
رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
إخوان أون لاين - 18/05/2006
من قلبö ظلامö الليلö يبزغ نورُ النهار، ومöن جوفö لهيبö النارö يخلص الذهبُ النضَّار، ومöن وسطö آلامö المخاضö يَهلُّ الوليدُ نابضًا بالحياةö، هذه هي سنةُ اللهö، فالأهدافُ العظامُ لا بدَّ لها من تضحياتٍ جسامٍ {أَمْ حَسöبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتöكُمْ مَثَلُ الَّذöينَ خَلَوْا مöنْ قَبْلöكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزöلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذöينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهö أَلا إöنَّ نَصْرَ اللَّهö قَرöيبñ(214){ (البقرة).
منذ ثمانيةٍ وخمسين عامًا ونحن كمسلمين- وفي القلبö منَّا أهلُ فلسطين- نتجرَّعُ مرارةَ الظلمö والقهرö، بعد أن أصبحنا ضحيةَ أكبر مؤامرةٍ دوليةٍ غيرö أخلاقيةٍ وغيرö إنسانيةٍ وغيرö قانونيةٍ في النصفö الثاني من القرن العشرين، شارك فيها البريطانيون والأمريكيون والروس والأوربيون بتمكينö الصهاينة من إقامة دولةٍ لهم على أنقاضö دولةö فلسطين العربية والإسلامية وعلى أشلاءö كثيرٍ من أهلöها، بعد أن قاموا بمجازرَ وحشيةٍ للفلسطينيين العزَّلº لإرهابö الباقين وإجبارöهم على الهروبö، مخلّöفين أموالَهم وديارَهم ومُدنَهم وقُراهم لإحلال اليهود المشتَّتين في بقاع العالم محلَّهم، في احتلالٍ استيطانيٍّ عنصريٍّ عدوانيٍّ توسعيٍّ.
ورغم البطولاتö العظيمةö النادرةö التي سطَّرَها المتطوعون المسلمون، وعلى رأسöهم الإخوان المسلمون، وكذلك بعضُ الجيوشö العربيةö.. إلا أن المؤامرةَ الدوليةَ- والتي شاركَ فيها للأسفö الشديدö بعضُ الحكامö العرب- كانت أكبرَ من طاقتهم.
ومنذ قامت هذه الدولةُ الغاصبةُ لم تعرف المنطقةُ طعمَ الهدوءö والاستقرارö، بل تعاقبت الحروبُ والقتالُ حتى كانت حرب 1967 التي استولت فيها الدولةُ الصهيونيةُ على كاملö الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشريف وسيناء والجولان ثم بعد ذلك جنوب لبنان، ويومها تبجَّح قادة الصهاينة، وزعموا أنه ليس هناك شيءñ يسمَّى فلسطين، وليس هناك شعبñ اسمه الفلسطينيون.
وفي عام 1973 قامت حربُ رمضان المجيدة التي قضَت على أسطورةö الجيشö الصهيوني الذي لا يُقهر، ولكن للأسف تفرَّقت الدولُ العربيةُ بعد الحربö وخرجت مصرُ (القوة العربية الكبرى) من معادلةö الصراع، تاركةً الباقين يواجهون مصيرَهم، وظنَّ كثيرñ من الناس أن قضيةَ فلسطين قد ماتت، إلا أن الشعبَ الفلسطينيَّ البطلَ فاجأ العالمَ بانتفاضةö الحجارةö التي خاضَ فيها ملحمةً مَجيدةً، بصدرٍ عارٍ، ويدٍ خاويةٍ إلا من الحجارة، في مواجهة الدبَّابات والمصفَّحات والمدافع، خاضَها الأطفال والشباب والشيوخ والنساء بسلاح الإيمان بالله وبالحق والرغبة في الشهادة، ثم أعقبَها بانتفاضةö الأقصىº غضبةً لتدنيس السفاح شارون أرضَ المسجدö الأقصى، ثم طوَّرَها باستخدام الأسلحة الخفيفة التي تَمكَّن من الحصول عليها، والقنابل البشرية الاستشهادية التي تَحرص على الموت والشهادة أكثر من حرص عدوّöهم على الحياة.
وتهافت الشبابُ بل والفتياتُ على ذلك، فكان في موتهم واستشهادهم حياةñ لقضيتهم، واضطُّر العالمُ كله- بما فيهم الصهاينة- إلى الاعتراف بالفلسطينيين وحقّöهم في دولةٍ مستقلةٍ، إلا أن المؤامرات لم تتوقف، فلا تزال عمليةُ اغتصابö مزيدٍ من الأراضي وإقامةö مستعمراتٍ عليها جاريةً، وكذلك إنشاء جدار الفصل العنصري الذي يُحوّöل الباقي من أراضي الضفة إلى زنازين داخل سجن كبير، إضافةً إلى عمليات القتل والتدمير والاعتقال اليومية.
تحت هذه الظروف القاسية اختار الشعب الفلسطيني حركة المقاومة الإسلامية حماس لتشكيل حكومته في انتخاباتٍ حرَّةٍ نزيهةٍ شهد لها العالم بذلك، وهنا تجلَّى النفاقُ الغربيُّ الكبيرُ، وعنصريتُه البغيضةُ، وانعدامُ إنسانيته، في دعوتöه لحصارö الشعب الفلسطيني وقطع المعونات عنه، بل وعدم السماح للحكومات والشعوب العربية والإسلامية بتوصيل مساعداتها إليه، في ظلّö إرهابٍ أمريكيٍّ سافرٍ، تولَّى كبْرَ هذه الحملةö الظالمةö التي تستهدف تجويعَ شعبö فلسطين وتركيعöه، فعليه أن يختارَ إما أن يموتَ جوعًا أو يُسقöطَ حكومةَ حماس أو يُجبرَها على الاعترافö بدولةö الصهاينة، والتخلي عن المقاومةö والجهادö.
ولكنَّ الشعبَ الفلسطينيَّ الصابرَ الصامدَ البطلَ رفضَ هذا الإرهابَ والابتزازَ، وأظهر ثباتًا منقطعَ النظيرö، وهو ما يقطعُ لدينا أن النصرَ قادمñ- بإذن الله- مöن رحمö هذه المأساةö والمعاناةö، فالنبي- صلى الله عليه وسلم- يخبرنا بأن النصرَ مع الصبر، وأن الفرجَ مع الكربö، وأن مع العسر يسرًا، وسيرته تُحدثنا بأنه وأصحابه حوصروا ثلاثة أعوام في شöعْب أبي طالب حصارًا اقتصاديًّا واجتماعيًّاº حتى اضطُّروا إلى أكل ورقö الشجرö، ثم خرجوا منتصرين، والله عز وجل يصبّöرنا في قوله: {إöنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإöنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مöنْ اللَّهö مَا لا يَرْجُونَ} (النساء: من الآية 105) إن تكونوا تألمون بالقتلö والجرحö والجوعö والتدميرö والاعتقالö فإنهم يألمون بالخوفö والرعبö والقلقö وفقدö الاستقرار، وترجُون مöن الله النصرَ أو الشهادةَ في الدنيا وأجرَ الشهداء في الجنة في الآخرة.
فيقينُنا يؤكد ودروسُ التاريخ تُثبت أن قوةَ الباطل وضخامةَ أسلحتöه تتحطَّم على صخرة الإيمان بالحق والثبات عليه، وأن الأخيرَ هو المنتصرُ ولو كان يُسام التعذيبَ والنَّكالَ ما دام معتصمًا بالله مستمسكًا بالحق صُلبَ العزيمةö حديدَ الإرادة.
وإخواننا- بفضل الله- في فلسطين ثابتون على عدم الاعترافö باغتصابö أرضöهم، حريصون على تطهير مقدساتهم وعودة أهلöهم إلى بلادöهم وديارöهم، وحتى لو رآه المهزومون مستحيلاً أو كان في حقيقته بعيدًا فإن الثباتَ على ذلك والصبرَ على دفع ضريبته هو قمة الانتصار.
وقد يفتُّ في عضد البعض أو يثبّöط همَمَهم أو يبعث شيئًا من اليأس في نفوسهم تقاعسُ عددٍ مöن حكام العرب والمسلمين عن نصرةö إخوانهم، بل تواطؤهم مع المؤامرة الدنيئةº ولهؤلاء نقول: {إöنَّهُ لا يَيْئَسُ مöنْ رَوْحö اللَّهö إöلاَّ الْقَوْمُ الكَافöرُونَ(87){ (يوسف).
ونقول إن عبرةَ التاريخö تعلمنا أن الحكامَ كثيرًا ما فرُّوا من المعاركö، وتحمَّل الشعوبُ أعباءَها، فالمماليك هُزموا إبَّان الحملةö الفرنسيةö، وفرَّ بعضُ قادتهم إلى الصعيد، وهنا قادَ علماءُ الأزهر شعبَ مصر في الثورة على الفرنسيين مرتَين خلال ثلاثةö أعوامٍ، وقَتل طالبñ أزهريّñ من حلَب قائدَهم كليبر، ففقدوا الأمان واستولى عليهم الرعب، حتى رحَلوا خاسئين، وفي الجزائر التي اعتبرتْها فرنسا امتدادًا جغرافيًّا لها واحتلتها 130 عامًا تزعَّمت المقاومةَ جمعيةُ العلماء بقيادة عبد الحميد بن باديس واستمرت الثورة ثورة المليون شهيدº حتى اضطُّرت فرنسا إلى الانسحاب خاسرةً.
ولماذا نذهب بعيدًا؟ ألم يحتل الصليبيون مناطقَ كثيرةً من بلاد الشام، وأقاموا ممالكَ فيها، ومن بينها بيتُ المقدس، وحوَّلوا المسجدَ الأقصى إلى كنيسةٍ بعدما قَتلوا فيه نحوَ سبعين ألفًا من المُحتَمين به من المسلمين، ومكَثوا فيه ما يزيد على تسعين عامًا، حتى هزمَهم الجيشُ المصريُّ بقيادة صلاح الدين الأيوبي في حطين، ثم حاصر مدينة القدس، وأجلى الصليبيين عنها آمنين، وكان في مقدورöه أن يثأر للمذابحö الصليبية ولكنها أخلاقُ النبلاء وأخلاقُ الإسلام.
أيها المسلمون.. إننا نرى نصر الله في أحلكö الظروف وأصعبö الأحوال، ولكنَّ نصرَ اللهö لا بدَّ له من ثمنٍ وتضحياتٍ، فلا بد أن نجاهدَ لنغيّöر أنفسَنا، ونصلöحَ أحوالَنا، ونفرضَ إرادتَنا كشعوبٍ على حكامöنا، علينا أن نُجاهد، كلّñ بما يستطيع وبحسب الظروف التي يعيش فيها، فمöن جهادٍ بالقلم واللسان من العلماء لإصلاح الأمة وتعبئتها، والأمرö بالمعروف والنهي عن المنكر، ومöن جهاد بالمال، وهو واجبُ اللحظةº حتى لا نتركَ إخوانَنا فى فلسطين فريسةً للحصار الوحشيّö القاتل، وعلينا أن نضغطَ من أجل توصيلöه إليهم وإغنائهم عن الحاجة للأشرار اللئام، ومöن جهادٍ بالفكر والعلم والبحث العلمي والتطبيقº من أجل نهضة الأمة وقوتها ومناعتها، ومöن جهادٍ بالجهد والعمل والإنتاج لتحقيق الاكتفاء والاستقلال وحرية الإرادة والقرار، وأخيرًا الجهاد بالروح والنفس لمقاومة المحتل الغاصب وتحرير الأرض واستعادة الحق.
{وَالَّذöينَ جَاهَدُوا فöينَا لَنَهْدöيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإöنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسöنöينَ(69) {(العنكبوت) {يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا اصْبöرُوا وَصَابöرُوا وَرَابöطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلöحُونَ(200){ (آل عمران).
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين