بقلم : هيمن حسن العراقي
لقد دخلنا معا في الثلث الأخير من الأيام المباركات بل في الربع الأخير منها بفضل الله ورحمته بعد أن أبلعت أرض الهوى ماءها وأقلعت سماء النفوس ، وتيقظت الأرواح بعد أن سقيت بالمكرمات والأعمال الصالحات ،وكان للصالحين حوار لطيف وطلب خفيف أفصح به ابن رجب في لطائفه قبل الفراق قائلاً: ((يا شهر رمضان ترفّق ، دموع المحبين تدفّق ، قلوبهم من ألم الفراق تشقّق . عسى وقفة للوداع تطفيء من نار الشوق ما أحرق ، عسى ساعة توبة وإقلاع ترقع من الصيام ما تخرق ، عسى منقطع من ركب المقبولين يلحق ، عسى أسير الأوزار يُطلق ، عسى من استوجب النار يُعتق . اهِ فما أحرانا بتدبّر قوله ، وفعل يطفيء حرارة الوداع.))
ولآبد لنا من وقفة صادقة مع نفوسنا إذ أن(المؤمن الصادق أشد محاسبة لنفسه من التاجر الشحيح لشريكه).فاجلس يا أخي في محرابك وتدبر مع أحد الصالحين وهويخاطب نفسه عسى أن تذرف عيناك دموعاً خاشعة فيغفر الله لك الآن وهويقول ((يا مسكين :رقاب الصالحين من النار تعتق وأنت بعد لا تدري ما حال رقبتك .صحائف الأبرار تبيض من الأوزار وصحيفتك لا تزال مسودة من الآثام . أليس لك سمع ، أومعك قلب . والله لوكان قلبك حيا لذاب حسرة وكمدا على ضياع المغفرة والعتق في رمضان ،آه لوكشف لك الغيب ورأيت كم من الحسنات ضاعت عليك ، وكم من الفرص لمغفرة الذنوب فاتتك وكم من أوقات الإجابة للدعاء ذهبت عليك. ألا تريد أن يغفر الله لك ألا تريد أن يعتقك الله من النار؟.فعليك أن تتدارك ما بقي من رمضان (ومن أصلح فيما بقي غفر الله له ما سلف) ،فدعوة إلى المغفرة دعوة إلى العتق من النار ، دعوة إلى مضاعفة الحسنات قبل فوات الأوان .عد إلى نفسك - فوالله ما صدق عبد لم يحاسب نفسه على تقصيرها في الواجبات ،وتفريطها في المحرمات ،عد إلى نفسك وحاسبها محاسبة دقيقة ، ثم اتبع ذلك بالعمل الجاد ، وشمر في الطاعات واصدق مع الله واقبل على الله .فلا يزال الله ينشر رحمته ويرسل نفحاته . يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إن لربكم في دهركم لنفحات فتعرضوا لنفحات الله).
ثم تدبر معي أيها الأخ الصائم الحبيب حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام كما تقول عنه عائشة رضي الله عنها : ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل ، وأيقظ أهله ، وجدّ ، وشد المئزر)) ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة . واعلم أن في هذه الليالي ليلة عظيمة قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)).وبعدها ماهي إلا أيام فنستقبل العيد ونحن نعيش أياماً غرق الناس فيها بالماديات وهزمت العقول أمام هجوم الملذات فضعفت فينا القناعات واهتزت بداخلنا الروحانيات إلا أنه كان لسلفنا فهماً جميلاً للعيد أسس معالمه المتينة الحسن البصري رضي الله عنه ينبغي إحياؤه في حلة عصرية أصيلة لتعيد إلينا سر مجدنا ومفتاح عزتنا وما أحوجنا اليهما اليوم ، فقد ذُكرَ أنه _ رضي الله عنه _ مرَّ بقومٍ يَومَ العيد وهمْ يَضْحكون ، فقال :((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جعلَ شهرَ رمضانَ مöضماراً لخلقöه يَسْتَبقونَ فيهö لطاعته ، فسبقَ قومñ ففازوا ، وتخلَّفَ أقوامñ فخابوا ، فالعَجبُ كُلَّ العجب للضاحكö اللاعبö في اليومö الذي فازَ فيه السابقون ، وخابَ فيهö المُبطöلُوْن ، أمَا واللهö لوكُشöفَ الغطاءُ لاشتغلَ المُحسنُ بإحسانهö والمسيءُ بإساءتهö)).وبعد رمضان يا أخي :اثبت على طريق استقامتك الذي هداك الله اليه واعلم أن من علامات قبول صومك وعتقك من النار دوامك على طاعته فان الدعاة الى الله ينادونك بقولهم : كن ربانياً ولاتكن رمضانياً.
وأخيراً أذكرك ونفسي بالحديث الذي رواه ابن ماجة بإسناد صحيح :\" إن للصائم عند فطره دعوة لا تردُ \"فاجعل دعاءك :اللهم إنك عفوكريم تحب العفوفاعف عنا اللهم افرح قلوبنا بأن تجعلنا ووالدينا ومن له حق الدعاء علينا من عتقاء شهر رمضان اللهم اعتق رقابنا من النار اللهم تقبل منا طاعتنا برحمتك اللهم خلص بلادنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن ماظهر منها ومابطن اللهم اطفيء فتنة الطائفية في بلدنا وانصرنا على من ظلمنا ولاتجعل مصيبتنا في ديننا ولاتجعل الدنيا أكبر همنا ولامبلغ علمنا واجعل ثأرك على من عاداك وظلمنا اللهم وارحم موتانا وفك معتقلينا اللهم هب لنا علماً نافعاً ولساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وبدناً على البلاء صابراً اللهم تقبل شهداءنا الأبرار واسكنهم الفردوس الأعلى اللهم آمين .