ويأتي بعد ذلك كله، عامل مهم يكتسب أهمية بالغة في الزمن المعاصر، لتشعب مطالب الحياة، ولتأثير بعضها ببعض، بل وأصبح التأثير حاداً بسبب سهولة الاتصال، وكثرة السفر، وسهولة المواصلات، ذلك العامل هو الإبداع الذاتي، بالاستفادة من التخصص المهني، والأخذ منه كبعد دعوي، أو استحداث الداعية تخصصاً حياتياً لنفسه، يجتهد فيه حسب استعداداته، وكفاياته ومقدرته، فإن إيجاد مثل هذا التخصص، أو تحويل مجرى التخصص إلى ما ينفع الدعوة، يفجر الإبداع عند الداعية، ويدفعه إلى المزيد من العمل الإيجابي، ويصعد عنده الهمة، فيجعل وقته مثمراً، وحياته دافقة.
ولو عدنا إلى ما استدل به من إيجابية الهدهد، لشوهد أنه يمكن أن يؤخذ من القصة، تميزه بشيء من الإبداع، إذ كانت له معرفة بالماء تحت الأرض، فكان بعض المفاهيم الدعوية بما يدركه فنوّه بقدرته تعالى بإخراج الخبء في السموات والأرض، ولذا كان لابد لكل داعية، أن ينظر بنور الله تعالى، حتى يظهر الفن والعلم والإبداع في منطقه وروائه، ويكون في خدمة الدعوة، وثمرته تصب في مجال الحركة، بل إن القدرة العلمية والفنية تنعكس في الأداء الدعوي، ففي المجال الأول، استنبط الزمخشري نفس المعنى من قصة الهدهد، فقال:
(... وفي إخراج الخبء أمارة على أنه من كلام الهدهد، لهندسته، ومعرفته الماء تحت الأرض، وذلك بالهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض- جلت قدرته، ولطف علمه- ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم، في روائه ومنطقه وشمائله،فما عمل آدمي عملاً إلا ألقى الله عليه رداء عمله...)16
وفي المعنى الثاني، قال ابن القيم _ رحمه الله _ شارحاً للآية الكريمة:
(... والنبأ هو الخبر الذي له شأن، والنفوس متطلعة إلى معرفته، ثم وصفه بأنه نبأ يقين، لاشك فيه ولا ريب، فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ، إستفرغت قلب المخبر، لتلقي الخبر، وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه، ومعرفته، وهذا نوع من براعة الاستهلال، وخطاب التهييج، ثم الكشف عن حقيقة الخبر كشفاً مؤكداً بأدلة التوكيد...)17
والله سبحانه وتعالى قص أحسن القصص للاعتبار، وللقياس عليها، وفي هذه القصة نعم العبرة، وأفضل الاستدلال للدعاة، كي يضعوا فن التخصص، وموهبة العلم، في خدمة الدعوة، وصلاح النفوس، ولقد تكفل كتاب الراشد (صناعة الحياة) بتوضيح المعنى للدعاة.