هو في اللغة أن يظهر الإنسان غير ما يسر ويبطن ويقال له منافق تشبيها لليربوع إذ يجعل له جحرا يقال له النفقاء وآخر يقال له القاصعاء وذلك بأن يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب فإذا أرابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج فظاهر جحره تراب وباطنه حفر. ولما كان المنافق يظهر خلاف ما يبطن: فقد سمى منافقا.
وهو في الدين أيضا بذات المعنى أي أن يظهر المرء بلسانه شيء من الدين خلاف ما يسر ويبطن والنفاق في الدين قد يكون مخرجا من الملة وكفرا، وقد يكون دون ذلك، وما يخرج من الملة: أن يجحد الإنسان بقلبه شيئا مما افترض الله تعالى الإيمان به. وان أظهر لسانه الإقرار بالإيمان به. قال تعالى: 'ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون' فنفى الله الإيمان عن المنافقين بقوله تعالى: 'وما هم بمؤمنين' وحكم ان القول باللسان دون العقد بالقلب بما افترض الله تعالى الإيمان به هو كذب. وقال تعالى: 'ان المنافقين في الدرك الأسفل من النار' وقال تعالى: 'إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون' وهذا هو حكم هذا النوع من النفاق عند الله تعالى. أما فيما بيننا نحن البشر وفي أحكام هذه الدنيا فان المنافق لا يسمى منافقا إلا إذا أظهر ما يبطنه من الكفر، وإذ هو يظهر الإسلام والإيمان فهو في ظاهره لنا مسلم مؤمن يجب علينا أن نعامله بهذه الصفة وأن نجري عليه أحكام المسلمين. ولقد أوردت آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة صفات النفاق والمنافقين ليعرف كل شخص حقيقة أمره وحقيقة صفته عند الله تعالى. وقد نلاحظ نحن البشر تلك الصفات أو بعضها بآخرين ولكن ذلك لا يعدو أن يكون ظنا لا يترتب عليه أحكام، ولا ينبني عليه القطع بكفر من لوحظت بعض تلك الصفات به وان وجب الحذر منه ومجاهدته باللسان بنصحه بالإقلاع عن تلك الصفات المذمومة. قال الطبري: 'وجعل الله الأحكام بين عباده على الظاهر وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه. فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لأحد لكان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى.
أما النفاق الذي هو دون الكفر:
فهو أن يبطن المرء غير ما يظهر في بعض الأمور المنهي عنها شرعا والمعتبرة معاص. من ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: 'ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا. إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وان صام وصلى وزعم أنه مسلم' وقوله عليه الصلاة والسلام: 'أربع من كن فيه كان منافقا خالصا من كانت فيه خلة منهن، كانت فيه خلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر' فلما كان فاعل إحدى هذه الخصال المذمومة يسر خلاف ما يظهر ويقول ما لا يفعل كان فعله في ذلك نفاقا مذموما وعصيانا لا يخرج عن الإسلام. وبرهان ذلك أن المرتد عن الإسلام إلى الكفر حكمه القتل وهؤلاء المذكورين من المخاصم الفاجر، والواعد المخلف، والمعاهد الغادر، والمؤتمن الخائن، والكذاب في حديثه. المذكورين لا قتل عليهم، لأنه لا نص في قتلهم، ولا قال به أحد من الفقهاء، فضلا عن أن يكون فيه إجماع.
والمنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان والإسلام إنما يخدع نفسه في الحقيقة. ومن كلام حكماء العرب: من خدع من لا يخدع فإنما خدع نفسه – وهو بنفاقه لم يعرف الله عز وجل، إذ لو عرفه سبحانه لعلم أن الله يعلم ما يسره. وإنه تعالى لا يخدعه أحد. ومن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: 'لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله، ونفسه يخدع لو يشعر' قالوا يا رسول الله. وكيف يخادع الله؟ قال: تعمل ما أمرك الله به وتطلب به غيره'.