كانت الثورة المصرية سنة 1919 م. وكنت إذ ذاك تلميذا بالإعدادية بالمحمودية في سن الثالثة عشرة. ولا زالت تتراءى أمام عيني مناظر المظاهرات،الجامعة والإضراب الشامل الذي كان ينتظم البلد كله من أوله إلى آخره، ومنظر أعيان البلد ووجهائه وهم تقدمون المظاهرات ويحملون أعلامها ويتنافسون في ذلك. ولا زلت أحفظ تلك الأناشيد العذبة التي كان يرددها المتظاهرون في قوة وحماس:
حب الأوطان من الإيمان وروح الله تنادينِِِا
إن لم يجمعنا الاستقلال ففي الفردوس تلاقينِا
ولا زلت أذكر منظر بعض الجنود الإنجليز، وقد هبطوا القرية، وعسكروا في كثير من نواحيها، واحتك بعضهم ببعض الأهالي، فأخذ يعدو خلفه بحزامه الجلدي.. حتى انفرد الوطني بالإنجليزي فأوسعه ضرباً ورده على أعقابه خاسئا وهو حسير. ولا زلت أذكر الحرس الأهلي الذي أقامه أهل القرية من أنفسهم وأخذوا يتناوبون الحراسة ليالي متعددة حتى لا يقتحم الجنود البريطانيون المنازل ويهتكوا حرمات الناس.
وكان حظنا من هذا كله كطلاب أن نضرب في بعض الأحيان، وأن نشترك في هذه المظاهرات، وأن نصغي إلى أحاديث الناس حول قضية الوطن وظروفها وتطوراتها.