وكان للإسماعيلية وحي عجيب، فهذا المعسكر الإنجليزي في غربها ببأسه وسلطانه وهيلمته وهيلمانه، يبعث في نفس كل وطني غيور. الأسى والأسف، ويدفعه دفعا إلى مراجعة هذا الاحتلال البغيض، وما جر على مصر من نكبات جسام، وما أضاع عليها من فرص مادية وأدبية، وكيف كان الحاجز الوحيد دون نهوضها ورقيها والمانع الأول من وحدة العرب واجتماع كلمة المسلمين طوال ستين سنة.
وهذا المكتب الأنيق الفخم، مكتب إدارة شركة قناة السويس في بهائه وروعته وسلطانه وسطوته، واستخدامه للمصريين ومعاملته إياهم معاملة الأتباع المضطهدين، وإكرامه للأجانب ورفعه إياهم إلى مرتبة السادة والحاكمين، واسئثار هذا المكتب بالإشراف التام على كل المرافق العامة، فالنور والمياه، والنظافة، وكل ما هو من شأن المجالس البلدية تقوم عليه الشركة، حتى الطرق والمداخل التي توصل إلى الإسماعيلية البلد المصري الصميم كلها في يد الشركة، فلا دخول إلا بإذنها ولا خروج إلا بموافقتها.
وهذه المنازل الفخمة المنتشرة في حي الإفرنج بأكمله، ويسكنها موظفو الشركة الأجانب، وتقابلها مساكن العمال العرب في ضآلتها وصغر شأنها والشوارع الأنيقة في حي العرب كلها تحمل لوحات لم تكتب إلا بلغة هذا الاحتلال الاقتصادي الجاثم على صدورها، حتى شارع المسجد كان مكتوبا هكذا... ذلك إلى تخليد الأسماء الأجنبية على هذه اللوحات” نجرللي”، “لبير”،” أوجيني”، إلخ..
كل هذه المعاني والخواطر، كانت تتفاعل وتعمل عملها في النفس، بخاصة إذا خلا المتأمل فيها بنفسه، بين خمائل الإسماعيلية، وحدائقها الغناء، أو في شاطىء بحيرة التمساح الجميلة، أو في جوف الغابات الصناعية على حافة الصحراء.
لقد أوحت الإسماعيلية بالكثير من المعاني، التي كان لها أثر كبير في تكييف الدعوة والداعية.