ومما يحقق الإيجابية عند الداعية: العلم، والعلم الصائب، دافع للعمل الصائب.. (إن العلم إمام العمل، وقائد له، والعمل تابع له و مؤتم به، فكل عمل لا يكون خلف العلم مقتدياً به فهو غير نافع لصاحبه، بل مضرة عليه، كما قال بعض السلف: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، والأعمال تتفاوت في القبول والرد بحسب موافقتها للعمل ومخالفتها له، فالعمل الموافق للعلم هو المقبول والمخالف له هو المردود، فالعلم هو الميزان، وهو المحك...)14
فالعلم الفاسد قد يقود إلى العمل الفاسد، والعلم الصالح يذكر الداعية باستمرار، بماهية الحياة وطبيعة التكليف، وعاقبة الإنسان، كما أنه يذكره بالآخرة، وما أعد الله لعباده من الثواب والعقاب، ويحرك مشاعره الخيّرة نحو السمو، ويزيد همته نحو الفضيلة، ويكون له من زاد العلم ما ينبهه من عاقبة الكسل ومغبة الفتور، فيدفعه إلى العمل المثمر، والعلم يذكر بمصارع الأقوام، ومهلك الظالمين، والعاقبة التي كانت للمصلحين، فيستزيد من الخير، ويندفعا نحو العمل، وبالعلم تصفو النفوس، ويذهب كدر المعاصي، كما شبهه الله تعالى بالأودية التي تذهب بالزبد، وتجعله جفاء، وتشبيه القرآن الكريم للعلم النافع بالماء الجاري دليل على روعة العلم المتحرك وأثره في الحياة والنفوس، كأثر الماء المتحرك في إزالة العوائق، واكتساح الشوائب
لذا... فلابد للعلم من أن يكون متحركاً في قلب الداعية، يدفعه للعمل حتى تصفو القلوب، ويذهب الكدر، كما وصفه تعالى:
"فسالت أودية بقدرها، فاحتمل السيل زبداً رابياً "
(وهذا مثل ضربه الله تعالى للعلم حين تخالط بشاشته القلوب، فإنه يستخرج منها زبد الشبهات الباطلة فيطفو على وجه القلب، كما يستخرج السيل من الوادي زبداً يعلو فوق الماء، وأخبر سبحانه وتعالى أنه رابö يطفو ويعلو على الماء لا يستقر في أرض الوادي زبداً، كذلك الشبهات الباطلة إذا أخرجها العلم ربت فوق القلوب، وطفت، فلا تستقر فيه، بل تجفى وترمى فيستقر في الوادي الماء الصافي، ويذهب الزبد جفاء، وما يعقل عن الله أمثاله إلا العالمون )15