وطفق المربون بعد أحمد والحسن الجروي يمارسون طريقتين في التربية : فمن حاز مرتبة أحمد وزهده و ورعه و حياة قلبه : قِلِِّده في سكوته ، وترك حاله تخبر الأبصار .
ومن لم يحز مثل سمو أحمد ، ولبث دون ذلك : سلك طريِقة الاعتراف ، فيستِفِزُّ الأسماع ، كما استِفزها الخليفة العباسي الراضي بالله ، لما جمع ببغداد الغافلين ، وحاول من بعد المتوكل أن يتِشبه بعلي وعمر بن عبدالعزيز و يِقِلد طريقتهما ، فراح ينشد لهم من نظمه :
كل صفِو إلى كَدَر **** كل أمنٍ إلى حَذر
ومصير الشباب للموت **** فيه أو الكَبöر
أيها الآمل الذي**** تاه في لُجّة الغَرَر
أين من كان قبلنا **** دَرَسَ الشخصُ والأثر
سيردُ المعارَ من **** عمرُه كله خَطر
ربّ أني ذخرت عندك **** أرجوك مُدّخر
إنني مؤمن بما **** بين الوحي في السوَر
و اعترافي بترك نفعي **** وإيثاري الضَرر
رب فاغفر لي الخطيئة **** يا خَيرَ من غَِفَِر
أو كما استِفزها بالأندلس آخر ، حين راح يعترف :
إلى كم أقول ولا أفعلُ **** و كم ذا أحوم ولا أنزöلُ
وأزجر عيني فلا ترعوي **** وأنصح نِفسي فلا تَِقبلُ
و كم ذا تعلّل لي ، ويحَها **** بöعَلَّ وسوف وكم تمطل ؟
وكم ذا أُؤمل طول البقا **** وأغفل والموت لا يغفلُ ؟
و في كل يوم يُنادي بنا **** منادي الرحيل : ألا فارحلوا
كأن بي وشيكاً إلى مصرعي **** يُساق بنعشي ولا أُمهِلُ 126