رسالة من أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..
فإن الأمة الإسلامية عامةً والمنطقة العربية بصفة خاصة تمرُّ بمرحلة عصيبة، لم تمر بها من قَبْلº حيث تتألَّب عليها قوى الشر والباطل، وتلقي بكلّö ثقلهاº من أجل تثبيت نبتة خبيثة في أرض طيبة مباركة، وبارك من حولها، ولكونها طيبة مباركة فهي تنفي خبثها وتجتثه من جذوره.
وفي تلك الفترة من التاريخ تمَّ غزو أفغانستان، واحتُلَّت العراق، وتُنهب الثروات، وتُشرد الشعوب، ويُقتل مئات الآلاف من الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وتُغتصب النساء ويُعْتَدَى على المقدسات، ناهيك عن ما يقع في باكستان وكشمير والصومال واليمن بإيعاز من قوى الشر العالمية، والممثلة في الصهيوأمريكية، ومن يحالفهم من العملاء، ويمنحهم صك التدخل والعدوان..
وكان من ثمار ذلك:
- أزمة اقتصادية عالمية تأتي على الأخضر واليابس، ولا تبقي ولا تذر.. واصطلت البشرية بöنَارöها.. وماذا بعد أن تصير ديون أمريكا بأرقام فلكية.. وتشهر دول إفلاسها، وتعلن المئات من البنوك إفلاسها كذلك.
- يأس قاتل لا يُرَى معه بارقة أمل في الإصلاح.. ألقى بظلاله على الحكام، فجعلهم يستسلمون لكل ما يملى عليهم، ويَقْبَلُون بالذلّö والعار، ولا ينهضون لمقاومة الغاصب المحتل.. وَلَيْتَهَم حين يستسلمون يتركون لشعوبهم حق الحياة والحرية والمقاومة، بل يضربون على أيديهم بعصا غليظة من حديدº لتمنعهم حقهم في المقاومة المشروعة بل وتسلب حريتهم.
- شقاء ونكد لا يعلم القوم له سببًا، لكن الله أعلمنا ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذöكْرöي فَإöنَّ لَهُ مَعöيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقöيَامَةö أَعْمَى (124) قَالَ رَبّö لöمَ حَشَرْتَنöي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصöيرًا (125) قَالَ كَذَلöكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسöيتَهَا وَكَذَلöكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)﴾ (طِه).
والواقع خير شاهد على أن هذه القوى العالمية التي تريد أن تسيطر على العالم فاسدة في كلّö توجهاتها، وهابطة في كلّö قيمها، وكل مشاريعها منهزمة عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا، والهزيمة تلاحقهم في كلّö أرض نزلوا بها، وسوف يخرجون من فلسطين وأفغانستان والعراق تمزق أكبادهم الحسرات على ما أنفقوا من أموال، وتكون عليهم الحسرة مع ما ينتظرهم من عذاب أشد وأبقى: ﴿إöنَّ الَّذöينَ كَفَرُوا يُنْفöقُونَ أَمْوَالَهُمْ لöيَصُدُّوا عَنْ سَبöيلö اللَّهö فَسَيُنْفöقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهöمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذöينَ كَفَرُوا إöلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).
أيها المسلمون في كلّö مكان... أيها الناس أجمعون! هذا جانب ضئيل لبعض ما آل إليه حال العالم من ضيق وضنك، والجميع يبحث عن منقذ ينتشله من الردى، ومنفذ يخرجه من الظلمة.. وغاب عنهم أن المنقذ بين أيديهم، وأن علاجهم من بين جنباتهم.
إنه الإسلام دين الرحمة والعدالة والمساواة والحرية.. والقيم العليا والفضائل المثلى.
إنه القرآن الكريم رسالة الله الخالدة: ﴿لَا يَأْتöيهö الْبَاطöلُ مöنْ بَيْنö يَدَيْهö وَلَا مöنْ خَلْفöهö تَنْزöيلñ مöنْ حَكöيمٍ حَمöيدٍ (42)﴾ (فصلت).
إنه الرسول الخاتم، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إöلَّا رَحْمَةً لöلْعَالَمöينَ (الأنبياء: من الآية 107).
شهر رمضان منطلق التغيير:
إن طريق الإصلاح يبدأ من النفس، والإصلاح الذي ننشده ليس بعسير، وليس عنَّا ببعيد، إنه يتحقق بإصلاح أنفسنا التي نحملها بين جنوبنا، نصلحها بأن نأخذ بزمامها إلى ما يرضي الله، فيغير الله كل شيء حولنا، وصدق الله: (إöنَّ اللَّهَ لَا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنْفُسöهöمْ)(الرعد: من الآية 11)، فواجب كل مسلم ومسلمة أن يعرف ربه، وأن يُصْلöح نفسه، وأن يدعو غيره لهذا الخير.
وشهر رمضان الذي بدأت نسماته تطل علينا من بعيد، تحمل في طياتها كل معاني التغيير، وكل مقومات بناء النفس بداية من تطهيرها من ذنوبها وآثامها، ويصل بها إلى أعلى درجات التزكية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس).
إنه شهر الصوم، وشهر القرآن، وشهر القيام، وشهر الصبر.. كما أنه من أعظم مواسم الطاعات، فيه صنوف من العبادة تختص به، ويختص بها، وهي جمال لأوقاته، وزينة لساعاته، وحلية لأيامه ولياليه، والطاعة مذاقها حلو في كلّö وقت، وهي في هذا الشهر أحلى، وثوابها عند الله أعظم وأجزل.
شهر رمضان شهر تربية وطهارة ونصر:
- فالصوم تحرير من سطوة الغرائز: لقد فرض الله الصيام، ليتحرر الإنسان من سلطان غرائزه، وينطلق من سجن جسده، ويتغلب على نزعات شهواته، ويتحكم في مظاهر حيوانيته، ويتشبه بالملائكة، فليس عجيبًا أن ترتقي روح الصائم، ويقترب من الملأ الأعلى، ويقرع الصائم أبواب السماء بدعائه فتفتح، ويدعو ربه فيستجيب له، ويناديه فيقول: لبيك عبدي لبيك.
ولعل ذلك يفسّöر لنا أن آية الدعاء تتخلل آيات الصيام: ﴿وَإöذَا سَأَلَكَ عöبَادöي عَنّöي فَإöنّöي قَرöيبñ أُجöيبُ دَعْوَةَ الدَّاعö إöذَا دَعَانö فَلْيَسْتَجöيبُوا لöي وَلْيُؤْمöنُوا بöي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾(البقرة).
الصوم مُطَهّöر من الذنوب: وكيف لا يستجاب للمسلم والصوم يطهره تطهيرًا.. فعَنْ أَبöى هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- عَنö النَّبöيّö- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إöيمَانًا وَاحْتöسَابًا غُفöرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مöنْ ذَنْبöهö، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرö إöيمَانًا وَاحْتöسَابًا غُفöرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مöنْ ذَنْبöهö".
في الصوم ارتقاء بالأخلاق: والصوم يزكّي النفس المسلمة، ويسمو بأخلاقهاº حيث يدعوه إلى الترفع عن الصخب والرفث، وألا يَرُدّ الشتم والمقاتلة بمثلها، بل بالتذكير بقيمة الصوم، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "وَإöذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمö أَحَدöكُمْ، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإöنْ سَابَّهُ أَحَدñ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إöنّöي امْرُؤñ صَائöمñ..".
كما يدعوه إلى الترفع عن قول الزور والعمل به (ومنه تزوير الانتخابات)، وعدم مساعدة الظلم أو دعم الباطل حتى يُجْنöي ثمار صيامه، وبَيَّن أنه كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورö وَالْعَمَلَ بöهö فَلَيْسَ لöلهö حَاجَةñ فöي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".
وفي ذلك يقول الشاعر:
إذا لم يكن في السمع مني تصامم وفي مقلتي غض وفي منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظما وإن قلت إني صمت يومًا ما فما صمت
ورمضان شهر القرآن الكريم: وفي رمضان نزل القرآن الكريمº ليُخْرöج الناس من الظلمات إلى النورº وليهديهم إلى الصراط المستقيم، ويضع بين أيديهم المنهج الكامل، والدستور الدائم لكلّö جوانب الحياة، وفي رمضان يُقْبöل الناس على المساجد والبيوت، على تلاوة القرآن الكريم وترتيله، وكذلك مدارسته وتعليمه وترجمة ذلك إلى عمل، وفي ذلك صقل للنفوس، وتهذيب للأخلاق، وتحلي بالقرآن، وقد كان هذا هو خلق رسول الله، فعَنْ أَبöي الدَّرْدَاء، قَالَ: سَأَلْتُ عَائöشَةَ عَنْ خُلُقö رَسُولö اللَّهö "فَقَالَتْ: "كَانَ خَلْقُهُ الْقُرْآنَ، يَغْضَبُ لöغَضَبöهö، وَيَرْضَى لöرöضَاهُ".
إن العالم الإسلامي في رمضان المبارك يتحوَّل إلى ما يُشبه المسجد، ويا له من مسجد عظيم تعج كل زاوية من زواياه، بل كل ركن من أركانه، بملايين الحفّاظ للقرآن الكريم. يرتلون ذلك الخطاب السماوي على مسامع الأراضين، ويَظْهَرون بصورة رائعة براقة، مصداق الآية الكريمة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذöي أُنْزöلَ فöيهö الْقُرْآَنُ هُدًى لöلنَّاسö وَبَيّöنَاتٍ مöنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانö﴾ (البقرة: من الآية 185).
وفي رمضان قيام الليل: ولقيام الليل فضل عظيم لا يفوقه سوى فضل الصلوات المكتوبة فحسب، فعَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- يَرْفَعُهُ قَالَ: سُئöلَ أَيُّ الصَّلاَةö أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةö؟ وَأَيُّ الصّöيَامö أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرö رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: "أَفْضَلُ الصَّلاَةö بَعْدَ الصَّلاَةö الْمَكْتُوبَةö الصَّلاَةُ فöي جَوْفö اللَّيْلö، وَأَفْضَلُ الصّöيَامö بَعْدَ شَهْرö رَمَضَانَ صöيَامُ شَهْرö اللَّهö الْمُحَرَّمö"، وعَنْ أَبöى مَالöكٍ الأَشْعَرöيّö قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم: "إöنَّ فöي الْجَنَّةö غُرْفَةً، يُرَى ظَاهöرُهَا مöنْ بَاطöنöهَا، وَبَاطöنُهَا مöنْ ظَاهöرöهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ لöمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلاَنَ الْكَلاَمَ، وَتَابَعَ الصّöيَامَ، وَصَلَّى وَالنَّاسُ نöيَامñ".
وقيام رمضان طهارة من الذنوب، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: سَمöعْتُ رَسُولَ اللهö- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ فöي رَمَضَانَ: "مَنْ قَامَهُ إöيمَانًا وَاحْتöسَابًا غُفöرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مöنْ ذَنْبöهö".
وكان في سالف الأزمان يصعد المؤذن المنارة، وينشد:
يا رجال الليل جدوا رب صوت لا يردُّ
ما يقوم الليل إلا من له عزم وجدُّ
شهر رمضان شهر الجهاد:
ويبقى شهر رمضانº ليمنح المسلمين القوة، ويذكرهم ببدر، وإن أعداء الله ليخشون المواجهة مع المسلمين في رمضانº لأنهم على يقين من أن رمضان يمدُّ المسلمين بقوة لا تكون لهم في غير رمضان، ولقد كان الروس يتطيرون من رمضانº لأنه جرَّ عليهم في السابق ضربات موجعة، ويخشون من أن يهل عليهم شهر الجهاد وهم لا يزالون في مواجهة مع المسلمين فتنزل بهم الهزيمة.
إن رمضان ليس شهر استسلام وخمول، بل هو شهر صبر يمنح المسلم زاد الجهاد، فأول عدة للجهاد هي الصبر والإرادة القوية، فإن من لم يجاهد نفسه هيهات أن يجاهد عدوًا، ومن لم ينتصر على نفسه وشهواتها، هيهات أن ينتصر على عدوه، ومن لم يصبر على جوع يوم، هيهات أن يصبر على فراق أهل ووطن من أجل هدف كبير، والصوم بما فيه من الصبر، وفطام للنفوس من أبرز وسائل الإسلام في إعداد المؤمن الصابر المرابط المجاهد، الذي يتحمل الشظف والجوع والحرمان، ويرحب بالشدة والخشونة وقسوة العيش، ما دام ذلك في سبيل الله.. والتاريخ شاهد أن جُلَّ المعارك الكبرى كانت في هذا الشهر المبارك، بدر الكبرى، وفتح مكة، وموقعة بلاط الشهداء سنة 114هِ - 732م في بواتييه بفرنسا، ومعركة عين جالوت سنة 658هِ - 1260م في فلسطين.
ولقد أدرك هذه الحقيقة أعداؤنا فيعلل المستشرق «نيكلسون» سر انتصار المسلمين في بدر على قöلَّتهم تعليلاً جزئيًّا بقوله: "لقد كان انتصار محمد على قريش الوثنيين أمرًا طبيعيا بدهيًّاº لأن الرسول كان يُعَلّöم أتباعه النظام العسكري والجندية الكاملة خمس مرات في المسجد، ولا شك أن الفكرة العسكرية ملحوظة في الصلاة.. ولا شك أن لها آثارها ونتائجها، ولكنْ هناك روح خفيَّة أخرى يرجع إليها هذا الانتصار الباهر، ألا وهي روح الإرادة التي أشعلها في نفوس المسلمين شهر رمضان الذي وقعت خلاله هذه المعركة الإنسانية الكبرى، وأن الأرواح التي حاربت في صفّöها الملائكة لا بد أن تكون قد بلغت من الصفاء والإيمان والتجرد والإخلاص حدًّا ما كان ليستنزل جند السماء من السماء إلا لملائكة البشر الذين ربَّاهم رسول الله في مدرسة الوحي، وفي معهد القرآن، وبين جدران المسجد، وذلك يشع من قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾ (آل عمران: 123).
ذلكم هو الصوم في الإسلام، لم يشرعه الله تعذيبًا للبشر، وكيف هذا وقد جاء في آيات الصوم قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (البقرة: من الآية185).
وإنما شرعه الله إيقاظًا للروح، وتصحيحًا للجسد، وتقوية للإرادة، وتعويدًا على الصبر، وتعريفًا بالنعمة، وتربيةً لمشاعر الرحمة، وتدريبًا على كمال التسليم لله رب العالمين.
تقبَّل الله منَّا ومنكم صالح الأعمال، وجعلنا جميعًا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.. وكل عام وأنتم في طاعة.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.