بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد..
فيسعدُنا أيَّما سعادةٍ أن نرحّöبَ بضيوفöنا الكرام، من رجالاتö مصرَ ونسائöها، ونقدمَ لهم جزيلَ الشكرö والعرفانö على تلبيتöهم دعوتَنا، وتشريفöهم حفلَنا السنويَّ في إفطار رمضان، وإننا لنرجو أن تتواصلَ اللقاءاتُ وتتسعَ دائرةُ الحواراتö وتتلاقحَ الأفكارُ بيننا وبين كلّö المعنيّöين بمصلحةö هذا الوطنö والحريصين على تقدُّمö هذه الأمةöº حتى نستطيعَ أن نصöلَ بها إلى المكانةö التي تستحقُها بين الأمم، ونعيدها- كما كانت- أمةً قائدةً ورائدةً، ومصدرَ إشعاعٍ ثقافيٍّ وحضاريٍّ بين العالمين.
أيها الإخوةُ الكرامُ والأخواتُ الفُضليات..
يُسعدنا أيضًا أن نهنöئَكم بشهرö رمضانَ المبارك، شهرö الصيامö والتقوى {يَا أَيُّهَا الَّذöيْنَ آمَنُوا كُتöبَ عَلَيْكُمُ الصّöيَامُ كَمَا كُتöبَ عَلَى الَّذöيْنَ مöنْ قَبْلöكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ} (البقرة: 183)، الشهرö الذي اتصلت فيه السماءُ بالأرضö بعد انقطاعٍ دامَ ستةَ قرونٍ، فنزلَ الوحيُ بالقرآنö والنورö ليحققَ للإنسانö سلامَهُ النفسيَّ والأُسْرöيَّ والاجتماعيَّ، وينظمَ له جميعَ جوانبö حياتöه على كل المستويات {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذöيْ أُنْزöلَ فöيْهö الْقُرْآنُ هُدًى لöلنَّاسö وَبَيّöنَاتٍ مöنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانö} (البقرة: 185) {قَدْ جَاءَكُم مّöنَ اللهö نُوْرñ وَكöتَابñ مُبöيْنñ* يَهْدöيْ بöهö اللهُ مَنö اتَّبَعَ رöضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمö وَيُخْرöجُهُم مّöنَ الظُّلُمَاتö إöلَى النُّوْرö بöإöذْنöهö وَيَهْدöيْهöمْ إöلَى صöرَاطٍ مُسْتَقöيْمٍ} (المائدة: 15، 16).
شهرö التكافلö والتكاملö، شهرö الصبرö والنصرöº إذْ لا نصرَ بغيرö صبرٍ "وأنَّ النصرَ معَ الصبرö، وأنَّ الفرجَ معَ الكربö، وأنَّ معَ العسرö يسرًا" النصرö على النفسö، والاستعلاءö على المادةö والشهواتö، والتحكُّمö في زمامö الأهواءö والرغباتöº تمهيدًا للانتصارö على الظلمö والبغيö والفسادö، فَمَنْ أَفْلَحَ في الانتصارö على نفسöه فهو جديرñ بالانتصارö على عدوّöهö، ومöنْ ثمَّ كانَ رمضانُ ظرفًا لانتصاراتٍ فاصلةٍ حوَّلت مجرَى التاريخö وصَحَّحَتْ مسارَ البشريةö نحوَ الحقّö والعدلö والخيرö، تأتöي على قمَّتöها غزوةُ بدرٍ الكبرى، وفتحُ مكة، ومعركةُ عينö جالوت، التي أنقذت البشريةَ من العدوانö المغوليّö الهَمَجيّö الجامحö، وأخيرًا وليس آخرًا- بإذنö اللهö- معركةُ العاشرö مöنْ رمضانَ، التي نحتفلُ بذكراها هذه الأيام، هذه المعركةُ التي خاضَها جيشُنا الباسلُ باسمö اللهö الأكبرö، معتمدًا على ركيزتين:
الأولى: الإيمانُ بالله والتوكلُ عليه.
والثانية: استخدامُ كلّö معطَيَاتö العلمö والتقنيةö والتخطيطö والتدريبö.
فعَبَرَ القناةَ وحرَّرَ الأرضَ وحقَّقَ النَّصْرَ.
أيها الإخوةُ والأخواتُ..
يأتي احتفالُنا هذا العامَ بعدَ أحداثٍ جسامٍ مُفعَمَةٍ بالحراكö السياسيّö لتحقيقö الإصلاحö الحقيقيّö في مختلفö جوانبö الحياةö، فبعدَ نصفö قرنٍ في ظلّö نظامٍ يستمدُّ شرعيتَهُ من القوةö والقهرö، من الشرطةö والسلطةö، ومن تزويرö إرادةö الشعبö ومصادرةö حرياتöه، ومن الانحرافö بالتشريعö والقانونö، ومن تكبيلö القضاءö ومحاولةö تسييسöه بالغوايةö والترهيبö، ومن البطشö بالمعارضين وإقصائöهم، في ظلّö قانونö الطوارئ- الذي أسماه الدكتور أحمد كمال أبو المجد (قانون الموت)، ولا أظنُّ الرجلَ يقصدُ بذلك الموتَ الماديَّ الذي طالَ عددًا من الناس تحت وطأةö التعذيبö فحسب، ولكنني أعتقدُ أنه يقصدُ كذلكَ الموتَ المعنويَّ الذي لَحöقَ بالأمةö كلّöها، فدفعَها سريعًا إلى الهبوطö والتقهقرö، حتى صارت في مؤخرةö دولö العالمö في كلّö المجالاتö، في مجالö الحرياتö وحقوقö الإنسانö، في مجالö نزاهةö الانتخاباتö، في مجالö استقلالö القضاءö، في مجالö التنميةö البشريةö، في مجالö التربيةö والأخلاقö، في مجالö التعليمö والثقافةö والإعلامö، في مجالö البحثö العلميّö وتقييمö الجامعاتö، في مجالö الشفافيةö ومحاربةö الفسادö، في مجالö الاقتصادö بفروعöه المختلفةö، وتدنّöي مستوى المعيشةö ومتوسطö الدخل، في مجالö محوö الأميةö، في مجالö الصحةö العامةö، في مجالö مكافحةö البطالةö، وأخيرًا وليس آخرًا في مجالö المونديالö صاحبö الصفرö الكبيرö.
كلُّ هذهö الأمورö أثمرت فسادًا نَما وترعرعَ، حتى استشرى وتوحَّشَ، وجَثَم على صدرö الشعبö المصريّö الطيبö الصبور، فانبرَى عددñ من الكتَّاب والمفكّöرين الوطنيين يدعون للإصلاحö والتغييرö، وتقدمْنا بمبادرةٍ للإصلاحö، فلم يستجب من النظامö أحدñ، وتحت ضغطö الحراكö السياسيّö الحادثö في المجتمعö خلالَ الفترةö التي أعقبتْ ذلكَ كانت استجابةُ النظامö لتغييرö المادةö 76 من الدستورö بعدَ طولö رفضٍ وإباءٍº ليصبحَ انتخابُ رئيسö الجمهوريةö بالانتخابö الحرّö المباشرö، بينَ عدةö مرشحين، بدلاً من الاستفتاءö على شخصٍ واحدٍ.
واعتبر الجميع هذه الخطوة- رغمَ صöغَرöها وضآلتöها بالنسبةö لاستحقاقاتö منهجö الإصلاحö الكاملö- خطوةً مُبشّöرةً، قد تكون مفتاحًا للخير، إلا أنًَّ أصحابَ الثقافاتö المنحرفةö والمستبدةö قَتلوا الأملَ في نفوسö الناسö، وصاغوا المادةَ الدستوريةَ صياغةً أفرغتْها من مضمونöها، وحوَّلتْ العمليةَ الانتخابيةَ إلى تمثيليةٍ رديئةٍ، معلومةñ نتيجتُها، بل إنها ابتدعت بدعةً فاحشةً بأنْ جعلت من نصوصö الدستورö أمشاجًا متنافرةً، يضربُ بعضُها أعجازَ بعضٍ، ويهدم بعضُها ما يبنيه البعضُ، فإذا كان الظلم جريمةً، وتكرارُ الظلمö جريمةً أكبرَ، فإن تقنينَ الظلمö هو أبشعُ ألوانö الظلمöº ذلك لأنه يجعلُه القاعدةَ المطردةَ التي تنظّöمُ حياةَ الناسö، فما بالُنا بتحصينö النصوصö الظالمةö بتضمينöها في الدستورö حتى لا يطعنَ فيها أحدñ، ولا يطمعَ في تغييرöها أحدñ.
وقامت كافةُ القوى السياسيةö والوطنيةö- وفي القلبö منها الإخوانُ المسلمون- بالتحذيرö من مغبَّةö ذلك، حتى إذا بُحَّت الأصواتُ، وجَفَّت الأقلامُ، وضاقَت الصدورُ، لم يبقَ إلا النِزولُ إلى الشارعöö، لإسماعö الصُمّö، وإيقاظö النائمين، وإنذارö الظالمين، وكان ردُّ فعلö السلطةö قاسيًا كعادتöها، فتمَّ اعتقالُ ثلاثةö آلافö شخصٍ من الإخوانö المسلمين، وإلقاؤهم في السجونö، ولا يزالُ نفرñ منهم في غياهبö السجنö حتى اليوم، وعلى رأسöهم أخونا الحبيب د. عصام العريان، فكَّ اللهُ أسرَهم، وأطلَقَ سراحَهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وجرى الاستفتاءُ على المادةö المعدلةö، وأُعلَنت النتيجةُ التي قررَ القضاةُ من خلالö ناديْهم أنها مزوَّرةñ، وأعلنوا ذلك في تقريرٍ أصدروه ونشروه.
واجتمعت الجمعيةُ العموميةُ لنادي القضاة، وطالبوا بإصدارö قانونö السلطةö القضائيةö المقترَحö منهم منذ عام 1992م، وطالبوا بتعديلö قانونö مباشرةö الحقوقö السياسيةö، وقانونö الأحزابö، وطالبوا بإلغاءö حالةö الطوارئö، ومباشرةö حقّöهم الدستوريّö في الإشرافö على الانتخاباتö والاستفتاءاتö، من بدايتöها إلى نهايتöها، كلُّ ذلكَ من أجلö تفعيلö الدستورö، وتحقيقö الفصلö بين السلطاتö، واستقلالö القضاءö، وتحقيقö الإصلاحö السياسيّö والقانوني، وأيضًا إبراءُ الذمةö أمامَ اللهö ثم أمامَ الشعبö والتاريخö من سُبَّةö تزويرö الاستفتاءاتö والانتخاباتö التي قرروا أنها كانت كلّها مزيفةً طيلةَ الخمسين عامًا الماضية، عدا مرةٍ واحدة، والتي زعمت الحكوماتُ المتعاقبةُ أنها كانت نزيهةً وأنها أُجريت تحتَ إشرافö القضاءö كذبًا وبهتانًا.
ومن ثمَّ فقد أرادوا أن يتبرَّؤوا من إلصاقö هذا العارö بهم ويعلنوا ذلك على الملأ، ولا زالوا مصرّöين على مطالبهم التي يؤيدهم فيها الشعبُ بأكمله، إلا أن الحكومةَ للأسفö الشديدö لا زالت تصمُّ آذانَها عن هذه المطالبö، وتلتفُّ عليها بُغيةَ وأْدöها، وتسعَى من أجلö تمزيقö صفوفöهم.
وأُجريت الانتخاباتُ الرئاسيةُ- ورغم رفضöنا للنصّö المعدَّلö للمادةö 76 من الدستورö، وعلمöنا بأنَّ نتيجتَها محسومةñ- إلا أننا شاركنا فيها، ودعَونا الناسَ إلى المشاركةöº بُغيةَ إخراجö الشعبö من قوقعةö السلبيةö، وتعويدöه على الإيجابيةö لمكافحةö التزويرö، ومن أجلö انتزاعö حرياتöه وحقوقöه المغتصبة، فإنَّ الحريةَ والحقوقَ تُنتزع ولا تُوهب، وكانت النتيجةُ كما علمتم جميعًا، ولا نزالُ ننتظرُ تقريرَ القضاةö عنها، وتمَّ حَلöفُ اليمينö، وأصبحَ التمديدُ أمرًا واقعًا.
والآن.. ما هو موقفُنا؟ وما هو واجبُنا؟
إننا نؤمنُ بِ :
- أن الكفاحَ السلميَّ من أجلö التغييرö والإصلاحö قد بدأَ، وأن طريقَه طويلñ، ولا يمكن أن يتوقفَ أو ينكص.
- أن الإصلاحَ يحتاجُ إلى تضافرö جهودö كلّö المخلصين دونَ إقصاءٍ أو استبعادٍ، وأن إحسانَ النيَّاتö واحترامَ الرؤَى والآراءö المخلصةö هما السبيلُ إلى تضافرö هذه الجهودö، ومن هنا فقد رحَّبْنا بالجهودö المشكورةö التي سعَت لتكوينö الجبهةö الوطنيةö التي ضمَّت كلَّ القوى السياسيةö المعارöضةö التي تسعى للإصلاحö، انطلاقًا من الكلياتö الجامعةö التي يتفقُ عليها الجميعُ، مع احترامö الرؤَى الخاصةö لكلّö فصيلٍ.
- أننا لا بد وأن نُقرَّ عقدًا اجتماعيًّا جديدًا تكون الأمة فيه هي مصدرَ السلطاتö، ويكونُ الحاكمُ فيه وكيلاً عن الأمةö، وليس سيدًا لها، يتقيَّد بإراداتöها، ويحترمُ مرجعيتَها، ولها حقُّ محاسبتöه وعزلöه، كما أن لها حقَّ انتخابöه وتعيينöه، يباشرُ السلطةَ التنفيذيةَ دون افتئاتٍ على السلطتَين الأُخْرَيَيْن التشريعيةö والقضائيةö، وتكونُ ولايتُه لفترتَين فقط، يَترك بعدهما الحكم.
- إننا نرفض توريثَ الحكمö رفضًا مطلقًا تحت أيَّ اسمٍ وبأيö شكل، ونحن نعلمُ علمَ اليقين- ولا أقولُ نشكُ شكًا كَبيرًا- في أن صيغةَ تعديلö المادةö 76 من الدستورö ورفضö تعديلö المادة 77 منه، لم تكنْ بهدفö التوريثö فقطº وإنما كانت بهدفö تأبيدö التوريث، وهذا بإذن الله لن يكون، وسنكافحه مع المخلصين بلا هوادة.
- إننا نقفُ وراءَ القضاةö حتى تتحققَ جميعُ مطالبهم العادلة، تحقيقًا للحريةö والأمنö والاطمئنانö والاستقرارö في المجتمع، ونتصدى لجميعö محاولاتö الالتفافö على هذه المطالب، أو الانتقاصö منها، أو المساومةö عليها، فهم سدنةُ الحقّö والعدل، وحصنُ الشعبö ضد الظلمö والبغيö والقهر.
- إننا نطالبُ بإلغاءö حالةö الطوارئö الآن بقرارٍ بقانون، ودونَ انتظارö انتهاءö مدته في منتصفö عام 2006، وكذلك القوانينَ سيئةö السمعةö، وإطلاقö سراحö المعتقلين فورًا، وإعادةö محاكمةö المحبوسين بأحكامٍ صادرةٍ من القضاءö العسكريّö أو محاكمö أمنö الدولة، وإعادةö محاكمتöهم أمامَ القضاءö الطبيعيّö، وتعويضöهم عما لحöقَ بهم.
- إننا نطالبُ بإعادةö النَّظرö في الحبسö الاحتياطöيّö الذي عانَى منْهُ مَا يقْرُبُ من عشرين ألفًا منَ الإخوانö المسلمينَ خöلالَ الثلاثةö عشرَ عامًا الأخيرة، وَحُبöسُوا مُددًا وصلتْ في بعضö الأحيانö إلى خمسةَ عشر شهرًا على ذمةö التحقيق، ثُمَّ أُفرج عنهم دون محاكمةº الأمرُ الذي يقطعُ بأنَّ الحبسَ الاحتياطöيَّ استُخْدöمَ ضöدْنَا كعقوبةٍ بعيدًا عنْ سُلْطةö القضاءö، ومöنْ ثَمَّ فإننا نُطالبُ أنْ يكونَ تعيينُ النائبö العامö بالانتخابö بطريقةٍ يُقرُّها القُضاة، ولا يُعَيّöنَهُ رئيسُ الجمهوريةö كما هُو الحادثُ الآن.
- إننا ندْعُو إلى التعدديةö السياسية، وحقّö كُلّö تيارٍ فöي تشكيلö حöزبöهö وإöصدارö صُحُفöهö، وأًلاَّ يكونَ لأيةö جöهةٍ إداريةٍ أو مَحكْمةٍ مُلفَّقةٍ حقُّ التَّدَخُلö بالمنعö أو الحدّö من هذا الحقّö، وأَنْ تكونَ السُّلطة القضائيةُ المستقلةُ - مُمثلة في المحكمةö الدستوريةö العليا بعد رفعö يدّö السلطةö التنفيذيةö عنها- هöيَ الْمرجöعُ لتقريرö ما هو مُخالفñ للنظامö العامّö أو الآدابö العامةö أو المقوماتö الأساسيةö للمجتمع، وما يُعدُّ إخلالاً بالالتزامö بالعملö السلميّö.
- كما نُؤمن وندعو إلى التداولö السلميّö للسلطةö عن طريقö صناديقö الاقتراعö في إطارö جمهوريةٍ برلمانيةٍ دستورية.
- إننا ندعُو للشفافيةö في مجالö المالö العامö وإعلانö ميزانياتö جميعö المؤسساتö المدنيةö للدولة، ابتداءً من مؤسسة الرئاسة وحتَّى أصغرö مؤسسةٍ، وكذلكَ ثرواتö المسئولين وأسرهم من أكبر رأسٍ حتى أصغرö مسئولٍ.
- إننا ندعُو لمكافحةö البطالةö والفقرö اللذين عضَّا بأنيابهما كثيرًا منَ النَّاسö، وخصوصًا الشباب، فأصاباهم باليأسö والإحباط، وخلعَا من قلوبöهم الشعورَ بالولاءö والانتماء، واستبدلا به الكراهيةَ وربما العداوةَ للمجتمعö، ومöن ثَمَّ فإننا ندعُو إلى مراعاتöهم في التشريع والتأهيل والتوظيف، وإلى تَقريبö الفوارقö بينَ الطبقاتö، كما ندعو لتفعيل فريضة الزكاة على أن تقوم عليها جمعية أهلية من شخصياتٍ محترمةٍ مشهودٍ لها بالنزاهةö والكفاءةö، بعيدًا عن البيروقراطيةö والفسادö الحكومöيَّين.
أيُّها الإخوةُ والأخوات:
إننا أمامَ أوقاتٍ فاصلةٍ في مسارö هذا الوطن، فنحنُ مُقبلونَ على انتخاباتٍ برلمانيةٍ جديدة، إمَّا أنْ تكونَ حُرَّةً نزيهةً، تأتي بمجلسٍ أمينٍ يُعبّöرُ عنْ إرادةö الشعبö، ويكونَ قاطرةً تقودُ المجتمعَ على طريقö الإصلاحöº لöتُحقّöقَ هذه الأهدافَ التي نسعَى لتحقيقöها، وإمَّا أنْ تكونَ كسابقاتöهöا خلالَ نصفö القرنö المنصرمö.. الأمرُ الذي يُنذرُ بأوخمö العواقبö وأسوأö النتائجö على الجميعö، عافانا اللَّهُ وأُمَّتَنَا مöنْها.
لذلك أرى لزامًا علينا جميعًا أن نسعى بقوةٍ لخوضö هذه الانتخاباتö، وحثّö الشعبö أن ينفضَ عن نفسöهö غُبارَ اللامبالاةö، وأن يُشاركَ في اختيارö مَن يُمثلونه حتَّى يأتيَ تَشكيلُ المَجْلöسö مُعبّöرًا عنْ إöرادتöهö الحقيقية، وعلينا أيضًا أنْ نُقاومَ مُحاولاتö التزويرö ونَفضحَهَا، وفöي هذا المجالö فإننا نُعرöبُ عنْ استعدادöنا وترحيبöنا بالتَّعاونö والتنسيقö معَ كًلّö فصيلٍ من الفصائلö الوطنيةö، وكُلّö حزبٍ يُريدُ أنْ يُنسّöقَ معناº تعاوُنًا على البّöرö والخيرö ومصلحةö الوطن.
أيُّها الإخوةُ والأخوات:
إنَّ الموقفَ الذي استعرضناه آنفًا إنما مبعثه هو شريعةُ الإسلامö التّöي نرجعُ إليها، ونستمدُّ منها، ونُصْدöرُ عنها، فهي التي تُقدّöسُ حُرّöيةَ الإنسانö وكرامتَه وسيادتَه، وتُعنى بجوهرöهö كما تُعنى بضروراتöهö وحَاجياتöهö، ومن ثَمَّ كانَ منهجُهَا فöي الإصلاحö يعتمدُ على بنائöهö الداخليّö، على أساسö الإيمانö باللهö وكتبöهö وشرعöهö واليومö الآخرö والحساب، وعلى التمسكö بمكارمö الأخلاق، وعلى التهذيبö بالعبادات، وعلى التنظيمö بالمعاملات، كُلُّ ذلك منْ أجلö إحياءö الضمائرö ومراقبةö اللهö قبْلَ مراقبةö القانون، {إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنفُسöهöمْ} (الرعد: من الآية 11).
وأحسبُ أنَّ كثيرًا منْ مشكلاتöنا هöيَ مشاكöلُ أخلاقٍ وضميرٍ، فمَن لمْ تَرْدَعْهُ التربيةُ والتهذيبُ فَلْيَردَعْهُ القانونُ، "فََإنَّ اللَّهََ لَيَزَعَ بöالسّöلُطَانö مَا لاَ يَزَعُ بöالقُرآن"، ولذلك يجبُ أنْ يَسيرَ الإصلاحُ الأخلاقيُّ بالتوازöي معَ الإصلاحö السياسيّö والاقتصاديّö والاجتماعيّö والتعليميّö... إلى آخره.
أيُّها الإخوةُ والأخوات..
أمَّا بالنسبةö لأهمّö الأحداثö الإقليميةö والدوليةö فتأتöي قضيةُ فلسطينَ فöي مُقدمتهاº حيثُ تؤكدُ الأيامُ أننا أمامَ عدوٍّ عُنصريٍّ مغتصبٍ إرهابيٍّ دموي، لا يُريدُ حتَّى أنْ يتنازلَ عنْ الضفةö وغزة، بل يسعَى إلى ابتلاعö معظمö أراضöي الضفةö الغربيةö بإنشاءö مغتصباتٍ صهيونيةٍ يستجلبُ لها مغتصبينَ صهاينةً من الخارج، بينما يعزلُ الفلسطينيين خلفَ سُورٍ عُنصري، يقتطعُ الكثيرَ من أراضيهöمْ، رغْمَ حُكْمَ محكمةö العدلö الدوليةö بعدمö مشروعيةö إنشاءö هذا الجدار.
وحتَّى عندما انسحبَتْ قواتُهُ منْ قطاعö غزةَ وأخْلَى مغتصباتöه منْهُ فإنَّه حاصرَ القطاعَ من البرّö والبحرö والجوّö، ثمَّ قامَ بحملاتٍ إجراميةٍ منْ القتلö والاعتقالö والتدميرö في الضفةö والقطاع، ولا يزال، ومع ذلك يُطالöبُ العربَ والمسلمين بمكافأتöهö نتيجةَ هذا الانسحابö المحدود، ويُطالöبُ السُّلطة بنِزعö أسلحةö الفصائلö المجاهدة، وكأنَّما حُرّöرَتْ الأرضُ والإرادة، وأُعيدَتْ القُدسُ، وقامتْ الدولةُ، والمؤسفُ حقًّا أنْ تُسارعُ دولñ عربيةñ وإسلاميةُ إلى إقامةö علاقاتٍ معَ الكيانö الصهيوني، متخلينَ عنö الْقضيةö الفلسطينيةö التي هöيَ قضيةُ المسلمين كافَّةً، ورغمَ ذلك فلا يزال الفلسطينيون ثابتين صامدين، يدفعون ضريبةَ الدمö، ويُقدّöمون أغلى التضحيات، ليثبتوا للعالم أنَّ القوةَ مَهْمَا كانتْ لنْ تقهرَ الحَقَّ، وأنَّ الشعوبَ لا تموت.
ولقدْ أحزنتنا كثيرًا الأحداثُ المؤسفةُ التّöي وقعتْ بينَ السُّلطةö وحماس، أُريقَتْ فيها دماءñ زكيةُ، ووقعَ فيها جرحَى، وإننا من هذا المكانö نُناشدُ الجميعَ الاحتكامَ إلى الحكمةö والعقل، وألاَّ يرتفعَ السلاحُ إلا فöي وجöهö الأعداء، حتَّى لا نُحقّöقَ أهدافَ العدوّö وَهُمْ ينظرون.
واجبñ علينا أيُّها الإخوةُ والأخواتُ ألاَّ تغيبَ القضيةُ الفلسطينيةُ عنَّا، بلْ يجبُ أن تكونَ ماثلةً أمامنا جميعًا بكلّö أبعادها، وأن نستشعرَ أننا نقفُ معَهُمْ فöي خندقöهöمْº فنرفضُ التطبيعَ، ونحضُّ على المقاطعةö، ونُقدّöمُ العونَ ما استطعنا، وأن نطلبَ من الشعوبö- التي يتهافتْ حُكامُهَا على إقامةö العلاقاتö- أن تضغطَ عليهم لإيقافöهَا، كما يجبُ علينا أن نُعبّöرَ عن مشاعرöنَا المؤيدةö لإخواننا، والغاضبةö تجاهَ الصهاينةö ومَن يقفون وراءَهُمْ، بكلّö الوسائلö والصور.
وعلى الحكوماتö أنْ تعملَ بإخلاصٍ للارتقاءö والنهوضö ببلادöهَا في كلّö المجالاتö التربويةö والعلميةö والبحثيةö والاقتصاديةö والسياسية، حتى تُحْرöزَ القوةَ التّöي أمرَهُمْ اللَّهُ بهَا لتأديبö هؤلاء الطغاة، وتطهيرö الأرضö والمقدسات.
أما القضيةُ الثانيةُ فهي قضيةُ العراقö وأهلöهö، وهنا يجبُ أنْ نقررَ أنَّ كراهيتَنا لأمريكا والغرب ليستْ موجهةً إلى الشعوبö، فليسَ بيننا وبين تلكَ الشعوبö عداءñ، ولكنها موجهةñ إلى الحكوماتö التّöي استباحتْ لنفسها التدخُلَ في شُئوننا إلى حدّö اجتياحöنا عسكريًّا تحتَ ذرائعَ كاذبةٍ، متجاوزةً قراراتö مجلسö الأمنö وهيئةö الأممö المتحدةö والقانونَ الدولي، وكأننا في غابةٍ تحكمها عöصابة، تقومُ بأبشعö ألوانö الإرهابö تحتَ دعوى محاربةö الإرهابö وإقامةö الديمقراطية، وهل تقومُ الديمقراطيةُ على جماجمö الشعوبö؟! وهل تقومُ في ظلّö احتلالٍ عسكريٍّ يحكمُ بالحديدö والنَّار؟! وهلْ مَا حدثَ في سöجْنö (أبو غريب) والفالوجا وشتَّى مدنö العراقö والاعتداءُ على الشرفاءö والعلماءö يمتُّ إلى الإنسانيةö- فضلاً عن الديمقراطيةö- بصلة؟! وهل فقدانُ الأمنö، وشلالاتُ الدمö، والأشلاءُ، تَنتسب في شيءٍ منها إلى حقوقö الإنسان؟! وهل التدخُلُ لفرضö دستورٍ يُمزّöقُ الدولةَ ويُثيرُ النعراتö بين أبنائöهَا ويُكرّöسُ العداوةَ بينهُم يمكن أن يكون من الديمقراطيةö في شيء؟
إننا إذا تذكرنا ذلكَ كله أمكننَا أن نفهم لماذا تُصرُّ الولاياتُ المتحدةُ وحلفاؤها على عدمö وضعö تعريفٍ قانونيٍّ دوليٍّ للإرهاب، وعلى رفضö اعتبارö المقاومةö الوطنيةö للاحتلالö عملاً مشروعًا، رغْمَ إقرارö القانونö الدوليّö بذلك، وعلى الإصرارö على دمْغöهö بالإرهاب، ولو افترضنا فَرْضًا جدليًّا قيامَ دولةٍ من الدولö باحتلالö ولايةٍ من الولاياتö المتحدةö فهل ستقاومُ منْ أجْلö طَرْدö الاحتلال أم تُرحبُ بöهö على اعتبارö المقاومةö عملاً إرهابيًّا؟!
كما أنَّ سياستَهَا القائمةَ على تهديدö سوريا وحصارöها بهدف تركيعها لتتماشى مع المخططاتö الأمريكيةö في المنطقة، إنما يؤكدُ السياسةَ العدوانيةَ تجاه الدولö العربية، والانحيازَ السافرَ لمصلحةö الدولةö الصهيونية.
وبهذه المناسبةö فإننا نطالبُ النظامَ في سوريا، كما نطالبُ كلَّ الأنظمةö العربيةö والإسلاميةö بالتصالُحöö مع شعوبöها ورفعö القيودö عنها ليتمَّ رصُّ الصفوفö لمواجهةö الأخطارö المُحْدöقةö بنا جميعًا.
بالإضافةö إلى موقفها من برنامجö إيرانَ النووي، ومحاولةö حرمانö إيرانَ من حقّöها في استخدامö الطاقةö النوويةö في مجالاتö الاستخدامö السلمي، هذا في الوقتö الذي تغضُّ الطرفَ عن الرؤوسö النوويةö للكيانö الصهيوني.. الأمرُ الذي يكشفُ أيضًا الانحيازَ ضد الدولö الإسلاميةö، ويؤكدُ سياسةَ الكيلö بمكيالين، والغريبُ أنهم يتساءلونَ بعد ذلك لماذا تكرهوننا؟ ويزعمونَ أنهم يريدونَ لنا الإصلاحَ وتحقيقَ الديمقراطية..!!
لقد طالبتُ في خطابي في رمضان الماضي القانونيين ومنظماتö حقوقö الإنسان على المستوى المحليّö والإقليميّö والدوليّö بإحصاء الخسائرَ في الأرواحö والأموالö والممتلكاتö التي نتجت عن الجرائمö الأمريكيةö والغربيةö والصهيونيةö ضد شعوبنا وأوطاننا، ورفعö دعاوَى أمام المحاكمö الدوليةöº باعتبارها جرائمَ حرب يجبُ أن يُحاسَبَ عليها مرتكبوها، ولا زلتُ وسأظلُّ أطالبُ بذلك حتى يقتصَ المظلومون من ظالميهم، ويتمَّ تعويضُهم أفرادًا ودولاً عما لَحöقَ بهم من خسائرَ وخراب.
أيها الإخوةُ والأخوات..
إن هذه الظروفَ التي نمرُ بها تفرضُ علينا أن نبحثَ عن كلّö أسبابö القوة، والوحدةُ في مقدمتها، ولذلك فنحن ندعو- وبمنتهى الإخلاصö والتواضع- أصحابَ السلطةö في بلادنا أن يستجيبوا لدعواتö الإصلاحö المنطلقةö من قلوبö المخلصين في هذا الوطن، وأن ينزلوا على إرادةö الشعبö، وأن يقدموا المصلحةَ العامةَ على المصالحö الشخصية، حتى نتفادى انفجارًا من الداخلö أو ضغطًا أو عدوانًا من الخارجö- لا قدَّرَ الله- وحتى نزيلَ الاحتقانَ المكبوتَ والألمَ عن النفوسö المحبطةö والقلوبö المُحْرَجَة، ويعمَّ الوئامُ والسلامُ والحبُ والولاءُ ربوعَ البلادö {وَاعْتَصöمُوا بöحَبْلö اللَّهö جَمöيعًا وَلا تَفَرَّقُوا}، {وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمöنُونَ}.
وفقنا الله للانتصارö على نفوسنا وأهوائنا، ووحَّدَ صفوفنا لننتصرَ بعونöه على عدوّöنا.
وكل عام وأنتم بخير
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته