عاد موضوع الحجاب للواجهة الاعلامية مرة أخرى بعد أن تم طرد أكثر من طالبة مسلمة وحرمانهن من حقهن في مواصلة تعليمهن. الغريب أن الامر لم يقتصر على الحجاب والذي يعد بمثابة رمز ديني كما يصفه القانون الظالم بل ان غطاء الرأس والمسمى البندانا منع أيضا بل أكثر من ذلك فقد وصل الامر الى الشعر المستعار(الباروكة). فقد لجأت فتاتين محجبتين من مدينة ستراسبورغ إلى ارتداء شعر مستعار "باروكة" بدل الحجاب.وحسب موقع اسلام اونلاين فأن إدارة المدرسة بعد أن قبلت بالشعر المستعار لبضعة أيام عادت عن قرارها رافضة دخول الفتاتين بهذه الطريقة. الموضوع إذا لا علاقة له بالعلمانية المزعومة بقدر ما تستشعر أن الهدف منه هو إذلال المسلمين والمسلمات والضغط المهين عليهم. الامر المؤسف حقا هو غياب أي صوت إسلامي رسمي عن هذه المسأل، مما يعمق الشعور بالقهر وبغياب المرجعية الرسمية لدى عموم المسلمين. بل أن الامر تجاوز ذلك بوقوف بعض الجهات الرسمية الى جانب فرنسا كما الحال مع شيخ الازهر، بل ان دليل أبو بكر رئيس ما يسمى المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية ذهب مؤخرا أبعد من ذلك معتبرا أن الحجاب قضية عَفَّى عليها الزمن تؤججها أطراف أصولية. ففي تعقيب له على عمليات طرد الفتيات المتحجبات من المدارس الفرنسية، قال دليل أبو بكر رئيس المجلس في ندوة نظمها "نادي الشرق الأوسط" التابع لموقع "بروش أريون إنفو" القريب من اليمين الصهيوني بفرنسا يوم 20-10-2004 إن هناك تركيزا إعلاميا مبالغا فيه تجاه هذه القضية، مشيرا إلى أن الحجاب الذي وقع تجاوزه في تركيا وفي تونس يجب أن نتجاوزه أيضا في فرنسا "لأنه ينتمي إلى قرون ماضية" على حد قوله حسب ما نقل موقع اسلام اونلاين. المحجبات الفرنسيات وجدن أيضا لهجة مهادنة ومتهاودة -عند بدء العام الدراسي وعشية خطف الصحفيين الفرنسيين في العراق- من جانب المنظمات الاسلامية والتي يفترض أنها أنشئت للدفاع عن المسلمين وحقوقهم، فقد قال عمار لصفر رئيس المجلس المحلي للديانة الإسلامية بمنطقة الشمال وإمام جامع الإيمان بمدينة "ليل": "الحس الوطني إزاء أزمة الرهينتين والحرص على المصلحة الوطنية الفرنسية جعل الكثيرات يفضلن عدم الإثارة وإحداث مشاكل، كما أن حكمة الإدارة الفرنسية جعلت هذه العودة تمر إلى الآن في هدوء كامل". من جهته قال التهامي إبريز رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا (أكبر المنظمات المسلمة في فرنسا): "إنه سجلت بعض حالات لمحجبات رفضن نزع حجابهن عند باب المدارس، غير أنه سمح لهن رغم ذلك بدخول المدارس للتحاور". وأضاف إبريز "غير أن العودة كانت في العموم هادئة تحت شعار: الجدية والشعور بالمسئولية، وخاصة أننا إزاء حياة مواطنين فرنسيين". مواقف تلك المنظمات تعزز الشعور العام بان نقص المناعة السياسية إن لم نقل إنهيارها في الجسم الاسلامي تجاوز الانظمة الرسمية ليصل الى بعض العاملين في الحقل الاسلامي. أكثر من ذلك صرح السيد التهامي إبريز "إن وضع رهينتين فرنسيتين في العراق يعني وضع 6 ملايين مسلم في فرنسا كرهينة"، مما يعزز النهج الغربي الظالم بمحاسبة جموع المسلمين على تصرفات فردية إستثنائية قد تكون مرفوضة من السواد الاعظم من الاسلاميين وقياداتهم. إن شعور المسلمين بالغبن الشديد وأفتقادهم الى مرجعية تدفع عنهم الحيف وتدافع عن حقوقهم سيكون وبلا شك وقودا مستمرا وحافزا كبيرا للجوء الى تيارات التشدد والاقصاء والاعجاب بها وبرموزها.
ربما يكون من المفيد هنا أن نستذكر أن حجة الغاء الرموز الدينية لحماية العلمانية أو كما قال شيراك في زيارته الاخيرة لتونس "لا يمكن أن نقبل علامات متباهية للهداية الدينية أيا كانت تلك العلامات وأيا كان الدين" تسقط وتتهاوى حين نستحضر النقاط التالية:
ِ الحجاب ليس التزاما ينحصر بالمسلمات فالراهبات المسيحيات يرتدينه وكذلك اليهوديات المتدينات اللواتي يضعن غطاءا على شعورهن.
ِ اذا كانت فرنسا تخشي علي علمانيتها من حجاب الطالبات المسلمات فعليها ان تغير اسماء الكثير من ساحاتها وشوارعها والتي تحمل اسماء القديسيين والقديسات مع ما ترمز اليه تلك الاسماء من الاشارات الدينية.
ِ هل ُيعتبر قيام بعض لاعبي المنتخب بالصلاة ورسم اشارة الصليب امام عدسات التلفاز وملايين المشاهديين نوعا من علامات متباهية للدعاية الدينية؟
ِ فرنسا تحتفل كل عام باعياد الميلاد حيث تتزين شوارعها وميادينها برموز دينية واضحة... فهل تُعتبر تلك الاحتفالات اعتداء علي العلمانية وتهديد لها؟
الشعور العام بأن القانون يستهدف المسلمين حصراً وتحديدا، والا لماذا أستيقظت فرنسا على موضوع الرموز الدينية بعد إنتشار الحجاب بين اليافعات المسلمات. من جهة أخرى قبلت بعض المدارس أن يرتدي الطلاب السيخ بها قبعات أو عمامات صغيرة، إلا ان هذا الاستثناء رفض من قبل بعض المدرسين متعللين بأنه لا يمكن طرح قواعد مختلفة لكل ديانة وأنه يتعين امتثال الجميع للقانون. ومؤخرا قضت إحدى المحاكم الفرنسية التي كانت تنظر في استئناف تقدم به ثلاثة من الطلبة السيخ طُردوا من المدرسة بسبب ارتداء غطاء الرأس، بإعادة القضية إلى المدرسة لدراستها من جديد بين الهيئة المدرسية وممثلي الطلبة مما يؤكد الشعور العام إن المستهدف في هذا القانون الجائر هن المسلمات تحديدا.
وعلى الرغم من الشعور بالمرارة والحزن والمسلم يلحظ الاضطهاد والحيف الواقع على المسلمين في كثير من بقاع المعمورة إلا أن جانبا مشرقا وضاءا في هذه المسألة يجب أن يستذكرا هنا. لقد كان الغرب مصدر إلهام واعجاب يصل لدرجة الانبهار لكثير من المفكرين العرب والمسلمين في اوائل القرن الماضي واواسطه. كانوا يبشرون بقيم الغرب وحريته وليبراليته. اليوم تخرج علينا البراعم المسلمة واللاتي ولدن في فرنسا وترعرعن فيها ليتمسكن بدينهن ويتشبثن بحجابهن. وهاهي مساجد فرنسا تضيق الان بجموع المصلين في رمضان مما يدفعهم لافتراش الشوارع والطرقات لاداء صلاة التروايح. إن منع الحجاب على الرؤوس سيزرع الايمان ويجذره في القلوب بل وسينشر الحجاب بإذن الله في صفوف المسلمات في ارجاء العمورة وهن يرقبن بإعجاب اصرار وطهارة والتزام الفتيات الفرنسيات المسلمات. عن تميم الداري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ليبلغن هذا الأمرما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر".
ياسر سعد - كندا