت بذور التواصل بين الناسº لينمو على رفاتها كل الطفيليات المجتمعية، وتتسلَّط على الأمة أسباب التخلُّف بإرادة مزيفة وموجهة، ويعم الفساد بكل ألوانه وأشكاله، بدءًا من فساد الحكم، ووصولاً إلى فساد العلاقات الإنسانية.. {ظَهَرَ الْفَسَادُ فöي الْبَرّö وَالْبَحْرö بöمَا كَسَبَتْ أَيْدöي النَّاسö لöيُذöيقَهُمْ بَعْضَ الَّذöي عَمöلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجöعُونَ (41)} (الروم).
إن شعوبًا مسلوبة الإرادة لا تقدر إلا على الفعل الموجَّه الذي يرى بعين سالب إرادتها لا بعينها، ومن ثم تكون حركته مرهونةً بمنطق غير واعٍ للحقيقة من الضلال، فتهتف خلف الطاغوت.. {أَخْرöجُوا آلَ لُوطٍ مöنْ قَرْيَتöكُمْ إöنَّهُمْ أُنَاسñ يَتَطَهَّرُونَ (56)} (النمل)، ولكنها رغم حركتها المسلوبة الإرادة فإن التاريخ لا يعفيها من المسئولية عن عدم الانتفاضة لتحرير إرادتها، ويكون مآلها هو ذات مآل الطغاة.. {وَحَاقَ بöآلö فöرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابö (45)} (غافر)، ولا يعفيها الله من ذنب الاستضعاف الناتج من الاستخفاف بعقولها وإرادتهاº لأن محصلة ذلك هو تراجع الإنسانية كلها.. {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إöنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسöقöينَ (54)} (الزخرف).
الاستعمار الجديد
إن استعمارًا جديدًا صار جاثمًا على صدر أمتنا يدرك تمامًا أن تطويقه لها هو الضمانة الوحيدة لاستمراره وبقائه ونموّöه بمقدراتها، وهذا الاستعمار الجديد بات أشدَّ خطرًا من كل ألوان الاستعمار على مدار التاريخ وشواهدهº لأنه يستهدف إرادتها بأساليب عدة:
- فبإرادتها يشهر الأخ السلاح في وجه أخيهº بدعوى مواجهة الإرهاب ليقتل بلا رحمة ولا تفرقة بين مذنب وبريء أو طفل وعجوز.
- وبإرادتها تضغط اليد على زرّö القنابل المتفجرة لتسجّöل انتصارًا للمعارض على الحكومي في الوطن الواحد الذي قهر المحتل ولم يقهر روح الفرقة.
- وبإرادتها يتمُّ توقيع صفقات النفط والغاز والمقاولات والسياحة مع العدوº بينما الأخ يتسوَّل قوته ويبحث في تلال القمامة على ما يستر به عورته!.
- وبإرادتها يتم تجييش الشعوب خلف مباراة كرة قدم أو مسابقات غنائية لننتصر على ذواتنا في معارك وهمية تضيف إلى هزائم واقعنا هزيمةً قاسيةً مُرَّةً.
- وبإرادتها تتحوَّل الخلافات المذهبية إلى حروب طاحنة تجرُّ الأمة إلى ميادين فرعية، صارفةً إيَّاها عن ميدان فيه العدو الحقيقي يرتع ويهتك ويسرق ويدمي القلوب والأوطان والمقدسات.
- وبإرادتها تشاهد الأمة كلها العدو يحاصر غزة المسلوبة مع فلسطين من بدن الأمة، ومع ذلك لا تتحرك الشوارع ولا تنتفض الإرادة، والأدهى من ذلك أن تشارك العدو في الحصار وتمدَّه بالعدة ليشيد أسواره ويحكم حصاره.
لقد استُضعفت أمتنا وتفرَّقت وتناحرت وتقاتلت وحُوصرت، وفُجّöرت واعتقلت وحوكمت وفُرöضت عليها العقوبات، ودفعت لمن لا يستحق التعويضات، واستحقت أن تحمل اسم (عالم ثالث) في عالم ليس فيه ثانٍ، كل هذا يومَ ارتضت أن تتحوَّل إرادتها من الاستقلال إلى التبعية.
التغيير
إن من المطلوب إحداث ثورة في نفوسنا لتستطيع أن تحصل لإرادتها على صكّö الاستقلال، وساعتها تضمن للإنسان إنسانيته، والإمام الشهيد حسن البنَّا رحمه الله عندما رسم صورةً للشعب الناهض جعل له صفات على رأسها (إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف).
وروح التغيير ليست وحيًا ينزل من السماء، ولا ماردًا يستحضره السحرة والدجالون، وإنما هي بذرة تبذرها يد الشعب المتطلع إلى الحرية في أرض من الوعي بالقيمة الإنسانية السامية، ولا تنمو هذه البذرة إلا عندما يحتضنها رحم الإرادة الذي بمخاضه يولد التغيير.. {إöنَّ اللهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنفُسöهöمْ} (الرعد: من الآية 11).
وأنتم أيها الإخوان..
يا روحًا يسري في بدن الأمة ليحييها ويحرر إرادتها..
ويا جندًا على ثغور الحياة ترابطون سعيًا للغد القادم..
إن الآمال المعقودة عليكم كثيرة، وإن الواجبات تصارع الأوقات بعدما صار إيقاع الحياة سريع الخطى ثقيل الوطأة، فكونوا على قدر المسؤلية وأعدوا أنفسكم لقدر الأمانة التي لا يحملها إلا من وصفهم رب البرية بقوله: {مöنْ الْمُؤْمöنöينَ رöجَالñ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهö فَمöنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمöنْهُمْ مَنْ يَنْتَظöرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدöيلاً (23)} (الأحزاب). واعلموا أن الإخوان لا يستأثرون بالحق ولا يتعالون به، وإنما هم سائرون في دربه، وجادُّون في البحث عنه، يحملونه إلى الناس بشارةً، ويتحمَّلون إعراضهم عنه، آملين أن تتفتَّح لدعوتهم العقول ومن قبلها القلوب.
فلا يحملنَّكم اختلاف أولويات الناس مع أولوياتكم على اليأس أو القلق أو القنوطº فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولكن درّöبوا إرادتكم على الصبر فلا تغيير إلا به، وما من ثابت إلا الحق جلَّ في علاه، وتزوَّدوا بمداد الحقº أورادًا من كتابه وذكره، والجد في طلب رضاهº لتستحيل إرادتكم ربانيةَ التوجُّه، وساعتها يقسم الواحد منكم على قلوب الناس فتتحرك لتتغيَّر وتغيّöر مُستقلةً عن كل تبعية، ومتحررةً من كل قيد.. {وَيَوْمَئöذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمöنُونَ (4) بöنَصْرö اللهö يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزöيزُ الرَّحöيمُ (5) وَعْدَ اللهö لا يُخْلöفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ (6)} (الروم).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله أكبر ولله الحمد.