يقول سعيد النورسي رحمه الله:(إياكم أن تربطوا الحق الذي أدعوكم إليهبشخصي المذنب الفاني ، ولكن عليكم أن تبادروا فتربطوه بينبوعه الأقدس كتابالله وسنة نبيه ، ولتعلموا أنني لست أكثر من دلال على بضاعة الرحمن ،ولتعلموا أنني إنسان غير معصوم قد يفرط مني ذنب أو إنحراف فيشوه مظهر الحقالذي ربطتموه بذلك الذنب أو الانحراف).
يشير بديع الزمان إلى قضية مهمة وأصل ثابت كثيرا ما زلت به أقدام بعدثبوتها وضلت به أفهام بعد سلامتها وتفرقت به جموع بعد ألفتها ، فالانحرافيقع عندما يتم ربط الحق أو الفكرة بأشخاص مهما كانت درجة صلاحهم والنظرإليهم بنوع من القداسة والعصمة ، ويصبحوا هم الذين يقاس ويوزن بهم المنهجبدل أن يكون هو الميزان الذي تحدد به قيمة الرجال ومكانتهم بمدى قربهموبعدهم عنه ، وبمدى إلتزامهم به وتمثلهم له .
والدارس لتاريخ الجماعات المختلفة يجد أن معظم الانتكاسات والاختلالاتالتي وقعت والانشقاقات والاضطرابات التي حدثت في صفوفها والانحرافاتالمنهجية والفكرية التي ظهرت في مسيرتها منشؤها الأساسي هو التعلقبالاشخاص وإتباعهم حتى في أخطائهم ، وقد رأينا حركات بلغت من الهالةوالشهرة والحضور أصيبت في مقتلها وقصم ظهرها وأفل نجمها بسبب تفشي داءالشخصانية والزعامتية فيها ، وكم من رجال كان لايتصور أن يحيدو عن الحقيوما فإذا بهم وقد مسهم طائف من الشيطان ولم يتذكروا ، وإستبدت بهمالأهواء والمطامع والشهوات ، فكانوا وبالا على الحق وأهله بعدما كانوا منجنوده بل من قادته ، وقد حفظ لنا التاريخ أن رفيق الامام المؤسس وملازمهكظله قبل التأسيس وأحد الذين كان لهم شرف السبق وأمين سر الجماعة بعد ذلك، أي من الشخصيات الريادية في الهرم القيادي في مرحلة ولادة الدعوة قدإنفصل بعد مدة وأصبح يهاجم الفكرة والقائد ويثير الشبهات حولهما على صفحاتجرائد الخصوم ، ومن على منابرهم أنذاك، ومحل العبرة هنا ليس محاكمة هذا أوذاك فرحم الله الجميع فقد أفضوا إلى ربهم ، ولكن للتأكيد على المبدأ العامالذي أشرنا إليه وهو أن الارتباط دوما يكون بالحق والمنهج والينبوع الأصيل، لان الرجال مهما علا شأنهم وعظمت مكانتهم ماهم إلا بشر معرضين لكلمايصيب الانسان من السهو والخطأ والانحراف ، لكن لايعني هذا الانتقاص منقيمة رجالنا العاملين ، بل الواجب إحترامهم وتقديرهم ومعرفة فضلهم وعدمبخسهم أشيائهم ، سواء كان ذلك في حياتهم أو بعد وفاتهم ، ويتأكد ذلك بعدالوفاة لقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ( من كان مستنا فليستن بمنقد مات فإن الحي لاتؤمن عليه الفتنة)، فالمطلوب منا عندئذ ذكر محاسنهموتعداد فضائلهم ومناقبهم وجلائل أعمالهم ، لان ذلك من شيم الأوفياء ، وهذاينافي التقديس الذي تحدثنا عنه آنفا ، لاننا ندرك كل الادراك ويدرك معناكل العقلاء أن الرجال العظام أصحاب الافكار الاصيلة والانجازات الجليلةوالآثار الجميلة يموتون باجسادهم أما الافكار التي عملوا لها في حياتهمفإنها تستمر وتنمو وتزدهر وتينع وتبلغ الآفاق حتى أنها تصل إلى مواقعوتتسلل إلى إلى عقول وأذهان وتلج إلى قلوب ماكانت لتصل وتبلغ كل ذلك أثناءحياة أصحابها ، كما قال سيد قطب رحمه الله :(إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثةهامدة ، حتى إذا متنا في سبيلها أو فديناها بالدماء إنتفضت حية وعاشت بينالاحياء)، ومن ثم تصبح سيرتهم العطرة نبراسا للتأسي والاقتداء ، ومسيرتهمالمباركة زادا لمواصلة الطريق الذي بدؤوه ، ووسيلة من وسائل التثبيت علىالنهج الذي رسموا معالمه وأرسوا دعائمه وأقاموا أسسه ، ودافعا قويا للوفاءلهم وللمنهج الذي إختاروه ومضوا إلى بارئهم وهم عليه غير مبدلين ولامغيرين، بل أكثر من ذلك أن هؤلاءالرجال الكبار الذين عاشوا للحق وبالحق دون أنيدعوا العصمة يوما أو قبلوا التقديس لذواتهم الفانية ، يبقى أثرهم وتأثيرهم وعبق سيرتهم ، ويتواصل إشعاعهم ويزداد وضوحا ولمعانا وبريقا كلمابعدت الايام وإمتدت السنين من يوم انتقالهم إلى دار البقاء كما خلص إلىذلك الراشد المرشد عمر التلمساني رحمه الله عندما قال وهو يتحدث عن الامامالشهيد حسن البنا رحمه الله : (حسن البنا كلما باعدت الأيام بيننا وبين يومإستشهاده إزدادت شخصيته وضوحا وإشراقا ونورا وبهاء ... إنه كاللوحة الفنيةالبديعة ... كلما إبتعدت عنها محملقا في روعتها كلما وضح أمام ناظريكرواؤها ودقة الابداع فيها ، وحقا مامضى عام إلا إزداد تاريخ حسن البناوضوحا في ميادين الدعوة الاسلامية ، وظهر ماأجراه الله من الخير على يديهللاسلام والمسلمين).
بقي أن نشير في الأخير مرة أخرى أن التقديس وإدعاء العصمة والارتباطبالاشخاص إنحراف ، كما أن جحود الفضل وعدم الوفاء وبخس الحقوق وجفاءالمشاعر وجفاف العاطفة نحو أهل الصلاح والاصلاح إنحراف كذلك ، والخير كلالخير في العدل والانصاف ، والبركة كل البركة في التوسط والاعتدال فإنه : (إذا ثبت أن الحق هو المعتبر دون الرجال ، فالحق أيضا لايعرف دون وسائطهم، بل بهم يتوصل إليه ، وهم الادلاء على طريقه) كما قال الامام الشاطبيرحمه الله في آخر عبارة ختم بها كتابه الاعتصام