رسالة من: أ. د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعدº
فإن الأمة العربية والإسلامية في ظلّö ثوراتها تعيش الربيع العربي، وتتطلع عَبْرَه إلى مستقبل مشرقٍ بالحرية وبَاسöمٍ بالعدالة والمساواة، وقبل هذا كله وفي مقدمته التحرر من كلّö سلطان أجنبي، والذي كان في السابق مستعمرًا يحتل الأرض، وفي الحاضر غاصبًا يحتل الفكر والعقل، وخلف من ورائه من بني جلدتنا مَن يسعى إلى خدمته، ويسوّöق لفكره وبضاعته أكثر مما كان يفعله يوم أن كان يحتل الأرض.
خصائص القائد المصلح
والأمة في هذه الحال أحوج ما تكون إلى القادة المهَرة، والمصلحين المخلصين، والزعماء الأقوياء الذين تتوفر فيهم شروط القيادة الصالحة:
* علم بسياسة الأمم، وتحليل للنفوس وطبائع الجماعات، ومعرفة بمتطلبات العصر الجديد.
* استيعاب لمظاهر النهوض بحيث تشمل شئون حياة الأمة.
* إخلاص يدعوهم إلى التضحية، وإيمان يدفعهم إلى الثبات.
هؤلاء هم الذين يُخرجون الأمة من حيرتها، وتكون هدايتها وإرشادها على أيديهم.
الحرية مسئولية وضوابط
وأمتنا العربية والإسلامية الآن تموج بنهضة جدية ومظاهر النهوض تتجلى في كلّö مظاهر حياتهاº من ثورة سياسية، إلى إصلاح اجتماعي، إلى يقظة اقتصادية، إلى رغبة قوية مُلحّöة في الحرية والعدالة والمساواةº حتى يؤدي بها ذلك إلى الرقي والعزة والتقدم في ركب الأمم.. نتذكر أن الحرية هي المسئولية بعينها، وأن الإسلام قد منح كل إنسان الحرية الكاملة أن يعمل ما يشاء، لكن في إطار ضابطين:
الأول- كما تدين تدان:
في ظلّö الإيمان بالقصاص العادل، وأن ما تفعله بالآخرين سوف يُفعل بكº يتوقف كل فرد عن الاعتداءº لأنه يوقن بِ"كَمَا تَدöينُ تُدَانُ، وَكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ، وَبöالْكَأْسö الَّذöي تَسْقöي بöهö تَشْرَبُ وَزöيَادَةًº لöأَنَّ الْبَادöيَ لَا بُدَّ أَنْ يُزَادَ"، عَنْ أَبöي قöلَابَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهö صلى الله عليه وسلم: "الْبöرُّ لَا يَبْلَى، وَالْإöثْمُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُº فَكُنْ كَمَا شöئْتَ، كَمَا تَدöينُ تُدَانُ".
وهذا ما عالج به النبي صلى الله عليه وسلم مَن جاءه ليأذن له بالزنا، فَقَالَ لَهُ النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَتُحöبُّهُ لöأُمّöكَ؟" قَالَ: لَا. قَالَ: "وَكَذَلöكَ النَّاسُº لَا يُحöبُّونَهُ لöأُمَّهَاتöهöمْ". قَالَ: "أَتُحöبُّهُ لöابْنَتöكَ؟" قَالَ: لَا. قَالَ: "وَكَذَلöكَ النَّاسُº لَا يُحöبُّونَهُ لöبَنَاتöهöمْ". قَالَ: "أَتُحöبُّهُ لöأُخْتöكَ؟" قَالَ: لَا. قَالَ: "وَكَذَلöكَ النَّاسُº لَا يُحöبُّونَهُ لöأَخَوَاتöهöمْ"، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهö صلى الله عليه وسلم يَدَهُ عَلَى صَدْرöهö فَقَالَ: "اللهُمَّ كَفّöرْ ذَنْبَهُ، وَطَهّöرْ قَلْبَهْ، وَحَصّöنْ فَرْجَهُ".
وما أجمل هذا البيت:
وَاعْلَمْ وَأَيْقöنْ أَنَّ مُلَّكَكَ زَائöلñ ... وَاعْلَمْ بöأَنَّ كَمَا تَدöينُ تُدَانْ
الضابط الآخر- إنك مجزيّñ بعملك:
إذا كان بعض الجزاء يُعجَّل في الدنيا، فإن تمام الجزاء يكون يوم الدين، (وَإöنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقöيَامَةö) (آل عمران: من الآية 185)، وعَنْ سَهْلö بْنö سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ جöبْرöيلُ إöلَى النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ، عöشْ مَا شöئْتَ فَإöنَّكَ مَيّöتñ، وَاعْمَلْ مَا شöئْتَ فَإöنَّكَ مَجْزöيّñ بöهö، وَأَحْبöبْ مَنْ شöئْتَ فَإöنَّكَ مُفَارöقُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمöنö قöيَامُه اللَّيْلö، وَعöزّöهُ اسْتöغْنَاؤُهُ عَنö النَّاسö".
وإن تمام الحرية في تمام العبودية لله تعالىº هذه الحرية التي تخلّöص المسلم وتحرره حتى من شهواته المباحة حين يكون قضاؤها معصية، كما في الصيام. وحين يكون عبدًا خالصًا لله، فلن يكون عبدًا لغيره.
كيف نصل بثوراتنا إلى برّö الأمان؟
إن تحقيق مطالب الثورات، والوصول بالأمة إلى برّö الأمان لن يتحقق إلا بأمرين لا ثالث لهما:
أولهما- أن تحدد الأمة منهاج نهوضها، ودعائم حياتها المستقبلة، ونحن نعتقد يقينًا أن في نُظُم الإسلام وقوانينه ودستوره الحكيم- وهو القرآن الكريم، والسنة النبوية المبينة له، وعمل الصحابة- ما يحقق هذه الغاية أتم تحقيق.
والأمر الآخر- أن تتضافر همم كل أبناء الأمة من رجالها ونسائها، ومسلميها ومسيحييها، لبناء مؤسساتها الأساس، باختيار المجالس النيابية، واختيار المجلس الذي يضع الدستور الدائم، وينتخب رئيس الدولة، هذا بالإضافة إلى بناء المجالس المحلية، وإتمام بناء النقابات المöهْنية.
ضوابط التصدي للعمل العام
كل ذلك على أساس انتخاب حر ونزيه، يراعَي في من يتقدم إلى تلك المؤسسات، أنه تكليف من الشعب من أجل مصلحة الشعب، وأنه يقدم مصلحة الوطن على مصالحه الشخصية، وأنه يبذل من وقته وجهده ومالهº أي أنها مغرم لا مغنمº وذلك من أجل بناء الوطن، والنهوض بأخلاقه، وتحقيق الحرية المساواة والعدالة لكلّö أبناء الأمة، كما يعمل على رفع الإنتاج، والارتقاء بالاقتصاد حتى تتحرر الأمة من التبعية للآخرينº لأن الأساس الأول في نيل التمتع بالحرية والتحرر من الأجنبي أن يتحرر الاقتصاد، وأن نحقق الاكتفاء الذاتي في كلّö مقومات حياتنا، فنستغني عن كل معونة تكبل أيدينا، وتقيد قرارنا وما يترتب على ذلك من تغليب لمصالح خاصة بل ومصالح الأعداء على مصلحة الشعب، كما كان في العصر الغابر من تقديم مصلحة الحكام والمنتفعين والصهاينة وأعوانهم على مصلحة الأمة.
روح التحرير وأخلاقه
في ميدان التحرير تجمَّع أبناء الأمة رجالاً ونساءً مع اختلاف التوجهات والأعمار والدين والجنسº لتحقيق هدف واحدº ألا وهو إسقاط النظامº فلما رأى الله من الأمة وحدتها، ووحدة هدفها، أزال الله النظام بحوله وقوته.
والآن أعداؤنا يتَّحدون على هدف واحدº ألا وهو إزهاق الثورة في مهدها، وتفريغها من مضمونها، بأن يفرقونا بأكاذيب يختلقونها، ويشعلون الحروب بين أبناء الأمة بما يروجونه من شائعات لا أساس لها.
إن أعداء الثورة يمكرون الليل والنهار لتقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر وتتضاغن وتتراشق بالسباب، وتترامى بالتهم، ويكيد بعضها لبعض، وتتشيع لمناهج وضعية أمْلَتها الأهواء، وشكَّلتها الغايات والأغراض وفسَّرتها الأفهام وفق المصالح الشخصية، والعدو يستغل كل ذلك لمصلحته، ويزيد وقود هذه النار اشتعالاًº يفرقهم في الحق ويجمعهم على الباطل، ويحرم عليهم اتصالهم بعضهم ببعض، وتعاونهم بعضهم مع بعض، ويحل لهم هذه الصلة به، والالتفاف حولهº فلا يقصدون إلا داره، ولا يجتمعون إلا زوارهº فتلك الطامة الكبرى، ولا خير فيها لدعاتها ولا للناس، ويسخّöرون من أجل ذلك وسائل إعلام مرئية ومسموعة ومقروءة.
آمنوا بربكم يَكْفöكُم مكرهم
وحين نضع بين أيدي قومنا الطريق للإصلاح، ونحذرهم من كيد الأعداء ومكرهم، فإننا نثق بوعد الله في كتابه العزيز من أن:
- المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وأن هذا من سنن الله التي لا تتخلف، قال الله تعالى: (وَلا يَحöيقُ الْمَكْرُ السَّيّöئُ إöلاَّ بöأَهْلöهö فَهَلْ يَنْظُرُونَ إöلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلöينَ فَلَنْ تَجöدَ لöسُنَّةö اللَّهö تَبْدöيلًا وَلَنْ تَجöدَ لöسُنَّةö اللَّهö تَحْوöيلًا (43)) (فاطر).
- مكرهم إنما هو بأنفسهم: (وَكَذَلöكَ جَعَلْنَا فöي كُلّö قَرْيَةٍ أَكَابöرَ مُجْرöمöيهَا لöيَمْكُرُوا فöيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إöلاَّ بöأَنفُسöهöمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)) (الأنعام).
- عذاب الله سينزل بهم، وأن مكرهم إلى بوار: (وَالَّذöينَ يَمْكُرُونَ السَّيّöئَاتö لَهُمْ عَذَابñ شَدöيدñ وَمَكْرُ أُوْلَئöكَ هُوَ يَبُورُ (10)) (فاطر).
- التوكل على الله هو مصدر قوتنا، ومنطلق نهضتنا: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهö فَهُوَ حَسْبُهُ إöنَّ اللَّهَ بَالöغُ أَمْرöهö قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لöكُلّö شَيْءٍ قَدْرًا (3)) (الطلاق).
فالواجب علينا حماية ثوراتنا، والاتحاد والتآلف حول المصالح العليا للوطن، وعدم إعطاء أعدائنا الفرصة لا داخليًّا ولا خارجيًّا للنيل من منجزات ثورتنا واستعادة مكانتنا المستحقة بين أمم العالم، وأن يصبر بعضنا على بعض، مبتعدين عن رسائل التخوين والتخويف، مجتمعين على المُتفق عليه، وعاذرين بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.
وصَلّö اللهم وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه، والله أكبر ولله الحمد.