رسالة من المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ محمد مهدي عاكف
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه.. وبعد!!
فإن المتأملَ في تاريخنا المعاصر، والناظرَ إلى المستجدات في الأوضاع السياسية في عالمنا اليوم يجد نفسَه أمام تساؤل عريض: هل حقًّا يتجه العالمُ إلى مزيدٍ من الحريةö واحترامö حقوقö الإنسان، وتحققö العدل، وإنهاءö مظاهر الظلم والقهر السياسي والاجتماعي، الذي تسلط على أمم شتى- في قلبها عالمُنا الإسلامي- طوالَ عقود من الزمن؟! هل نحن على أعتاب حقبةٍ من الزمن تسودُ فيها كلمةُ الشعوب التي طالما عانت الاستبداد، وتعلو فيها إرادتُها، وتَفرض فيه كلمتَها، وتَسترد حريتَها من براثن ظالميها؟!
منذ حوالي نصف قرن من الزمان كان العصر عصرَ ديكتاتوريات عسكرية غاشمة، تسلطت على شعوبها بالباطل، وإن تذرَّعت بذرائع العدل والقدرة على تحقيقه، وذلك في شتى أرجاء دول ما يُعرف بِ(العالم الثالث)، الذي تُمثّöل أقطارُنا الإسلاميةُ الشطرَ الأكبرَ فيه.. وجدنا تلك الأنظمة العسكرية الباطشة في مصر وسوريا وباكستان وإيران وإندونيسيا وتركيا، وغيرها الكثير على امتداد قارات العالم البائس في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وقد وَجدت هذه الأنظمةُ الدعمَ لها من دول أوروبا وأمريكا، تلك التي طالما تحدثت عن الحريات، وتنعَّمت هي وحدها بها.
ونجح ذلك التحالف الأثيم في سرقة نتائج ثورات الشعوب ضد الاستعمار ومظالمه، وقامت تلك النظم المستبدة القاسية بدورها المطلوب منها في بلدان عالمنا الإسلامي.. ألا وهو تعويق الصحوة الإسلامية لهذه الشعوب، وتضليلها عن هويتها، وشغلها عن قضاياها الحقيقية، في الاستقلال الفكري، والعزة الدينية، والتنمية السوية في شتى مجالات حياتها، وفرض التخلف الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والتقني عليها، وحراسة الكيان الصهيوني المزروع في القلب منها، حتى غدا قوةً إقليميةً نوويةً يُحسب لها ألف حساب..!!
غير أن أمريكا والغرب يتلفَّتون اليوم فيجدون أن سياستهم تلك- في دعم وتأييد الديكتاتوريات الغاشمة- قد جاءت بغير ما يقصدون.. صحيح أنها حققت كثيرًا من أهدافها السابقة، لكنها أيضًا أثمرت كراهيةً شديدةً للغرب ومنظومته السياسية الجائرة، بقدر كراهية هذه الشعوب طغاتها من حكامها والمستبدين فيها، وازداد استمساك هذه الشعوب بالإسلامº حيث وجدوا فيه العاصم من الضياع، والمنقذ من الضلال، بل إن كثيرًا من تلك الشعوب قد أعاد اكتشاف حقائق الإسلام التي غيبتها عادات بالية، ومفاهيم مغلوطة، وغزوñ فكريّñ منظَّم، وأصبح الكيان الصهيوني مهددًا من داخله بالانتفاضة المباركة وعمليات الاستشهاديين من شباب الإسلام ونسائه وشيوخه على السواء، بل وَجدت أمريكا نفسَها مهددةً في أرضها بفعل تنامي العداء ضدها، وكانت أحداث 11 سبتمبر المثال الصارخ على ذلك العداء، فانقلب السحر على الساحر، وباتت أمريكا والغرب ينظرون إلى عظيم جناية هذه النظم المستبدة المتهالكة، ونسوا أو تناسَوا عظيم جنايتهم هم، وتاريخهم الأسود في جلب هذه الأنظمة، والتخطيط لها، ومباركتها، ودعمها!! وتعالت صيحات الساسة هناك بوجوب إعطاء الشعوب حرياتها، وهي صيحات تحتاج إلى إمعان نظرº إذ ما زالت تحوطها الشكوك والظنون!!
لقد أثمرت ثقافة حقوق الإنسان وحرية الشعوب حركةً حقيقيةً، تستهدف الحرية، وتثور على القهر والكبت والاستبداد، ورأينا ثورات الشعوب في رومانيا وأوكرانيا وجورجيا وغيرها من أقطار شرق أوروبا مدعومةً- لأغراض شتى- من أمريكا والغرب في سعيöهم لإنهاء آثار ما تبقى من أنظمة شمولية شيوعية هناك.
وأعلن الساسة في أمريكا والغرب مرارًا وجوبَ الإصلاح السياسي في عالمنا العربي والإسلامي، وهو إعلان يأتي تعبيرًا عن مراجعة لسياسات خاطئة، مارسها الغرب ضدنا على امتداد عقود من الزمن، ولكن تظل الشكوك تحيطها، فأي حرية تريدها أمريكا لشعوبنا، ونحن نرى جرائمها في العراق وأفغانستان كل يوم، وانتهاك حقوق الإنسان هنا وهناك على أيدي الجنود الأمريكيين، وبمباركة ساستهم وقادتهم؟! وأي حرية تلك التي ترتضي استمرار الاحتلال الصهيوني لأراضي فلسطين والجولان، وتشريد شعبنا هناك، ومصادرة حق اللاجئين منه في العودة مستقبلاً إلى ديارهم، مع استمرار قصف البيوت ومصادرة الأراضي، ومحاصرة شعب بأكملهº إرضاءً للتعصب الصهيوني والهوى الأمريكي؟! وأي حرية تلك التي تتسق مع استمرار تأييد الأنظمة المستبدة وجرائمها في حق شعوبها؟!
الحرية لن توهب بل تُنتَزع
إن على شعوبنا أن تدرك أن حقوقها لن تتحقق من خلال ضغوط أجنبية لها أهدافها وأجندتها الخاصة بها، وهي- أي الشعوب- ليست عاجزةً عن انتزاعها بنفسها، خاصةً إذا تخلت عن سلبيتها ولا مبالاتها واستسلامها، وأصرَّت على رفضها وعدم قبولها للهوان، وعقدت العزم على المشاركة بإيجابية وفعالية في صنع الحياة وتقرير المصير.. إن الشعوب يجب أن يكون لديها الإيمان بقدراتها وطاقاتها غير المحدودة على الإصلاح والتغيير، كما يجب أن يكون لديها الاستعداد والإقبال على البذل والتضحية والفداء، فالحرية لها تكاليفها الباهظة وأعباؤها الضخمة وتضحياتها الكبيرة، والتاريخ القديم والحديث يدعم ذلك ويؤكده.
لقد كنا دائمًا وسنظل نؤمن بأن الحرية لن تؤخَذ إلا بسواعدنا وعلى أكتفانا، وأن التغيير لا يأتي إلا من داخلنا، والله تعالى يقول: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنفُسöهöمْ} (الرعد:12)، وكنا دائمًا وسنظل نؤمن بقيمة الشعوب المسلمة، وقدرتها على تحقيق أهدافها وانتزاع حرياتها.
صبرنا ليس ضعفًا
وقد يخطئ بعض حكامنا حين يترجم صبر شعبه وتحمُّله على أنه ضعفñ أو عجزñ، وطالما نصحنا- نحن الإخوان المسلمين- شعوبَنا أن تحترس من فتن الداخل وخطرها، وأن تنصح حكامها، وتواصل النصح والإرشاد، بدل أن تثور ثوراتٍ لا تخدم إلا أغراض الأعداء المتربصين بنا.. غير أننا ندرك أن مدى الصبر قد طال، وأن حدَّ الظلم الذي تتعرض له شعوبنا قد بلغ المدى، وأنه آن الأوان أن تدرك تلك الأنظمة الحاكمة أن العصر هو عصر حريات الشعوب، وأنهم إن لم يبدأوا مسيرة الإصلاح الحقيقي من أنفسهم فسوف يُفرض عليهم من خارجهم، وحتى يحدث ذلك سيكونون عرضةً للابتزاز، ولمزيد من التركيع والإذلال، وإن حجتهم السخيفة في وجوب الاستقرار وضرورته لم تعد تقنع أحدًا، فالاستقرار المفروض على الداخل بالحديد والنار لن يقف حائلاً دون التغيير القادم من الخارج لأغراضه الخاصة.
الإصلاح عندنا
لم يكن إيمان الإخوان المسلمين بحتمية التربية وتغيير النفوس من داخلها عبثًا وتضييعًا للوقت، وها هي ذي الأيام تُثبت صواب النظرة الإسلامية، وأن الطليعة المسلمة التي تربَّت على مبادئ الإسلام وقيمöه هي التي تستطيع أن تطالب بالإصلاح على بصيرةٍ ووعيٍ، وأن تدفع تكاليفه عن رضا ويقين، وقد كان إمامنا الشهيد حسن البنا معبرًا عن فهم الإسلام الصحيح، حين بدأ دعوته بتربية الفرد المسلم، وتكوين إنسان سليم العقيدة أولاً، ثم البيت المسلم، فالمجتمع المسلم، ثم إصلاح الحكومة، حتى تكون إسلامية بحق، وبذلك تؤدي مهمتها كخادم للأمة، وأجيرٍ عندها، وعاملٍ على مصلحتها..".
فالإصلاح عندنا يبدأ بإصلاح الإنسان، ومعرفته بحقوقه، وفرضية نيلها، والحفاظ عليها، والدفاع عنها، والإنسان عندنا ليس هو الإنسان المسلم فقط، بل كل مخلوق لله، ينبغي احترامُ حقّöه وصدق إرادته، وقد قال تعالى: {ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنöي آدَمَ} (الإسراء:70)، فلا عنصريةَ عندنا ولا بغيَ، ولا سيادةَ لجنس على جنس، ولا لأمةٍ على غيرها، ولسنا نقبل هذه النظرة المستعلية- للسياسة الغربية والأمريكية- التي ترى حقوقًا لبني جنسها ليست لغيرهم، وتقبل انسحاق الإنسان العراقي أو الفلسطيني أو الأفغاني ليسودَ الإنسانُ عندهم، ويتمتع بخيرات نهبهم.
وصلاح الإنسان في عقيدتنا يبدأُ بإصلاح ما بينه وبين ربه، فيخلص العبودية لله وحده، ولا يتخذ من هواه إلهًا، وكم جرَّت الأهواءُ علينا من مظالم..!! وهل تدفع أمتنا اليوم إلا ثمن أهواء حكام ضلوا السبيل عن ربهم، وتقلصت مخافته من نفوسهم؟!
والإصلاح عندنا يستهدف تحقيق العدل في الأرض {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بöالْعَدْلö والإحْسَانö} (النحل:90)، والعدل عندنا ليس نسبيًّا ولا خاضعًا للأهواء والعصبيات، بل هو عدلñ مطلقñ، ولو كان مع الأعداء والخصوم {ولا يَجْرöمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدöلُوا اعْدöلُوا هُوَ أَقْرَبُ لöلتَّقْوَى} (المائدة: 8)، وكم قاست أمتُنا من دعاوَى العدل الفارغة التي تكيل بألف مكيال..!! وكم جرَّ ميل ميزان الحق من مظالم للبشرية كلها {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا ووَضَعَ المöيزَانَ* أَلا تَطْغَوْا فöي المöيزَانö* وأَقöيمُوا الوَزْنَ بöالْقöسْطö ولا تُخْسöرُوا المöيزَانَ} (الرحمن: 7-9).
إن إقامة العدل الحقيقي كما أقره الله تعالى، وإنهاء المظالم الطاغية هو الطريق الوحيد لتحقيق السöلْم الدولي في عالم مضطرب لا يَقöرُّ به قرار {وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسö أَن تَحْكُمُوا بöالْعَدْلö} (النساء: 58)، والناس هنا هم كل الناس بغير تفرقة أو تحيُّز.
أيها الناس أجمعون
تلكم بعض معالم الإصلاح عندنا، ندعو الناس كلهم إليها، حكامًا ومحكومين، وليعلموا جميعًا أنْ لا إصلاحَ يُرجى إلا بتوبةٍ نصوح، توبةٍ تُعيد الحقَّ إلى نصابه، وتُنصف كل مظلوم، وإن القلوب القاسية والأيدي المُضرَجة بدماء الضحايا، والبطون التي اعتادت أكلَ السحت والتلذذَ به لا يُرجى خيرُها، إلا أن تُحدöثَ لله توبةً ترجو ثوابَها بين يديه {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لöرَبّö العَالَمöينَ} (المطففين: 6)، يوم تَقتص فيه الشاةُ الجمَّاء- التي لا قرونَ لها- من الشاة القرناء..!! فما الظن بالإنسان الذي أقامه الله في الأرض خليفةً له {إنّöيْ جَاعöلñ فöي الأَرْضö خَلöيفَةً} (البقرة:30)!! وحديث القرآن عن الإصلاح يربط بينه دائمًا وبين التوبة السابقة عليه {فَمَنْ تَابَ مöنْ بَعْدö ظُلْمöهö وَأَصْلَحَ فَإöنَّ اللهَ يَتُوْبُ عَلَيْهö} {إöلاَّ الَذيöنَ تَابُوا وأَصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُوْلَئöكَ أَتُوبُ عَلَيْهöمْ} (البقرة:160).
وما زلنا نرجو لحاكمينا توبةً تنقذهم من عذاب الله في الآخرة، ومن غضب شعوبهم في الدنيا، وهو غضبñ آتٍ لا محالةَ إن ظلت تلك المظالم قائمةً، تلك سنةُ الله في خلقه {فَلَن تَجöدَ لöسُنَّةö اللَّهö تَبْدöيلاً} (فاطر:43)، وما زلنا نرجو توبةً لشعوبنا يعودون بها إلى الله خالقهم، ويطالبون بها بحقوقهم المهدَرَة، فقد أخبرنا رسولنا- صلى الله عليه وسلم- أن الله اشتدَّ غضبُه على قومٍ ضاع الحق بينهم.. اللهم هل بلغت؟!.. اللهم فاشهد.
وصلَّى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.