رسالة من: محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..
فقد أصبح ضروريًّا أن يُفكّöر كل إنسانٍ عاقل- فضلاً عمن يحمل هَمَّ الإصلاح في زماننا هذا في أي مكان في العالم- تفكيرًا جديًّا حول مستقبل كوكب الأرض الذي نعيش على سطحه، وكيف أنه تحيط به الكوارث من كل حدب وصوب، سواءñ كنا مسئولين عنها بسبب مباشر أو غير مباشر.. تهدّöدنا وتهدّöد كل مقدَّرات البشرية، فمن تلوث بيئي إلى احتباس حراري، إلى خطر نووي، إلى استعمار حديث خبيث بكل صوره العدوانية والاستغلاليةº يستهدف الطوائف الضعيفة والدول المتخلفة ليمتصَّ دماءها ويستولي على مقدراتها ويحتكر القرار في مصيرها.
فإذا ما أضيف إلى ذلك مناخ قيمي مادي شهواني أدَّى إلى انهيارٍ في الخلق وانتهاك للحرمات وطغيان على الحقوق وغفلة تامة عن يوم الحساب الذي كان الخوف منه شيئًا فطريًّا يحدُّ من ظلم البشر بعضهم ويقلل من تغول السلطات.
ألا يستدعي هذا من كل الحكماء والعقلاء، من كل جنس ولون ودين، أن يتنادوا بأية وسيلةٍ من وسائل الاتصال الحديثة ليقفوا وقفةً واحدةً، وينادوا بصوتٍ واحدٍ ليقفوا في وجه الظلم والاستبداد والفساد والإفساد؟!
وها نحن نناديهم: يا حكماء العالم.. يا عقلاء العالم.. يا أمناء على حقوق الإنسان.. كل الإنسان.. اتحدوا وتعاونوا ولتتضافر جهودكم في كل منظمات المجتمع البشري المدنية لإنقاذها مما هي فيه وما هي منحدرة إليه إذا استمرَّ الحال على ما هو عليه.. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فöي الْبَرّö وَالْبَحْرö بöمَا كَسَبَتْ أَيْدöي النَّاسö﴾ (الروم: من الآية 41).
ولو ألقينا نظرةً شاملةً لأهمّö أسباب هذه الحالة المعقَّدة المتشابكة الأسباب لتدهور البشريةº نجد أن الله عزَّ وجلَّ قد خَلَقَ الكون صالحًا منذ نشأته، وأعدَّه للإنسان قبل أن يوجده من آدم وحواء، وأصبحوا كلهم أبناء أب وأم، وأمدَّ الإنسان بكل مقوّöمات حياته ليكون خليفةً في الأرض مسئولاً عنها ليعمرها.. ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مöنَ الْأَرْضö وَاسْتَعْمَرَكُمْ فöيهَا﴾ (هود: من الآية 61)، ومن كرم الله وفضله على كل جنس البشر أنه خلق الأرض في يومين، وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلينº أي أن الناس شركاء في كل مقومات الحياة الضرورية، فهل هناك رعايةñ للإنسان كل الإنسان بني آدم من ربهم الرحمن.. أكثر من هذا؟!
إنه سبحانه ادَّخر للجنس البشري بل لكل الكائنات مقومات حياتها ورزقها.. ﴿وَمَا مöنْ دَابَّةٍ فöي الأَرْضö إöلاَّ عَلَى اللَّهö رöزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلّñ فöي كöتَابٍ مُبöينٍ (6)﴾ (هود)، فعلى سبيل المثال ادخار البترول بما احتاجه ذلك من إعداد رباني معجز على مدى مئات الملايين من السنين في باطن الأرض حتى إذا نضج العقل البشري وتطوَّر في اختراعاته حتى وصل إلى آلات الاحتراق الداخلي هداه الله إلى استخراج هذا الكنز لينتفع به، وغيره من الكنوز كثير، كان وما زال وسيبقى مدخرًا إلى قيام الساعة ﴿وَإöنْ مöنْ شَيْءٍ إöلاَّ عöنْدَنَا خَزَائöنُهُ وَمَا نُنَزّöلُهُ إöلاَّ بöقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: 21)، فماذا كان دور الإنسان بعد كل هذا الفضل الرباني عليه، وبعد كل هذا النداء المنبه له: ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بöرَبّöكَ الْكَرöيمö (6)﴾ (الانفطار)؟!
لقد حوَّل هذه النعمة إلى وسيلة للصراع، ونشر الظلم والحرب والطغيان، محاولاً السيطرة على منابع البترول، وأوقد نيران حروب تهلك الحرث والنسلº من أجل هذا الاحتكار البغيض لهذه الثروة وغيرها من الثروات وتقاسموها- للأسف- بقوانين واتفاقيات جائرة، كما توزع العصابات مناطق النفوذ، فكانت اتفاقيات "سايكس بيكو" والانتدابات التي أعقبتها وعود كوعد "بلفور" لاحتلال فلسطين، ورأينا كونغو فرنسيًّا وآخر بلجيكيًّا، وثالثًا برتغاليًّا، وسمعنا عن صومال إيطالي وصومال بريطاني وصومال فرنسي ورابع أمريكي.
وما زالت هذه الحروب الساخنة والباردة من أجل فرض السيطرة والاحتلال لتوسيع مناطق النفوذº فإذا لم نوقف هذه المطامع، ونطالبْ بتحريم كل صور الاستغلال والاستعمار فسيلتَهöمُ هذا الوحش الجشع كلَّ المقدَّرات، وليقف الإنسان العاقل الحكيم ضد الإنسان المستغل لينقذ السفينة التي نركبها جميعًا في هذا الكونº لأن الغاية من خلقنا أن نتعاون لا أن نتصارع.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إöنَّا خَلَقْنَاكُمْ مöنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائöلَ لöتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: من الآية 13)، ومهمتنا أن نصلح ولا نفسد ولا نترك المفسدينº لأن فسادهم خطر على الجميع.
ومن زاوية أخرى، نجد أن المتأمل في خلق الله يجد بكل وضوحٍ لكل عين منصفة وعقل راجح أنَّ الله قد خلق توازنًا في كل دورات الحياة، فمن دورة للأكسجين وللنيتروجين ولثاني أكسيد الكربون يتبادل فيها النبات والحيوان مع الإنسان المنافع كما يتبادلون الاستفادة من بعضهم، وكذلك دورة متوازنة للمياه من بحار ومحيطات وتبخر وسحُب وأمطار وأنهار ثم إلى البحار والمحيطات مرةً أخرى، ودورة كذلك للمعادن والأملاح من التربة وإلى التربة ﴿مöنْ كُلّö شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (الحجر: من الآية 19).
فماذا كان دور الإنسان الجاهل الذي لم يفهم سنن الله في الكون فاصطدم بها وأفسدها وعطَّل كثيرًا من دورات الحياة وبعدها جلس يشكو مما صنعت يداه؟!
ها هي تلوثات البيئة ناتجة من نواتج أخطبوط الصناعات ومافيا رءوس الأموال، يجامل بعضها بعضًا في دنيا المصالح والمنافع على حساب صحة الإنسان وحقوق الإنسانº الذي تمَّ طحنه وسحقه بلا رحمة.
ونموذج آخر لتلويث كل مقومات الحياة، من هواء وماء ونبات وحيوان والإنسان في نهاية كل هذاº باستخدام المبيدات الحشرية، وكثير منها مسرطن، وكذلك المخصبات غير المأمونة، وهي كثيرة، ثم بعد انتشار هذا الاستخدام الخاطئ المبني على فهم خاطئ للسنن الكونية كانت الكوارث السرطانيةº مما جنى الإنسان على الإنسان، وتعتبر مصر من أعلى دول العالم إصابةً بهذه السرطانات.
بعد كل هذا يعود الإنسان إلى الزراعة العضوية (الأوجانيك) وإلى المقاومة (الحيوية)، بعد أن دفع ثمنًا باهظًا في التجربة الأولى من خسائر بشرية ومالية، وثمنًا آخر أبهظ في التجربة الثانية، والإنسان هو الضحية في الحالتين.
والنموذج الأخطر هو التلوث النوويº الذي عُقد المؤتمر الخاص به في نيويورك الولايات المتحدة (رغم أنها الدولة الوحيدة التي استخدمت هذا السلاح في التاريخ)، وكنا نأمل أن تكون هذه بدايةً لترشيد هذه الطاقة الخطيرة كسلاحٍ ذي حدَّين، فيتم تأمين البشرية من خطرها المحدق، فإذا بالضغوط الصهيونية الخبيثة تعيق ذلك، فلا هم حضروا ولا التزموا بل تحوَّل الموضوع إلى أمان المواد النووية فقط، وتبقى البشرية كل البشرية رهن خطر في يد قوى غاشمة فاسدة مفسدة، تبغي الفساد في الأرض، والله لا يحب الفساد، ولا يحب المفسدين.
وهناك خطر آخر يُحذّöر منه كل العقلاءº إذ إنه في مراحله الأولى، ولن تدرك البشرية جرمه إلا بعد فوات الأوانº ألا وهو التلاعب بالخريطة الجينية واستخدام الهندسة الوراثية الضارَّة بعيدًا عن الأخرى النافعةº حيث إن علمنا في هذه الدائرة ما زال محدودًا، وقد يترتب على هذا العلم المحدود الذي يقترب من الجهل كوارث لا يعلم مداها إلا الله، فليتَّحöدْ كل العقلاء في هذا التخصص ليوقفوا هذا العبث، وننتظر حتى يكتمل علمنا فننطلق بعد ذلك على علم وبينة ونور من الله.
أما عن التلوث القيمي الذي هو من صنع الإنسان أولاً وأخيرًا فحدّöث ولا حرجº لأن هذا هو أُسُّ الفساد والإفسادº (فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا).
ومن أوجه الخلل في التفكير الإنساني إذا ما جرى وراء شهواته بلا ضوابط من قيم الرسالات السماوية التي أجمعت عليها وسجّلت في التوراة والإنجيل والقرآن وحتى بلا تحكيم عقل ناضج.. فالله عز وجل قد خلق الجنس البشري من ذكر وأنثى، وبثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونساء، بل خلق من كل شيء زوجين ليستمر النوع بالتناسل للبقاء، فكيف تدخَّل الإنسان بجهله واتباعه لشهواته المنحرفة، وقلَّد الارتكاسة الأولى للفطرة في هذا المجال في قوم لوط.. ﴿مَا سَبَقَكُمْ بöهَا مöنْ أَحَدٍ مöنَ الْعَالَمöينَ﴾ (الأعراف: من الآية 80)، ﴿إöنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّöجَالَ شَهْوَةً مöنْ دُونö النّöسَاءö بَلْ أَنْتُمْ قَوْمñ مُسْرöفُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 81).
ورغم ما جلبوه على البشرية من ارتكاس للفطرة وانتشار لأمراض ما كانت في أسلافنا من البشر بجريمتهم هذه التي توقف سنن التناسل البشري كما خلق الله، فإنهم ما زالوا لا يستحون، بل نجد مَن يطالب لهم بحقهمº فأي عقل هذا؟ وأي حرية هذه؟!
وها هم الإخوان المسلمون يحملون قبسًا من نور الله بحمل رسالة الإسلام الشاملةº هم وكل المسلمين في كل بقاع الدنيا، بل وكل المصلحين المدركين لخطر ترك مقدرات البشرية تتلاعب بها المصالح والأهواء، وهم واثقون أن الله سيعين كل المصلحينº لأنه يحب الصالحين والمصلحين ويبغض الفاسدين والمفسدين.. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهö النَّاسَ بَعْضَهُمْ بöبَعْضٍ لَفَسَدَتö الأَرْضُ وَلَكöنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمöينَ﴾ (البقرة: من الآية 251)، ولكن الله ذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
ولنكن جميعًا على ثقةٍ من أن ظلام الدنيا كلها لا يقوى على إطفاء ضوء شمعة، بل تبدّöد هذه الشمعة البسيطة هذا الظلام الدامس.
وأيضًا لا نستقل أي مجهود مخلص تتضافر معه كل الجهود الصادقةº لأن أنهار الدنيا هي مجموع قطرات المطر.
وفي الختام.. ﴿إöنَّ اللَّهَ بَالöغُ أَمْرöهö قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لöكُلّö شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: من الآية 3).