فأما الشاعر : فيشير إشارة عامة إلى تِفسير مثِل هذه الظاهرة ، ويِقول :
وكل امرئٍ - والله بالناس عالم - **** له عادة قامت عليها شمائله
تِعوّدها فِيمِا مضى مِن شِبابه **** كِذلك يِدعو كِل أمِر أوائِله
والشاهِد فيه : الشطِر الأخير ، فكِل أمِر تغِلب عليه الصفِة التي بدأ بها .
ولكن أساتذة التربية الأوائل قربوا أدنى من الشاعر ، فاتضح وانكشف لنا مذهبهم ، بما فصّلوا وعينوا من معنى أوائل الأمور .
منهم من صاغ ذلك في حروف قليلة شاملة ، فقال : " الفترة بعد المجاهدة : من فساد الابتداء " .
ويريد بالفترة : الفتور .
فهِو الابتداء إذن ، أي الخطوات الأولى للداعية المسلم في طريق الدعوة الموصل إلى الله ، تِكون صحيحة ، فيرتِقي بلا فتور ونكوص ، وإن فتِر فبِمِقِدار لا يتعدى أدنى ما أثِر من سنِّة النبي صلى الله عليه وسلم . وتِكون معيبة هذه الخطوات ، فيفتِر و ينكص عن الارتِقاء .
ولكن من أين يعترض الداعية الفتور إذا دفعه مربّوه بِقوة أول مرة ؟
و كيف لا يتسارع في يومه وغده سير من قطع به أمسه مرحلة نحو غايته ؟
و من أيقن أنه يتبع رسولاً من أولي العزم ، صلى الله عليه وسلم ، فكيف لا يستمد من عزمه ؟
فهي الخطوات الأولى إذن : من جعلناها له متِقنة : ثبتت بعد ذلك قدمه ، بما يشاء الله ، ومن تركناه يضطرب فقِد أعطينا لشيطانه المقص يقطع به حبل ما بيننا و بينه ، يتربص لذلك غِفِلة .
فإن لم يحصل الشيطان على المقِص ، وفاتته المفاجأة ، فإنه يقنع بأن يمسك طرف الحبل يفلّ خيوطه بتدريج ، ويلقي في نفس من اعوجت بدايته الدعاوي ، ويريه قليل خيره وعمله كثيراً ، حتى يستولي عليه الغرور والتطاول ، فيرتكس هالكاً .
وهذه العقدة الثانية للشيطان أبصرها آخر من الصالحين ، ووصفها يحذرنا ، فقال : " إنما تتولد الدعاوي من فساد الابتداء ، فمن صحت بدايتِه : صحت نهايته ، ومن فسدت بدايته : فربما هلك " .
بل يهلك في الأغلب ، فإن مبني البداية على التجرد ، فإذا حرم من صفائه في الأول فإن بنيانه يظل مهتِزاً مهما شمخ عالياً ، بل الخطر كل الخطر عليه في الحقيقة إذا شمخ ، فإنه يسرع إلى التمايل عند كل نداء ببدعة أو دعوة لمغنم ، لأن من شأن الشيطان أن يزين البدعة و يجملها ، و أن من شأنه أن يستغل وقت الحاجة ليغري ، ولئن تردد هذا الرجل الصالح فذكر مجرد الاحتمال و استعمل كلمة ( ربما ) ، ولئن تردنا فاقتصرنا على ( الأغلب ) ، فإن ثالثاً قد جزم بذلك فقال : " من لم يصح في مبادئ إرادته : لا يَسلم في منتهى عاقبتِه " .
وما هو بنسيان منه لمشيئة الله تهدي و تِثبت من يختار ، ولكنه يتحدث عن تجربتِه في التربية ، ويقدم تِقريره عن نتائج تِفتيشه واستِقِراء أحوال من عرفهم .
وهكذا تِكون عنايتِنا بالابتداء خطاً بارزاً ظاهراً في فنّناً التربوي الحركي .