شيخنا الكبير محمد الغزالي – رحمه الله – أقر أنه كان يشعر بالحزن عندما كان يقرأ خبر هذا الرجل.. (ذوالقرنين)!! وذلك ليس لعيب فيه .. أوحسرة عليه.. إنما لعيب كبير في أمتنا وحسرة علي ما آلت إليه.
يقول الشيخ الغزالي في كتابة (نحوتفسير موضوعي لآيات القرآن) ; إن الخبرة الفنية التي أبداها ذوالقرنين لا تعرف اليوم بين المسلمين، لقد انفرد الأجانب بها، وأمسوا الخبراء المتخصصين فيها. إن المهارة في شئون الحياة صارت لديه ملكة راسخة. ويضيف قائلا.. إننا بدل أن نتعلم الإبداع في شئون الدنيا تعلمنا الابتداع في شئون الدين، فأتينا بأمور – ما أنزل الله بها من سلطان. وكان من وراء ذلك فوضي عقليه وخلقية، أخرتنا في معاشنا ومعادنا(1)...!! إن ( ذوالقرنين) نموذج فذ لرجل آتاه الله الملك والعلم والحكمة وكذلك القوة والإيمان والعدل وكل منها مثلث متساوي الأضلاع لأساسات هامة ترسخ وتحمل أي بنيان حضاري.. فالعلم يحتاج إلي حماية قوة الملك وقوة الملك تحتاج إلي العلم.. والملك والعلم يحتاجان إلي الحكمة كي يستمر هذا الملك.. فكم من حضارات قامت علي قوة الملك وقوة العلم وافتقدت إلي الحكمة فاغترت بما فعلت وتعالت بلا قيم تساندها حتى هوت في أسفل سافلين – وما خبر حضارات بلاد الإغريق واليونان والفراعين عنا ببعيد..
هذا المثلث المتساوي الأضلاع هو.. هو.. الذي يعني كذلك القوة والإيمان والعدل.. فالإيمان يحتاج إلي قوة والقوة تحتاج إلي إيمان.. وكلاهما يغذيهما العدل والإنصاف في تدبير شئون العباد وإلا فالظلم والمحاباة وتقريب أهل الغني والسلطان دون الفقراء.. يعني الإجحاف البيّن.. واحتقان الصدور.. واندلاع الفوضى وعدم الاستقرار.
ذوالقرنين نموذج للحاكم المصلح العادل :-
\" إن سيرة ذي القرنين : نموذج طيب للحاكم الصالح، يمكنه الله في الأرض، وييسر له الأسباب فيجتاح الأرض شرقاً وغرباً، ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغي ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق، ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه.. إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به، ويساعد المتخلفين، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل، ويستخدم القوة التي يسرها الله له في التعمير والإصلاح، ودفع العدوان وإحقاق الحق، ثم يرجع كل خير يحققه الله علي يديه إلي رحمة الله وفضل الله، ولا ينسي وهوفي إبان سطوته قدرة الله وجبروته، وأنه راجع إلي الله \" (2)
الثواب والعقاب ضرورة لصلاح البلاد :-
في سياحة ذي القرنين في أرض الله.. وجد الناس علي ثلاث هيئات.. وثلاثة أطباع.. فعند مغرب الشمس وجد قوما يحسنون ويسيئون.. وعند مطلع الشمس وجد قوما متخلفين يحتاجون الإصلاح والتغيير وبين السدين وجد قوما شرارا أشد ما يكون الشر وهم ( يأجوج ومأجوج).. فيتعامل مع كل قوم بحكمه وعدل وإنصاف وقوة وإيمان.. وحدّد متي يجب الثواب ومتي يحل العقاب.. ومن يحتاج إلي المساعدة والإصلاح والتغيير.. ومن كذلك يجب التخلص من شروره وآثامه.. حينما يكون وبالا وخرابا علي إنتاج البشرية..
وليس هناك أجمل من سياق القصص القرآني في توضيح النماذج الثلاثة.. فلنقرأها ونتأملها مرة أخري :
( حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما، قلنا يا ذا القرنين، إما أن تعذب وإما إن تتخذ فيهم حسنا. قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلي ربه فيعذبه عذابا نكرا. وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسني، وسنقول له من أمرنا يسرا. ثم أتبع سببا. حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع علي قوم لم نجعل لهم من دونها شرا. كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا. ثم أتبع سببا. حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا. قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا علي أن تجعل بيننا وبينهم سداً. قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما.) (3)
ويعلق الأستاذ سيد قطب علي هذه الحكمة في التعامل مع فئات البشر المختلفة وأطباعهم المتباينة قائلا – (هذا هودستور الحاكم الصالح. فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير والجزاء الحق عند الحاكم. والمعتدي الظالم يجب أن يلقي العذاب والإيذاء.. وحين يجد المحسن في الجماعة جزاء إحسانه حسنا، ومكانا كريما وعونا وتيسيرا، ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإهانة وجفوة.. عندئذ يجد الناس ما يحفزهم إلي الصلاح والإنتاج. أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلي الحاكم مقدمون في الدولة، وإذا العاملون الصالحون منبوذون أومحاربون. فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد ويصير. يصير نظام الجماعة إلي الفوضى والفساد). (4)
ذوالقرنين – والإنجاز الحضاري :-
إن نموذج ذي القرنين نموذج رائع كما قلنا للمثلث المتساوي الأضلاع في الإنجاز والعمل القائم علي معطيات هامة تدعم وتحمل أي بنيان حضاري.. متمثلة.. في العلم والإيمان والعدل.. وكذلك القوة والإنصاف والحكمة.. وإلا فما معني أي حضارة وهي خاوية خالية من قيم العدل والحكمة.. إنها خاوية علي عروشها بفعل الزمن وعبرة مرور الأيام وتلك سنن الله في الكون.
(أولم يسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها، وجاءتهم رسلهم بالبينات ، فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (5)
فاكتشاف سنن السقوط والنهوض من لوازم البناء الحضاري، وإن شئت فقل : من لوازم الشهادة علي الناس، والتأهيل لقيادتهم، والقدرة علي اختيار وتمثل الموقع الوسط.
قال تعالي :
(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)(6)
لذلك.. نعود ونقول.. إن سيرة ذي القرنين نموذج إسلامي حضاري وسط يأخذ بالأسباب والمسببات ولا يغفل المقدمات عن النتائج من أجل النهوض والإنجاز الحضاري.
فذوالقرنين الذي أتاه الله من كل شئ سببا فأتبع سببا وكان له التمكين في الأرض لأنه عرف السنن وانضبط بها :
سار في الأرض وكانت مساحة رحلته من مشرق الشمس إلي مغربها، وتعرف من خلال هذا السير إلي أسباب العجز الحضاري، والتحديات والمعاناة التي تواجه البشر، وأيقن بضرورة توفير الظروف والشروط التي تكسبهم المنعة، فكان أشبه بالمهندس الذي عرف أسباب التردي، ووسائل التمكين، في الأرض، ووضع الخطط، وأشرك الأيدي العاملة، واستحضر المواد المطلوبة لإتمام عملية الإنجاز. (7)
لقد أنجز ذوالقرنين إنجازاً حضارياً استحق أن يسجله القرآن ليكون عظة وعبرة لأمة الإسلام.. وليس المطلوب منهم أن يعرفوا زمان ولا مكان ذي القرنين.. وهل كان مقدونيا أم عربيا.. أم أفريقيا.. بل المطلوب هوالاستفادة من النتيجة..
( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب).
وتأصيل المعني في النفوس.. واستلهام العبرة في السير علي درب الإسلام الداعي إلي المجد والإنجاز الحضاري.. فذوالقرنين استفاد بالمقدمات وأحسن النتائج.. لأنه كان ملهما أوتي الحكمة وأسباب المنعة والقوة ودعا من معه إلي المشاركة والإيجابية وعدم التواني أوالكسل.. ورسخ مبدأ الثواب والعقاب.. وأخذ بأيدي المتخلفين الضعفاء الذين
( لم نجعل لهم من دونها سترا).
لقد ظهرت عبقرية ذي القرنين الهندسية في البناء الأخلاقي والبناء الاجتماعي وكذلك البناء الهندسي.. فتعامل بألمعية مع الناس علي اختلاف مشاربهم وأفهامهم فاستحق أن يكون
(ذي القرنين).. بمعني أنه امتلك ناصيتي المشرق والمغرب.. ولم لا يكون المعني أنه فهم وسبر غور واستحوذ علي ناصيتي الخير والشر.. ولم لا يكون المعني كذلك أنه امتلك ناصيتي العلم والإيمان.. يعضد بعضها بعضا في قوة ومنعة واستحكام لا يمنع السقوط.. كحال السد العظيم الذي بناه بعلم وإيمان.. لا يسقط ولا ينهار إلا بإذن الله القوي الجبار.. الذي منحه هذه القوة وأيده بأسباب التمكين وحسن التفكير.
لقد ظهرت عبقرية ذي القرنين الهندسية عندما بني السد حيث بني خطاً من الاستحكامات العسكرية ذوب فيه الحديد والنحاس والصخور، أعلي بناءه، وقوي أسفله، وساوي بين حافتي الجبلين، وأنشأ بذلك حاجزا يصد الأعداء.
( فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، قال هذا رحمة من ربي) (8)
إنه إبداع في فهم الدنيا والدين، وليس ابتداع كما قال شيخنا الغزالي فيهما أدي إلي الفوضى العقلية والخلقية بين جماعة المسلمين.. وكأن ذي القرنين نجح في بناء سد.. ما اهتدي إليه إلا العلم الحديث مؤخرا - حال دون السقوط الحضاري للأمة نحتاج إليه من جديد لصد محاولات كشف عورات الأمة أعلي السد وأسفله !
-------------------------
بقلم / المنشاوي الورداني
مترجم بالتليفزيون المصري
--------------
هوامش :
1- دار الشروق / القاهرة 2002 ص 237، 238
2- سيد قطب ، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، 2002 ج4، ص2293
3- الكهف من 86 – إلي آخر الآيات
4- المصدر السابق
5- الروم / 9
6- البقرة / 143
7- د / عمر عبيد حسنة / مقدمه لكتاب ( أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق للدكتور / أحمد كنعان) – كتاب الأمة / قطر / 1990 / ص 22، 23
8- الكهف / 97، 98