رسالة من: أ.د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله ربّö العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
يقول الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذöي أُنْزöلَ فöيهö الْقُرْآَنُ هُدًى لöلنَّاسö وَبَيّöنَاتٍ مöنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانö) (البقرة: 185).
مرحبًا بشهر رمضان وبشير الخير العميم ومشرق أنوار القرآن، وشَذَا نفحات الجنان، وواحة الاسترواح في صحراء العام، وراح الأرواح بالصلاة والصيام والقيامº وصدق رسول الله "إذا أقبل رمضان فتحت أبواب الجنة، وأغلقت أبواب النار، وصفّدت الشياطين، ونادى منادٍ من قبل الحق تبارك وتعالى: يا باغي الشر أقصر، ويا باغي الخير هلمّ".
لقد قدم رمضان هذا للناس "نبيًّا وكتابًا" قامت عليهما أعظم نهضة إنسانية عرفها الوجود، وتمَّت بهما أضخم رسالة رأتها الدنيا، فكان النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم، وكان الكتاب هو القرآن الكريم، وكانت الرسالة إكمال دين، وإحياءَ أمة، وإقامةَ دولة، مهمَّتُها في الوجود أن توحّöد الوجود تحت لواء المبادئ العليا، والمثل السامية، والفضائل الإنسانية الخالدة ﴿لöتُخْرöجَ النَّاسَ مöنَ الظُّلُمَاتö إöلَى النُّورö بöإöذْنö رَبّöهöمْ إöلَى صöرَاطö الْعَزöيزö الْحَمöيدö ﴾ (إبراهيم: من الآية 1).
نعم لقد أخرج القرآن الكريم الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن التفرق والاختلاف إلى الوحدة والائتلاف، ومن التباغض والتقاتل إلى الحب والسلام.
لقد جعل الإسلام من تلك القبائل المتناحرة خير أمة: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرöجَتْ لöلنَّاسö) (آل عمران: من الآية 110)، وبوحدتهم واتحادهم حقق لهم النصر المبين، وأظهر دينه بسقوط كسرى وقيصر.. ودخل الناس في دين الله أفواجًا.. وسعدت البشرية جمعاء بعدل الإسلام ورحمته.
ولقد بُني الإسلام على شرائع وعبادات، وفرائض وواجبات، كان من جميل صنع الله لعباده فيها أن أقامها على دعائم من الخير وقواعد من البر، تفيدهم في الدنيا وتنفعهم في العقبى، وتسعدهم في الآخرة والأولى.
ومن أعظم ما ترسخه تلك العبادات الوحدة بين المسلمين، فالصلاة في جماعة وصف، والجمعة فرض يجمعهم في كل أسبوع، والصيام في شهر يجمع المسلمين في أنحاء العالم، والحج يوحدهم في الزمان والمكان، فيلتقي الجميع من أنحاء العالم على صعيد واحد وفي ثياب واحد وشعارهم واحد لبيك اللهم لبيك.
أيها المسلمون أجمعون
أيها المخلصون الصادقون
اعلموا أنه مع يقظة الشعوب المباركة، وشوقهم الشديد للحرية، وشغفهم بالعدالة، وحبهم للعزة والكرامة.. وتوقانهم للتحرر من كل سلطان أجنبي.
مع كل هذا الخير الذي يهل على أمتنا في هذا العام المبارك.. فإنه لا سبيل لنيل هذه الرغبات، وتحقيق هذه الآمال إلا باتباع الهدي القرآني الكريم، والسير في نوره المبين، والتأسي بالرسول الكريم وصحبه الكرام - رضوان الله عليهم.
ولقد رسم لنا القرآن العظيم في آيات متواليات من سورة آل عمران طريق الحرية والعزة وتتلخص في:
- تحقيق التقوى التي هي جماع كل خير، وهي ثمرة الإسلام الطيبة، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آَمَنُوا كُتöبَ عَلَيْكُمُ الصّöيَامُ كَمَا كُتöبَ عَلَى الَّذöينَ مöنْ قَبْلöكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)) (البقرة)، ويقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتöهö وَلاَ تَمُوتُنَّ إöلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلöمُونَ (102)) (آل عمران)، بل إنها للغاية التي من أجلها كان الأمر بالعبادة: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذöي خَلَقَكُمْ وَالَّذöينَ مöنْ قَبْلöكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)) (البقرة)، وفي العبودية لله تمام الحرية وكمالها، فالعبودية لله تمنعه من أن يخضع لغير الله، وتخلصه من هوى النفس ورغبات الجسد، وفي الصيام أعظم تدريب على ذلك.
- الاعتصام بحبل الله المتين: (وَاعْتَصöمُوا بöحَبْلö اللَّهö جَمöيعًا) (آل عمران: من الآية 103)، والعمل بما فيه هو السبيل لوحدة الأمة في هذه اللحظات التي نوجب علينا الاتحاد، والذي هو من فرائض هذا الدين: (وَإöنَّ هَذöهö أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحöدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونö (52)) (المؤمنون).
وبعد الهجرة أرسى رسول الله دعائم الأخوة بين المهاجرين والأنصار، وأقام المجتمع الجديد على المحبة والائتلاف بين جميع المسلمين، (إöنَّمَا الْمُؤْمöنُونَ إöخْوَةñ فَأَصْلöحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)) (الحجرات)، وما أجمل قول القاضي عياض: "والأُلفة إحدى فرائض الدين، وأركان الشريعة، ونظامñ شملَ الإسلام".
وقد أشار إلى ذلك الإمام البنا رحمه الله فيقول: "أعتقد أن سلفنا الصالح- رضوان الله عليهم- وصلوا إلى ما وصلوا إليه من سعادة في الدنيا ومثوبة في الآخرة سجلها لهم الحق- تبارك وتعالى- في كتابه بقوله: ﴿فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابö الآخöرَةö﴾ (آل عمران: من الآية 148) بأمرين اثنين أساسيين:
أولهما: قوة إيمانهم بالله تبارك وتعالى، وحسن اعتمادهم عليه، وجميل استمدادهم منه واستنادهم إلى تأييده، وأملهم في نصره، واعتزازهم بهذه العزة الربانية المستمدة من هذا الإيمان ﴿وَلöلَّهö الْعöزَّةُ وَلöرَسُولöهö وَلöلْمُؤْمöنöينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8)، فكان أحدهم إذا تكلَّم، أو عمل، أو جاهد أو اغترب أو أقام.. شعر بأن الله معه أينما كان، ويراه ويراقبه، يحفظه ويؤيده ويرعاه ﴿وَمَا تَكُونُ فöي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مöنْهُ مöنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مöنْ عَمَلٍ إöلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إöذْ تُفöيضُونَ فöيهö وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبّöكَ مöنْ مöثْقَالö ذَرَّةٍ فöي الأَرْضö وَلا فöي السَّمَاءö وَلا أَصْغَرَ مöنْ ذَلöكَ وَلا أَكْبَرَ إöلاَّ فöي كöتَابٍ مُبöينٍ (61)﴾ (يونس)، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بöمَا تَعْمَلُونَ بَصöيرñ﴾ (المجادلة: من الآية 4).
وثانيهما: شدة تماسك بنيانهم وقوة رابطة جماعتهم، قوة أساسها صفاء القلوب ونقاء السرائر، وتقدير معنى الوفاء والشعور بقدسية الأخوة، وإشراق القلوب بمشاعر الحب في الله إشراقًا سما بها إلى معنى الإيثار ﴿وَالَّذöينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإöيمَانَ مöنْ قَبْلöهöمْ يُحöبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إöلَيْهöمْ وَلا يَجöدُونَ فöي صُدُورöهöمْ حَاجَةً مöمَّا أُوتُوا وَيُؤْثöرُونَ عَلَى أَنْفُسöهöمْ وَلَوْ كَانَ بöهöمْ خَصَاصَةñ﴾ (الحشر: من الآية 9)، حتى كان الرجل منهم يؤثر أخاه بماله وأهله وقوته وحياته وكل ما يملك.
بهذين المعنيين انتصر هؤلاء النفر من السلف الصالح مع قلة عَدَدöهم وضعف عُدَدöهم، وتجردهم عن كل المنافسة لغيرهم ممن كانوا أوسع منهم سلطانًا، وأكثر أموالاً وأوسع عمرانًا، ولكن الإيمان والحب هما- ولا شك- أقوى في عدد النصر.
- نشر الخير والمعروف بين الناس، واجتثاث بذور الشر وردم بؤر الفساد وتطهير المجتمع من الظلم والاستبداد: (وَلْتَكُنْ مöنْكُمْ أُمَّةñ يَدْعُونَ إöلَى الْخَيْرö وَيَأْمُرُونَ بöالْمَعْرُوفö وَيَنْهَوْنَ عَنö الْمُنْكَرö وَأُولَئöكَ هُمُ الْمُفْلöحُونَ (104)) (آل عمران)، وقال رَسُولَ اللهö: "مَنْ رَأَى مöنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيّöرْهُ بöيَدöهö، فَإöنْ لَمْ يَسْتَطöعْ فَبöلöسَانöهö، فَإöنْ لَمْ يَسْتَطöعْ فَبöقَلْبöهö، وَذَلöكَ أَضْعَفُ الْإöيمَانö"، ومن أجل ذلك كانت لنا الخيرية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرöجَتْ لöلنَّاسö تَأْمُرُونَ بöالْمَعْرُوفö وَتَنْهَوْنَ عَنö الْمُنْكَرö وَتُؤْمöنُونَ بöاللَّهö) (آل عمران: من الآية 110).
- نبذ الفرقة والاختلاف والتنازع: ﴿وَاعْتَصöمُوا بöحَبْلö اللَّهö جَمöيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا) (آل عمران: من الآية 103)، وقد حذرنا ربنا من أن نسلك درب السابقين في الاختلاف فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذöينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مöنْ بَعْدö مَا جَاءَهُمُ الْبَيّöنَاتُ وَأُولَئöكَ لَهُمْ عَذَابñ عَظöيمñ (105)) (آل عمران).
وما أخطر التنازع والاختلاف بين أفراد الأمة إنه يوردهم المهالك، ويسلمهم إلى الضعف والفشل والهوان: ﴿وَأَطöيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رöيحُكُمْ وَاصْبöرُوا إöنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابöرöينَ (46)) (الأنفال: 46)، وقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَذَهَبْتُمْ مöنْ عöنْدöي جَمöيعًا، وَجöئْتُمْ مُتَفَرّöقöينَ إöنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمö الْفُرْقَةُ" وفي رواية: "فَإöنَّمَا أهلك من كَانَ قَبْلَكُمُ الاخْتöلافُ".
- لقد منحنا الله هذا النصر العظيم حين رأى وحدة أبناء الشعب المصري في كل الميادين- المسلم والمسيحي والرجل والمرأة والشاب والكهل- ولأول مرة تؤدى الشعائر التعبدية في مكان واحد، وفي حراسة الآخر، فالمسلم يصلي في حراسة المسيحي، والمسيحي يؤدي قداسه في حراسة المسلم، وهل أتاك حديث المسيحي الذي وقف قائلاً: الله أكبر ليبلغ تكبير الإمام لمن لم يسمع من المصلين.
- وليعلم كل مصري ومصرية أنه لن تتحقق لنا الحرية والعدالة والعزة والكرامة التي ثرنا من أجلها، إلا بالمحافظة على وحدتنا، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية، وأن تكون مصر ومصالحها فوق الجميع.
أيها الإخوان المسلمون:
إن من الناس من يتبع القول بقول ويظل يدور في فلك الأقوال، ولا يعمل شيئًا، ومنهم من يتبع القول بالعمل، ومنهم من يتبع العمل بعمل ولا مكان عنده للكلام.. فاعملوا في صمت، وأخلصوا في عملكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون.
وفي هذا الشهر الكريم جددوا العزم، وأخلصوا النية، وجددوا إيمانكم، واستبقوا الخيرات، وازدادوا إيمانًا بسمو دعوتكم، وأتبعوا العمل بعمل، واحرصوا على رباط أخوتكم، فهي عماد قوتكم، وسر نجاحكم، وإن الجماعة لا تحقق أهدافها إلا بالثقة في القيادة والطاعة المبصرة فى المعروف لها.. (وَقُلö اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمöنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إöلَى عَالöمö الْغَيْبö وَالشَّهَادَةö فَيُنَبّöئُكُمْ بöمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)) (التوبة).