بعد اكثر من ثلات عقود من حكم عائلة الاسد لسورية، حكما فرديا مطلقا توسع بعض الشئ برحيل الاب ليس اقتناعا بالديمقراطية او ادراكا لحق المواطن في المشاركة والمساهمة السياسية بل لعدم القدرة وضعف الخبرة والتي إقتضت ان يحكم الحرس القديم من وراء ستار. ثلاث عقود من الاستبداد والحكم المطلق أوصلت الاقتصاد السوري الى حالة من البؤس والركود وتدهورت قيمة الليرة شرائيا وفي سوق العملات. واصبحت سورية تصدر للبنان ودول أخرى العمالة الرخيصة والتي دفعها الفقر وشدة الحاجة الى أعمال يأنفها ابناء البلد. هولاء العمال واجهوا احوال صعبة وتعرض بعض منهم للقتل حتى ان نصر الله الامين العام لحزب الله صرح منذ اسابيع ان ما بين 20 الى 30 عاملا سوريا قد قتلوا في لبنان بعد إغتيال الحريري دون ان نسمع صوتا حكوميا سوريا يذكر هذه الاحداث المفجعة او يتابعها فالنظام مشغول اولا واخير في كيفية المحافظة على نفسه من مصير الذي آل اليه النظام العراقي. الامر الاكثر حراجة للنظام السوري يكمن في قفزاته السريعة والقياسية في النكوص عن شعاراته ومبادئه التاريخية والتي كانت تزعم انه قلعة الصمود والتصدي فيما إعلامه اللاذع يوجه تهم التخوين والعمالة لكل مخالف لسياساته خارجية كانت ام داخلية. قد يقول قائل ان النظام السوري وحيدا في مواجهة العواصف الامريكية الهائجة بينما الاوضاع العربية في غاية التردي والسوء. ونحن اذ نقر بذلك لا بد لنا من ان نلفت الانتباه ان النظام السوري يتحمل قسطا كبيرا من الاوضاع البائسة والتي نعيش فيها والتي اوصلتنا اليها سياساته القمعية والتسلطية والطائفية والتي حولت سورية الى مملكة الخوف كما وصفها المعارض الشهير رياض الترك. فقد دخل النظام السوري لبنان واشتبك مع المقاومة الفلسطينية واقترف تجاوزات تل الزعتر وابتز دول الخليج في الثمانينات ووقف بجانب ايران في حربها مع العراق محرضا الخميني على عدم القبول بالوساطات الكثيرة والمتعددة لانهاء تلك الحرب المجنونة والتي أكلت الاخضر واليابس والتي ما نزال نعاني من أثارها حتى الساعة.
النظام السوري يتصرف الان في مواجهة الاحداث المتلاطمة كعادته تماما رغم التغيير الطفيف الخارجي في لهجته، يتصرف وكأن سورية الوطن اقطاعية يمتلكها وله كامل الحق في التحكم بحاضرها وبمستقبلها مع تجاهل تام للرأي العام والاستهتار بالتوجهات الشعبية التي تختزل في حكمة القائد وحنكته مع استحضار الشعارات التي بادت في كل مكان في العالم ما عدا عالمنا العربي من قبيل بالروح بالدم نفديك يا بشار...وقائدنا للابد بشار الاسد!!! التنازلات السورية المهينة والتي كان أخرها مصافحة الليكودي كاتساف في جنازة البابا ستفتح شهية امريكا والدول العبرية لطلب المزيد، فماذا يمكن للنظام السوري من ان يقدمه حتى ينال القبول الامريكي ويحظى بالبقاء؟ .
من المرجح ان يُطلب من الاسد زيارة القدس والدخول في مفاوضات مع الدولة العبرية قد تفضي الى تأجير هضبة الجولان للدولة العبرية عشرات السنين ولن استبعد إذا ما ارسل النظام السوري قوات سورية لمساعدة القوات الامريكية الصديقة على قمع التمرد في العراق الشقيق فكل شئ يهون في سبيل بقاء النظام حتى ولو ضاع الوطن.
ولكن هل يحسب النظام إحتمالية حصول تمرد عسكري من الجيش المنسحب مهانا من لبنان او تفجر الشارع السوري مع التذكير بأن دورات القهر سواء كانت في حماة او حلب او تدمر او جسر الشغور او في غيرها تجعل من الانفجار حال حصوله دمويا مشبعا برغبات الانتقام؟ خصوصا وان الشارع السوري يشاهد النظام ينكص على عقبيه من سياساته والتي دفع الشعب ثمنها باهظا من قوته وكرامته وارواح أبنائه.
لقد طالبت وطالب كثيرون من الرئيس بشار الاسد ان يقوم بمصالحة داخلية شاملة تبتدأ باطلاق سراح سجناء الرأي وان يجري اصلاحات حقيقية تساعد على بناء الصف الداخلي وتعزز الوحدة الوطنية في مواجهة أخطار الخارج وليطلق حملة ديمقراطية حقيقية تحرج امريكا وتظهر كذب إدعاءاتها سبيلا وحيدا لانقاذ الوطن وحتى النظام. غير ان النظام يبدوا عصيا على الاصلاح متشبعا بروح دكتاتورية وتسلطية لا حدود لها ففي الوقت الذي قدم وما زال التنازلات الصارخة للعدو الخارجي والذي يتربص بالبلاد والعباد الدوائر ويوجه للنظام الاهانة تلو الاخرى تراى النظام متباطأ متثاقلا ومترهلا فيما يتعلق بحرية المواطن وحقوقه الاساسية المنتهكة وقد تَحمل عقودا من المعاناة وسوء الادارة. ان الخيار الوحيد المتبقي لإنقاذ الوطن يكمن في استقالة الرئيس الذي وصل الى الحكم بطريقة في غاية الفجاجة السياسية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حقيقية. هذا السبيل لن ينقذ سورية فحسب بل وربما يؤدي الى إنقاذ الطائفة التي ينتمي اليها الرئيس من ان تدفع فاتورة غالية ثمنا لإشاعة الروح الطائفية في سورية وتدمير مؤسسات البلاد العسكرية والمدنية واشاعة ثقافة النفاق والتطبيل وإفساد الاخلاق العامة وتفشي ظواهر الرشوة والفساد المالي والاداري. إن المطلوب من حكماء الطائفة ان يتحركوا وان يقنعوا الرئيس بالاستقالة فالاعباء اكبر من قدراته وامكانياته كما أظهرت الاحداث المتلاحقة. إن الإمعان في الخطأ سيؤدي الى كارثة وطوفان سياسي قد يغرق الجميع غير ان الخاسر الاكبر سيكون الطبقة الحاكمة والطائفة التي تنتمي اليها والتي تتحكم بالوطن ومقدراته مستبدة ومهيمنة ولعقود متتالية رغم أنها لا تتجاوز 7% من مجموع سكان الوطن الاسير.
ياسر سعد - كندا