هذا وللعزلة أو التفرد آثار ضارة ، وعواقب سيئة ، سواء على العاملين ، أو على العمل الإسلامي ودونك هذه الآثار :
على العاملين :
فمن آثارهم على العاملين :
1- جهلهم بأبعاد ومعالم شخصيتهم :
ذلك أن الإنسان - مهما يكن ذكاؤه ، ومهما تكن فطنته - لا يمكنه وحده أن يعرف أبعاد ومعالم شخصيته معرفة دقيقة ، بل لابد من آخرين يعينونه على ذلك ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، لا يستطيع الإنسان أن يكتشف ما في شخصيته من أثرة وأنانية أو إيثار ، وتعاون ، إلا إذا عاش بين الناس وخالطهم ، ورأي أصحاب الحاجات منهم ، ثم تأمل في نفسه ، هل تقسو وتجمد ، فتشح وتبخل ؟ وحينئذٍ تكون الثرة والأنانية ، أو ترق وتلين فتجود وتعطى ؟ وحينئذٍ يكون الإيثار و التعاون ، وكذلك لا يمكنه أن يقف على ما في شخصيته من حلم وأناة ، أو حمق وعجلة ، إلا إذا خالط الناس وصادف طبقات من غير أولى الكياسة ، ونظر : هل يقابل خشونة ألسنتهم باللين ، وغلظة قلوبهم بالرفق ؟ وهنا يكون الحلم والأناة ، أو يقابلها بمثلها أو أشد ؟ وهنا يكون الحمق و العجلة .
وأيضاً لا يعرف الإنسان ما لديه من الشجاعة الأدبية أو الجبن و الخور إلا إذا لزم الجماعة ، ورأي من يخطئ ثم تبصر في نفسه :
هل يهون عليها أن تقول لهذا المخطئ : إن الصواب في غير ما نطقت ، والحق في غير ما رأيت ، و الخير في غير ما أتيت ؟ وهنالك تكون الشجاعة الأدبية ، أو يعز عليها أن تقول ذلك فتصمت وتخرس ؟ وهناك يكون الجبن و الخور .
وبالمثل لا يدرك الإنسان ما تنطوي عليه شخصيته من صدق وكذب ، من أمانة وخيانة ، من نظام أو فوضى ، إلا إذا عاش في وسط الجماعة ، وحدَّث أفرادها ، أو ائتمنوه على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، أو ضرب لهم موعداً ، أو أعطى من نفسه عهداً لهم ، ثم نظر :
هل يحدثهم بما يوافق الحقيقة و الواقع ؟ فيكون صدوقاً ، أو بما يخالفها فيكون كذوباً .
وهل يحافظ على دمائهم وأموالهم وأعراضهم فيكون أميناً ، أو يعتدي عليها ويهدرها ؟ فيكون خائناً .
وهل يحافظ على عهده ، ويفي بوعده ؟ فيكون دقيقاً منضبطاً منظماً أو يهمل ويخلف ؟ فيكون فوضوياً غير دقيق ولا منظم ولا منضبط .
كأن المسلم إذا عاش في عزلة أو منفرداً فإن شخصيته تبقى مجهولة لديه ، وذلك هو الخسران بعينه ، إذ ربما يفعل الشر ظاناً أنه الخير ، وربما يترك الخير ، معتقداً أنه الشر { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً } .
ولعل هذا الأثر هو المفهوم من قوله - صلى الله عليه وسلم - ( المؤمن مرآة المؤمن … )
ومن قول عمر - رضى الله عنه - :( أهديت إلينا عيوبنا )
أي أن الطريق التي يعرف بها المسلم أبعاد ومعالم شخصيته من كمال أو نقص ، قوة أو ضعف - فينمى نواحي الكمال و القوة ، ويستكمل ويقوى نواحي النقص و الضعف - إنما هي الجماعة ، وبغيرها يعيش المسلم في عماية وعلى غير هدى .
2- حرمانهم من المعين الذي يمكن أن يأخذ بأيديهم
ويساعدهم على إصلاح عيوبهم ، ذلك أن الإنسان قد يهدى إلى عيوبه ، لكنه قد يكون من ضعف الإرادة ، وخور العزيمة بحيث يعجز بمفرده عن إصلاح وتقويم هذه العيوب ، ولابد له من معين ، يعينه على نفسه ، وحين يختار العزلة أو التفرد يحرم هذا المعين ، ويبقى طوال حياته غارقاً في المعاصي و السيئات .
ولعل هذا الأثر هو المفهوم مما جاء :( المؤمن مرآة أخيه إذا رأي فيه عيباً أصلحه )
( من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً ، إن نسى ذكره ، وإن ذكر أعانه )
3- تعطيل بعض طاقاتهم وإمكاناتهم
الأمر الذي يجعلهم فريسة لإغواء الشيطان وإضلاله ، ووسوسته ، فضلاً عما يلحق شخصيتهم من الانفصام أو الخلل ، ذلك أن الإنسان - كما هو معلوم - مؤلف من جسد وعقل وروح ،أو بعبارة أخرى من مادة وروح ، و الروح مزود بطاقة من الغرائز تشبه الخيوط الدقيقة المتقابلة المتوازية ، كل غريزتين منهما متجاورتين في النفس ، وهما في الوقت ذاته مختلفتان في الاتجاه ، الخوف و الرجاء ، الحب و الكره ، الاتجاه إلى الواقع والاتجاه إلى الخيال ، الطاقة الحسية والطاقة المعنوية ، الإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بما لا تدركه الحواس ، حب الالتزام و الميول إلى التطوع ، الفردية و الجماعية ، السلبية والإيجابية ….الخ كلها غرائز متوازية ، ومتقابلة - كما ترى - وهي بتوازيها وتقابلها - تؤدى مهمتها في ربط الكائن البشرى بالحياة ، كأنما هي أوتاد متفرقة ، متقابلة تشد الكيان كله ، وتربطه من كل جانب يصلح للارتباط ، وهي في الوقت ذاته توسع أفقه وتفسح مجال حياته ، فلا ينحصر في نطاق واحد ، ولا في مستوى واحد ، بيد أن تحقيق التوازن و التكامل في حياة الإنسان مرهون بإعطاء كل غريزة من هذه الغرائز حقها ، دون زيادة أو نقص .
و الجماعة هي المجال الوحيد الذي يوظف سائر طاقات المسلم ويعمل كل الغرائز بدرجات متساوية ومتوازية في نفس الوقت ، فتتكون الشخصية السوية المتكاملة ، الخالية من أي انفصام أو اعوجاج و المحصنة ضد كيد الشيطان وإغوائه .
وإذا حدث أن ابتعد المسلم عن الجماعة وآثر حياة العزلة أو التفرد فإنه تتعطل - لا محالة - بعض طاقاته وإمكاناته ، وحينئذٍ يكون الخلل أو الانفصام في شخصيته ، فضلاً عن وجود الفراغ الذي يمكن أن يستغله شياطين الإنس و الجن في إغوائه وإضلاله ، ولعل هذا الثر هو ما لفت النبي - صلى الله عليه وسلم - النظر إليه بقوله :
( … فمن أحب منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد … )
4- قلة رصيدهم من الخبرات و التجارب التي تعينهم على مواجهة كل ما يعترض طريقهم من صعاب وعقبات :
ذلك أن العمل لدين الله طريق مليئة بالأشواك محفوفة بالمخاطر ، و المسلم الحصيف الذكي هو الذي تكون لديه الخبرة أو التجربة التي تمكنه من التغلب على هذه المخاطر ، و النجاة من تلك الأشواك .
وليس هناك مجال أرحب وأوسع - يكتسب فيه المسلم الخبرات ويتعلم التجارب - سوى العيش مع الناس ومخالطتهم .
وحين ينأى المسلم العامل بنفسه عن الجماعة ، ويرضى بالعزلة أو التفرد فإنه يحرم هذه الخيرات ، وتلك التجارب ، ويبقى طول حياته ضيق الأفق قاصر النظر ، لا يعرف كيف يواجه أبسط المشكلات ، فضلاً عن أمهاتها وعظائمها .
ولعل هذا الثر هو ما نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم :
(إنما مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك : إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة ، ونافخ الكير ، إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة ) .
5- سيطرة اليأس و القنوط على نفوسهم
الأمر الذي قد ينتهي بهم إلى الفتور ، ذلك أن المسلم العامل لدين الله - لاسيما في هذا العصر - يأتيه الشيطان بين الحين و الحين ويلقى عليه هذه التساؤلات :
ما المخرج وأعداء الله - في داخل الأمة الإسلامية وفي خارجها - كثير ؟ وهم الآن ممسكون بخناق العالم الإسلامي ، ولديهم خطط ماكرة وأساليب خبيثة ؟
ويستطيع المسلم المخالط للناس و العامل من خلال جماعة دفع هذه التساؤلات ، بأنه ليس وحيداً في هذا الميدان ، وإنما هناك آخرون سواه يسيرون في نفس الطريق ، وأولئك لهم من الأساليب والإمكانات ما يعينهم على مواجهة أعدائهم ، وإحباط مكائدهم ومخططاتهم .
أما إذا كان في عزلة أو يعمل وحده ، فإن هذه التساؤلات تظل تلح عليه وليس هناك ما يدفعها به ، حينئذٍ يدب اليأس في قلبه و القنوط إلى نفسه فيفتر وربما ترك العمل لدين الله .
6- قلة رصيدهم من الأجر و الثواب :
ذلك أن الذي يعيش مع الناس ويخالطهم يجد أمامه مجالات رحبة ، وميادين واسعة لتحصيل الأجر و الثواب ، فهناك مجالس العلم للإفادة أو الاستفادة ، وهناك عيادة المرضى وزيارة الإخوان تأكيداً لمودتهم أو تهنئة بنعمة ، أو تعزية على مصيبة ، وهناك إرشاد للناس وتوجيههم إلى الخير ، ومد يد المعونة على ما يسد حاجاتهم ، أو تقوى به شوكتهم …. وهكذا .
أما الذي يعيش منفرداً أو منعزلاً فإنه يحرم من هذه الميادين وتلك المجالات ، وبالتالي يقل رصيده من الأجر و الثواب .
7- عدم تمكنهم من إقامة دين الله في أنفسهم اليوم أو غداً :
ذلك أن الباطل لا يفتأ لحظة عن العمل بهدف أن تتحول الأرض إلى بؤرة من الشر و الفساد ، فلا يستطيع المسلم العامل أن يؤدى دوراً أو أن يقوم بواجب ، وما يمكن أن يتحقق للباطل مثل ذلك ، إلا إذا فرَّ أهل الحق من الميدان ، أو عملوا متفرقين ، و المعتزل واحد فرَّ من الميدان ، أو آثر أن يعمل وحده ، ومن كان كذلك فإنه سيضيق عليه حتماً اليوم أو غداً .
ولعل ذلك هو ما أشارت إليه تلك النصوص التي ذكرناها آنفاً في أسباب العزلة أو التفرد :
:{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض … } ، { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز }.
( مثل القائم على حدود الله و الواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً )
8- تعريضهم أنفسهم للإثم و الغضب الإلهي
- بسبب اعتزالهم الناس ومفارقتهم الجماعة ، وأنى للمسلم أن يطيق ذلك أو يتحمله ؟ ولعل هذا الأثر هو ما تفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم :
( من خرج من الطاعة ، وفارق الجماعة فمات ، مات ميتة جاهلية … )
تلكم أهم آثار العزلة أو التفرد على العاملين وهي في جملتها مستفادة من قوله صلى الله عليه وسلم :
( من فارق الجماعة شبراً ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه )
وكأنه يعنى بذلك أن من خرج عن الجماعة وفارقها في الأمر المجمع عليه .
فقد عرَّض نفسه للهلاك والضياع إذ لا يؤمن عليه حينئذ الوقوع في جميع الآثار المذكورة آنفا أو على الأقل في بعضها ، تماما كما يحدث للدابة إذا جعلت الربقة أو الطوق الذي يجعل في عنقها لئلا تشرد فإنه لا يؤمن عليها الهلاك والضياع .
*على العمل الإسلامي : أما آثارها على العمل الإسلامي فتدور حول :
(1) سهولة ضربه والقضاء عليه أو على الأقل إجهاضه
فلا يؤتى ثماره إلا بعد تكاليف كثيرة وزمن طويل نظرا لضعفه بسبب تفرق العاملين وعدم تضامنهم ولعل ذلك هو السر في حرص أعداء الله على أن يظل المسلمون منقسمين على أنفسهم تحت شعار : ( فرق تسد ).
ولعله السر أيضا في الأمر بالوحدة ونبذ الفرقة والتنازع :
{ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } .
{ وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } .
{ وتعاونوا على البر وتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } .
(2) الحرمان من العون أو المدد الإلهي :
ذلك أن العمل الإسلامي مهما تكن طاقاته وإمكاناته فهو بحاجة إلى عون وتأييد من الله عز وجل وقد وعد الله أنه لا يعطى هذا العون وذلك التأييد إلا إذ كان القائمون على العمل الإسلامي متضامنين متكاتفين ,
يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
(يد الله مع الجماعة )
ولئن ترتب على هذا الحرمان امتحان أو ابتلاء فإنه يكون رحمة وبركة على العاملين المتضامنين ونقمة وعذابا على القاعدين وكذلك على العاملين المتفرقين :
{ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعماله سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم } .
( إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم )59.