وبعد الانتقال إلى مدرسة المعلمين كانت حركة الثورة قد هدأت قليلاً ولكن بقيت الذكريات تتجدد فتجددت معها الإضرابات والمظاهرات والاشتباك مع البوليس. وكذلك كان شأننا في دمنهور، وكانت التبعات تقع أول ما تقع على الظاهرين من الطلاب والمتقدمين منهم كنت رغم اشتغالي بالتصوف والتعبد أعتقد أن الخدمة. الوطنية جهاد مفروض لا مناص منه. فكنت بحسب هذه العقيدة وبحسب وضعي بين الطلاب إذ كنت متقدما فيهم - ملزما بأن أقوم بدور بارز في هذه لحركات وكذلك كان.
ولست أنسى أستاذنا الشيخ الدسوقي موسى ناظر المدرسة، الذي كان يخشى هذه التبعات كثيرا، وتد أخذ بيدنا إلى مدير البحيرة حينذاك - محمود باشا عبد الرازق - وألقى مسئولية إضراب الغير علينا وقال: إن هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يقنعوا الطلاب بالعدول. عن إضرابهم. وعبثا حاول محمود باشا أن يقنعنا بالوعد أو بالوعيد أو بالنصح، ثم صرفنا على أن نتدبر الأمر. فكان تدبيرنا أن أوعزنا إلى الطلاب جميعا بالتفرق في الحقول المجاورة طول اليوم - وكان يوم 18 ديسمبر ذكرى الحماية البريطانية - وذهبنا نحن إلى المدرسة، وسلمنا أنفسنا لإدارتها، وانتظرت.. وانتظرنا من يجيء ولا من مجيب، فانصرفنا بعد فترة، وتم الإضراب وانتهي اليوم بسلام.
ولست أنسى يوم أضرب الطلاب في يوم من الأيام الثائرة، واجتمعت اللجنة في سكننا في منزل الحاجة خضرة شعيرة بدمنهور، وداهم البوليس المجتمعين واقتحم البيت يسأل عنهم، فكان جوابها: أنهم خرجوا منذ الصباح الباكر ولم يعودوا وأنها مشغولة كما رآها” بتنقية البقلة” ولكن هذا الجواب غير الصادق لم يرقني فخرجت إلى الضابط السائل وصارحته بالأمر - وكان موقف الحاجة خضرة حرجاً للغاية - وناقشته بحماس وقلت له: إن واجبه الوطني يفرض عليه أن يكون معنا، لا أن يعطل عملنا، ويقبض علينا، ولا أدري كيف كانت النتيجة أنه استجاب لهذا القول فعلاً، فخرج وصرف عساكره وانصرف معهم بط أن طمأننا، ورجعت إلى الزملاء المختبئين وأنا أقول لهم هذه بركة الصدق، ولا بد أن نكون صادقين ونتحمل تبعة عملنا، ولا لزوم للكذب أبدا مهما كانت الأحوال.