رجب الفرد.. وحرمة القتال
[23-05-2013][15:41:25 مكة المكرمة]
رسالة من : أ.د. محمد بديع - المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد
يطل علينا شهر رجب الأصم.. هو الشهر الفرد من بين الأشهر الأربعة الحُرُم.. رجب ثم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم... وهي أشهرñ عظمها الحق سبحانه وتعالى منذ بدء الخليقة.. وحرم فيها القتال والاعتداء على النفس بأى نوع من الأذى.. قال سبحانه:(إنَّ عöدَّةَ الشُّهُورö عöندَ اللَّهö اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فöي كöتَابö اللَّهö يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتö والأَرْضَ مöنْهَا أَرْبَعَةñ حُرُمñ ذَلöكَ الدöّينُ القَيöّمُ فَلا تَظْلöمُوا فöيهöنَّ أَنفُسَكُمْ)(التوبة : 36).
فكان الأمن والأمان والسلام يعم جزيرة العرب في هذه الأشهر.. في شهر ذى الحجة حيث تؤدى المناسك، وقبلها بشهر وبعدها بشهر حتى يأمن الناس على أرواحهم وأموالهم فى الذهاب والإياب وأداء المناسك، وفي شهر رجب حيث تكثر العمرة إلى بيت الله الحرام، وكان العربي- عابد الصنم- يلقى قاتل أبيه فى هذه الأشهر الحرم، فلا يثأر منه ولا يعتدي عليه تعظيمًا لحرمة هذه الشهور.. وكأن الله تعالى يريد أن يكبح دوافع الشر وشهوة الانتقام في نفوس البشر خلال فترة محدودة (وهي الأشهر الحرم) أو في أماكن محدودة (مثل البيت الحرام والأرض الحرام)º ليتعود الإنسان أن يكظم غيظه وأن يكبح هواه، فلا يندفع في الانتقام لذاته أو الانتصار لحظ نفسه، وأن يعظم حرمة النفس الإنسانية خلال شهور محدودة، ليكون ذلك ديدنه في باقي شهور السنة وسائر الأمكنة مع البيت الحرام.
إن النفس الإنسانية غاليةñ عند الله تعالى، لأنه سبحانه هو واهب الحياة ونافخ الروح (فَإذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فöيهö مöن رُّوحöي فَقَعُوا لَهُ سَاجöدöينَ) (الحجر: 29).
وإنَّ الدم البشرى حرامñ فلا يصح أن يهراق بغير حق، وإن الاعتداء على الحياة جريمة عظمى لا تغتفر، وحينما وقعت جريمة القتل الأولى في تاريخ البشرية- من قابيل على أخيه هابيل- بدافع الحقد والغيرة والحسد، حذر الله تعالى من مغبتها ومن محاكاتها، فقال عز وجل: (مöنْ أَجْلö ذَلöكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنöي إسْرَائöيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بöغَيْرö نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فöي الأَرْضö فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمöيعًا ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمöيعًا) (المائدة: 32).
إن القاتل لا يعتدي على المقتول وحده بل يعتدى على كل من حولهº زوجته وأولاده، وأمه وأبيه وإخوته، وأقاربه وأصحابه فيدخل الحزن والألم والفقر والضياع، على الأم الثكلى والزوجة الأرمل والأطفال اليتامى، وكل إنسان صاحب ضمير حى يأسى لرؤية الدماء وتمزق الأشلاء، ونشر الدمار.
وإذا كان القتل حرامًا عند الله تعالى فإن كل ما يؤدي إلى القتل ويؤذى النفس البشرية حرام كذلك كالإيذاء والضرب والتعذيب والترويع والخطف والحبسº مما تقع فيه البشرية في عصورها وأحوالها الظالمة المُظلمة.
وهذا ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الطبراني عَنö ابْنö عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهö صَلَّى اللهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ: "لَا يَقöفَنَّ أَحَدُكُمْ مَوْقöفًا يُقْتَلُ فöيهö رَجُلñ ظُلْمًا، فَإöنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزöلُ عَلَى مَنْ حَضَرَ حöينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ، وَلَا يَقöفَنَّ أَحَدñ مöنْكُمْ مَوْقöفًا يُضْرَبُ فöيهö أَحَدñ ظُلْمًا، فَإöنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزöلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ حöينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ" خلاصة الأمر أن الله تعالى الذي خلق الإنسان يريد له العيش في أمن وأمان وسلام، ولهذا عظَّم حُرمة الدم وحرمة النفس قال تعالى:(ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنöي آدَمَ وحَمَلْنَاهُمْ فöي البَرöّ والْبَحْرö ورَزَقْنَاهُم مöّنَ الطَّيöّبَاتö وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثöيرٍ مöّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضöيلاً) (الإسراء: 70).
وقد أخرج الطبراني عَنْ جَابöرٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ النَّبöيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ مَكَّةَ، اسْتَقْبَلَهَا بöوَجْهöهö، وَقَالَ: "أَنْتö حَرَامñ، مَا أَعْظَمَ حُرْمَتَكö وَأَطْيَبَ رöيحَكö! وَأَعْظَمُ حُرْمَةً عöنْدَ اللَّهö مöنْكö الْمُؤْمöنُ"، آما آن الأوان أن نثق بهذه الحرمة والخوف من الله عز وجل المنتقم الجبار الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرحه ابن ماجه عن البراء بن عازب: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهö مöنْ قَتْلö مُؤْمöنٍ بöغَيْرö حَقٍّ". أما آن لنا أن نوقف الدماء التي تسيل في هذا الشهر الحرام يوميا بالمئات بأيدي المجرمين الظلمة في سوريا المكلومة وفي العراق وغيرها بلدان المسلمين.
هل نستطيع أن نهدأ قليلاً في شهر الله الحرام - شهر رجب- فنكف عن الاعتداء والتحريض والتحريش والقتل والحرق والترويع والخطف، هل نستطيع أن نلتقط أنفاسنا ونعظöّم حرمة الشهر؟، هل نستطيع أن ننشر الأمن والأمان والسلم والسلام فى ربوع بلادنا، بل في ربوع الأرض؟ وأن نتذكر أننا جميعًا إخوة في البشرية، شركاء الإنسانية، رفقاء في الحياة.
فنجتهد ألا نظöلم ولا نُظلَم ولا نعتدي، إنَّ الله تعالى بعدما بيَّن حرمة هذه الأشهر قال: (ذَلöكَ الدöّينُ القَيöّمُ فَلا تَظْلöمُوا فöيهöنَّ أَنفُسَكُمْ) (التوبة : 36).
لا تظلم نفسك بانتهاك حرمات الله فيعاقبك الله، ولا تظلم الآخرين لأنهم إخوتك في الإنسانية إذا اعتديت عليهم فكأنك اعتديت على نفسك، قال جل شأنه:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذöي خَلَقَكُم مöّن نَّفْسٍ واحöدَةٍ وخَلَقَ مöنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مöنْهُمَا رöجَالاً كَثöيرًا ونöسَاءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذöي تَسَاءَلُونَ بöهö والأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقöيبًا) (النساء: 1).
على أن الله تعالى بعدما نصح وأرشد، ووعظ وحذر، يعلم أن هناك من لا يرتدع بل ينتهك الحرمات، ويصر على العدوان، فأذن للمعتَدى عليه أن يرد الاعتداء ويدفع العدوان، حتى لو كان ذلك في الشهر الحرام، فقال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنö الشَّهْرö الحَرَامö قöتَالٍ فöيهö قُلْ قöتَالñ فöيهö كَبöيرñ وصَدñّ عَن سَبöيلö اللَّهö وكُفْرñ بöهö والْمَسْجöدö الحَرَامö وإخْرَاجُ أَهْلöهö مöنْهُ أَكْبَرُ عöندَ اللَّهö والْفöتْنَةُ أَكْبَرُ مöنَ القَتْلö) (البقرة: 217).
ومع قدوم هذا الشهر الكريم شهر رجب تقترب منا ظلال الرحمات والنفحات في شهر شعبان ثم رمضان، الذي نمتنع في نهاره عن شهوات حلال، بعد أن تدربنا في رجب على الامتناع عن الحرام، فما أحرانا أن نهيöّأ أنفسنا لهذه النسمات الروحانية التي نحن في أمس الحاجة إليها لنخفف عن أنفسنا ظلام المادة وشقاء التنافس والتناحر ونيران العداوة والبغضاء، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إöذَا دَخَلَ رَجَبñ دعا الله تعالى فقال فيما أخرجه البزار والطبراني: "اللَّهُمَّ بَارöكْ لَنَا فöي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَبَلöّغْنَا رَمَضَانَ"، نحن في شوق إلى رمضانº فلنهيء أنفسنا الآن بالطاعات والقربات، صيامًا وقيامًا، وتلاوة للقرآن، وإشاعة للأمن والأمانº حتى يأتينا الشهر الكريم ونحن في أفضل حال من وحدة الصف، ووحدة الهدف، وائتلاف القلوب، والتوجه إلى الله تعالى أن يصلح أحوالنا وينهض ببلادنا ،ويفجر فيها ينابيع الخير والبركة في مزارعنا ومصانعنا ومعاهدنا ومصالحنا، وها هو فضل الله ورحمته علينا في رجب بتحرير أبنائنا المخطوفين في جريمة نكراء في الأشهر الحرم، ولما علم الله عز وجل من كل الشعب المصري ومن قيادتنا الحرص على دمائنا ورأى الحكمة والصبر في التخطيط والتنفيذ وفقنا وأتم علينا النعمة وأنجانا برحمته من إراقة أي دم ، فهو سبحانه وتعالى القائل (إن يَعْلَمö اللَّهُ فöي قُلُوبöكُمْ خَيْرًا يُؤْتöكُمْ خَيْرًا) (الأنفال :70).
إن الله تعالى- البر الرحيم- يعلم أن هناك من يُحرض بيننا ومن يحاول شق صفوفنا وتفريق جمعنا وتشتيت قوانا، من شياطين الإنس والجن، ولهذا يحذرنا عز وجل من "استدراج" الشياطين ومن "خطوات" الشياطين في الوقيعة وإيقاظ الفتن وإشعال الحروب فيقول جل شأنه:(يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فöي السöّلْمö كَافَّةً ولا تَتَّبöعُوا خُطُوَاتö الشَّيْطَانö إنَّهُ لَكُمْ عَدُوñّ مُّبöينñ) (البقرة: 208).
فهل نستجيب لدعوة الأمن والأمان؟ وهل نستروح في ظلال الشهر الحرام؟ وهل نستعد لشهر رمضان وأنوار القرآن وسعادة الإنسان؟ (واللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارö السَّلامö ويَهْدöي مَن يَشَاءُ إلَى صöرَاطٍ مُّسْتَقöيمٍ * لöّلَّذöينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وزöيَادَةñ ولا يَرْهَقُ وجُوهَهُمْ قَتَرñ ولا ذöلَّةñ أُوْلَئöكَ أَصْحَابُ الجَنَّةö هُمْ فöيهَا خَالöدُونَ) (يونس:25-26).
جعل الله تعالى حياتنا خيرًا وسعادة، وأُخرانا جنة وزيادة، وصلöّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والله أكبر ولله الحمد
القاهرة في : 13 من رجب 1434هِ الموافق 23 من مايو 2013م