وفي الإيجابية احترام للنفس، وثقة بها، حتى لا يستهين المؤمن بنفسه، ويغرر به الشيطان أنه لا يصلح لأمر ما فيقعده عن العمل، أو يزهده عن الأداء، إذ قد يأتي الشيطان عن طريق إشعار الداعية بأنه لا أهمية له، أو يحدثه بأن العمل ضرب من الرياء، وأن الحديث فيه مظاهر الغرور، فيحبب له العزلة، ويزين له الانكماش، ويصور له العزلة ورعاً، والانكماش تعففا، وعدم الحديث تواضعاً، فيفوت عليه المصالح، ويسد عليه طرق الخير، وتذهب عنه الأوقات، وتهدر فيها الطاقات، وإذا ما عجز الشيطان عن ذلك، فإنه يريك الأولويات على الداعية، ويقوده لترك الأفضل وإتيان المفضول ، تحت نفس التبريرات، ووفق نفس الحجج، ولهذا كان من الضروري تفهم الداعية العلم الشرعي الذي يسد به منافذ الشيطان، ويغلق به أبواب إبليس، ومن أول العلم الثقة بالنفس، وتأييد الله تعالى.
ومن الثقة بالنفس معرفتها، والتوجه إلى المعالي دائمآ، والرنو نحو القمم السامقة ، أما رأيت لذلك الرجل الذي قيل له: عندي لك حويجة، فقال له: أطلب لها رجيلاً، فإنه يبحث عن القضايا التي يطلب لها الرجال، وهكذا يفعل أصحاب العزائم، حتى ولو كانوا من طلبة الدنيا، ولعل من هؤلاء يزيد بن المهلب الذي هرب من الحبس، فقيل في قصته أنه مر برهط من أهل البرية رعاة، فقال لغلامه: استسقنا منهم لبناً، فسقوه، فقال: أعطهم آلفاً، قال: إن هؤلاء لا يعرفونك، قال: لكني أعرف نفسي9
فانظر إلى مقدار معرفته بنفسه، وما أراد لها أن تنزل عن مقدارها، فكيف بهمم أهل الدين التي يجب أن تكون أعلى وأسمى، وهكذا كانت مطالب الصحابة _ رضوان الله عليهم _ فكل منهم كان في الموضع الأعلى من الرغبة في المعالي، فهذا ربيعة بن كعب الأسلمي أقصى أمانيه عندما سأله الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (أسألك مرافقتك في الجنة)، والإمام علي- رضي الله عنه_ يحدد غاية ما يشتاق إلى فعله (الضرب بالسيف، والصوم بالصيف، وإكرام الضيف)، وسيف الله المسلول الذي لا يريد أن تقر عيون الجبناء يقول:
(ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس، أنا لها محب، أحب إلي من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد، في سرية، أصبّح فيها العدو.)10