يقول الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله :(إذا لزم النّقد فلايكون الباعث عليه الحقد ، ولكن موجّه إلى الآراء بالتمحيص ، لاإلى الأشخاص بالتنقيص).
إنّ النقد البنّاء والمراجعة المخلصة للأفكار والمواقف والأعمال والممارسات ، سواء داخل الدائرة أو خارجها ، نعتقد أنّه مؤشّر صحة ودليل خلود وعامل من عوامل الإستمرارية ، لأنّ التأسيس لمنهج نقدي سليم ، وإمتلاك عقل نقدي قوامه غربلة الأفكار وتمحيصها وترشيد الممارسة وتوجيهها وتقويم الآراء وتصويبها ، من شأنه أن يقي العثار وينفي الخبث ويقوّم الإعوجاج ويصحّح الأخطاء ويمتّن البناء ويوسّع دائرة الشورى ، وإبداء الآراء ،وإقتراح الحلول ، بشرط أن تتوفّر فيه صفة البناء لاالهدم حتى يؤتي أكله وتجنى ثماره.
ولقد حدّد الإمام الابراهيمي رحمه الله شرطين إثنين كي يكون النقد بناء ومثمرا ومفيدا:
ِِ أولهما: أن لايكون الباعث عليه الحقد :
لأنّ القلب إذا أظلم وضاق وإمتلأ غيظا وكمدا وحقدا وحسدا ، غبشت مرآته، وطمست بصيرته ، فتنقلب موازينه ، وتتشوّه الصورة لديه ، فيصبح صاحبه يخبط خبط عشواء ، فيطلق العنان للسانه ، يحسب أنه ناقد بصير ، وهو في حقيقته حاقد كبير ،يترصّد الأخطاء وإن قلّت فيضخّمها ويجعل من الحبّة قبّة ، ويدفن الحسنات والإنجازات والنجاحات ويغيّبها ،وقد نبّه الشيخ الغزالي رحمه الله إلى دوافع هذا السلوك بقوله:( وكثير ماتطيش الخصومة بألباب ذويها ، فتتدلّى بها إلى إقتراف الصغائر المسقطة للمروءة ، والكبائر الموجبة للّعنة ، وعين السخط تنظر من زاوية داكنة ، فهي تعمى عن الفضائل ، وتضخم الرذائل ، وقد يذهب بها الحقد إلى التخيل وإفتراض الأكاذيب ، وذلك كلّه ممّا يسخطه الإسلام ويحاذر وقوعه ، ويرى منعه أفضل القربات ... فصاحب الصدر السليم يأسى لألآم العباد ، ويشتهي لهم العافية ، أما التلهّي بسرد الفضائح ، وكشف الستور ، وإبداء العورات ، فليس مسلك المسلم الحق)..
ِ ثانيهما:أن يكون موجّها للآراء بالتمحيص لاإلى الأشخاص بالتنقيص :
أي أن تكون وجهة النقد والناقد الذي يريد البناء والتغيير نحو الأفضل ، الآراء فحصا وغربلة وتأصيلا وتصويبا وتصحيحا وتنبيها ، لاالأشخاص أصحاب هذه الآراء تجريحا وتنقيصا وإتّهاما وتشهيرا ومحاكمة لنواياهم وبخسهم أشيائهم ،بحيث من الواجب أن تكون الأعراض خط أحمر مهما كانت المبرّرات والدوافع للنقد، لأنّ الولوغ فيها حالقة للدين والإيمان ، ومحصدة للحسنات ، ومهتكة لجميل ستر الله على العبد ، كما جاء في الحديث عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الربا إثنان وسبعون بابا ، أدناها مثل إتيان الرجل امّه ، وإن أربى الربا إستطالة الرجل في عرض أخيه)(السلسلة الصحيحة)، والقاعدة المتعارف عليها في ساحتنا :(عدم تجريح الأشخاص والهيئات) .
مع ضرورة إستحضار العدل والإنصاف كقاعدة أساسية وضابط مهم في التعامل النقدي مع الأفكار والآراء أشار إليها وأكّد عليها الإمام الشاطبي رحمه الله في سفره العظيم (الموافقات):(إلبس التقوى شعارا ، والإتصاف بالإنصاف دثارا ، واجعل طلب الحق لك نحلة ن والإعتراف به لأهله ملّة ، لاتملك قلبك عوارض الأغراض، ولاتغيّر جوهرة قصدك طوارق الأعراض).
لقد أعطانا الشيخ الإبراهيمي الميزان الدقيق الذي نمّيز به بين النقد البنّاء والنقد الهدّام ، فإن كنت كثير النقد والإنتقاد ِ وهذا حقّك ِ فأعرض نفسك على هذا الميزان ، وزن به مايصدر منك وعنك لتتأكّد أهو مساهمة في الإثراء ، ولبنة في البناء ، ورغبة في الإصلاح ،وحرصا على التحسين والتطوير، أم هو إنتصارا للنفس وإنتقاما لها، وتبريرا للعجز ، وتغطية عن التقصير ، وتعبيرا عن هوى دفين وحقد مكنون لاغير عافانا الله وإيّاكم من كلّ ذلك .
-------------
الكاتب: جمال زواري أحمد ِ الجزائر ِ