بناة حضارة أنتم
منذ أن خلق آدم عليه السلام جعلت على عاتقه وأبنائه من بعده مسؤولية خلافة الله في الأرض {وَإöذْ قَالَ رَبُّكَ لöلْمَلاَئöكَةö إöنّöي جَاعöلñ فöي الأَرْضö خَلöيفَةً} -30 سورة البقرة- ولم يترك الله البشر تائهين هائمين فوضح لهم طريقهم {وَمَا خَلَقْتُ الْجöنَّ وَالْإöنسَ إöلَّا لöيَعْبُدُونö 56} –سورة الذاريات-، فلا خلافة لله إلا بتحقيق المفاهيم الأساسية لبناء المجتمع الإسلامي.
تختلف الحضارة الإسلامية كثيرا عن غيرها من الحضارات لما فيها من قيم وخصائص تفتقدها نظيراتها –إن جاز لنا تسميتها حضارات-، فهي تبدأ من منظومة تهتم بالفرد وتراعي كل حاجاته، ثم تنتقل إلى الأسرة لتضع لها نظاما حكيما يؤسس لمجتمع قوي متماسك.
لعل من الحكمة بما كان أن نبرز جوانب التميز في الحضارة الإسلامية لنبني على ذلك استنتاجاتنا لما يتعلق بالشكل العام للحضارة و بُناتها، فأول مقومات هذه الحضارة هو الفرد المسلم الذي يتحلى بمجموعة من الصفات والأخلاق... يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إن لله تعالى في أرضه آنية وهي القلوب، فأحبها إليه تعالى أرقها وأصفاها وأصلبها، ثم فسرها فقال: أصلبها في الدين، وأصفاها في اليقين، وأرقها على الإخوان)، ومن أخلاق المسلم التورع عن الشبهات، وغض البصر عن محارم الله، وصون اللسان عن فضول الكلام وفحشاء الحديث وبذاءة الألفاظ والتعابير وعن عموم اللغو والغيبة والنميمة، والحياء في كل أحواله دون أن يمنعه ذلك عن الجرأة في الحق، قال صلى الله عليه و سلم ( الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا اله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، ومنها كذلك الحلم والصبر والصدق والتواضع والكرم واجتناب الظن والغيبة وتتبع عورات المسلمين، وأن يكون قدوة حسنة بين الناس وترجماناً فعلياً لمبادئ الإسلام وآدابه في مأكله ومشربه وملبسه وكلامه وسلامه وسفره وحضره وفي كافة حركاته وسكناته.
وثاني تلك المقومات هي الأسرة المسلمة، ولكي يساعدنا الإسلام على النجاح في إنشاء البيت المسلم دلنا على الطريق ، وأشار إلى جملة عوامل وأسباب تُسهل مهمتنا وتحقق غايتنا ، منها : أن يكون زواج المسلم لله ، وأن يكون من مقاصده عفة البصر وحفظ النفس وتقوى الله، وإحسان اختيار الزوجة وشريكة الحياة ورفيقة الدرب فيكون الاختيار لصاحبة الخُلق والدين لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرماء خرقاء ذات دين أفضل)، وإن كان ذلك قبل الزواج فمن واجبات الزوج كيما يحافظ على البيت المسلم أن يحسن إلى زوجه، وأن يكرم معاملتها، لتتحقق الثقة بينه وبينها، ويجب أن يتحقق (التجانس) الفكري والروحي والعاطفي، كأن يقرآ معاً، ويؤديا بعض العبادات معاً.. وينظما شؤون البيت معاً، ثم تكون بعض الفرص للمداعبة واللعب.
والحقيقة أن الثمرة المرجوة لنشأة البيت المسلم هي ايجاد الذرية الصالحة لقوله تعالى ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مöنْ أَزْوَاجöنَا وَذُرّöيَّاتöنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لöلْمُتَّقöينَ إöمَاماً) –سورة الفرقان 74-.
إذا ما تحققت تلك الصفات في الفرد والأسرة المسلمة سنصل بلا شك إلى مرحلة التطبيق الشامل لحقيقة الإسلام باتجاهاته المختلفة –الروحي والثقافي والخيري والسياسي-.
عندها وفقط تتحقق الحضارة الإسلامية بمفاهيم العدل والإحسان، وحيث لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى تزداد أواصر الترابط الأخوي لتكون عصية على الاختراق والفتن، فيلفظ الناس الفاسد، و يكون المسلمون روحا جديدا يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونورا جديدا يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوتا داو يعلو مردداً دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.
______________________
بهاء الدين الغول*
2-6-2007