ولقد حضر على ماهر باشا ومعه عبد الرحمن عزام باشا مؤتمر فلسطين في لندن، فودعها الإخوان أحر وداع، وبعد حضوره ذهب وفد من الإخوان إلى المحطة لاستقباله وعلى رأسه الأستاذ أحمد السكري فهتف بحياته وأمر الإخوان أن يهتفوا بحياته كذلك، فهتف بعضهم وامتنع الآخرون، وعادوا ثائرين ورشوا إلى احتجاجا عنيفا وذكروا فيه أن الإخوان ليسوا هتافين، وأنهم لم يهتفوا لأشخاص وإنما يذكرون الله وحده ويهتفون لجهاد وأعمال، فطيبت خاطرهم بأن هذه تحية المسافر وأننا لا نحيي شخصاً ولكن نحيي عمله لفلسطين، فاحتسبوها عند الله في سبيل فلسطين العربية.
وقد قررت الحكومة إعانة لمنكوبي فلسطين وانتهت الواقعة، وكتبت إلى رئيس الحكومة بهذا الخطاب:
حضرة صاحب المقام الرفيع على ماهر باشا رئيس الحكومة المصرية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
ففد قرأنا اليوم نبأ الإعانة التي قررتها الحكومة المصرية للأسر الفلسطينية المجاهدة، فشكرنا للحكومة أن تنبهت لهذا الواجب الذي تأخر به الزمن لديها كثيرا، وقد كان من الحق على حكومة مصر - وهي التي تقدمت بالإعانات في
كثير من المناسبات إلى شعوب وجماعات لا تربطها بها أضعف الوشائج التي تربطها بعرب فلسطين - أن تكون في مقدمة من يمد يد المساعدة للمجاهدين وعلى كل حال فهدا العمل من الحكومة المصرية لا يقابل بغير الشكر، فجزى الله العاملين خيراً.
وحبذا لو أسرعت الحكومة بإرسال المقرر وخصصت ما وعدت به من إمداد أسر الإخوان المجاهدين بالأقوات والملابس، وأضافت ذلك العطف الأدنى على أبنائها بقبولهم في المدارس والمعاهد المصرية بالمجان متى ثبت لها أن عائليهم قد استشهدوا في سبيل الله والوطن الإسلامي المحبوب.
وننتهز هذه الفرصة فنلفت نظهر الحكومة المصرية إلى أمرين مهمين:
أولهما: أن تقرير الإعانة ليس أهم في الحقيقة من الإشراف على توزيعها توزيعاً يكفل وصولها إلى المستحقين لها من أبناء المجاهدين، وضماناًَ لذلك يجب أن يكون هذا التوزيع بمعرفة الهيئات العربية الصميمة كاللجنة العربية العليا أو لجنة السيدات العربيات مثلاً، وأن يكون بعيداً كل البعد عن تدخل الحكومة الفلسطينية وأيدي الخوارج ومطايا الاستعمار، حتى لا يفوت الغرض المقصود وتتسرب الإعانة إلى يد من لا يستحقها.
وثانياً: أن هذا المسمى الإنساني المشكور ليس هو كل شيء في القضية العربية فإن الفلسطينيين والأمجاد ضحوا بالأموال والأرواح في سبيل غاية سليمة معلومة هي أن يصلوا إلى استقلالهم وحريتهم، وأن ينقذوا وطنهم من خطر الطغيان اليهودي الصهيوني. وقد شاركهم المسلمون والعرب في كل أقطار الدنيا هذا الشعور وأيدوهم فيه، وكان للحكومة المصرية، وكان لرفعتكم بالذات نصيب في الجهاد المبرور.
وعلى هذا فالمسعى السياسي لحل قضية فلسطين أهم بكثير من هذا المسعى السياسي على جلاله ورحمته، ولعل الظروف الحالية هي أنسب الظروف لإعادة النظر في هذه القضية. وليس عليكم يا رفعة الرئيس إلى أن تكاشفوا الساسة البريطانيين بوضوح وجلاء بحقيقة الموقف، وتطلبوا إليهم حل القضية الفلسطينية على هذه القواعد.
1- إيقاف الهجرة اليهودية القانونية إيقافاً تاماً، وأخذ المهربين بأقصى الشدة حتى تظل الغالبية في فلسطين عربية.
2 - العفو الشامل عن كل المعتقلين والمبعدين والمجاهدين، والسماح بالعودة للمهاجرين. وفي مقدمتهم سماحة زعيم فلسطين المفتي الحاج محمد أمين الحسيني، وإن أي مهاجر لا يرض أن يعود إلى الوطن إلا إذا أعلى هذا الحق لسماحة المفتي.
3 - إظهار عطف الحكومة الفلسطينية على أسر المهاجرين بمنحهم الإعانات والتسهيلات التي تعوض عليهم بعض ما فقدوا من أرواح وأموال، وتضمن لهم الراحة في معيشتهم وظروف حياتهم.
4- اعتراف الحكومة البريطانية باستقلال فلسطين عربية مسلمة، والتعاقد معها تعاقداً شريفاً على نحو ما حدث في مصر والعراق مثلا.
ونحن نعتقد أنكم بذلك تقدمون لبريطانيا خدمة جليلة بقدر ما تخدمون عرب فلسطين. فالفائدة للطرفين معا. ونعتقد كذلك أنكم إذا جليتم للساسة البريطانيين حقيقة شعور الشعب المصري وهو بلا شك صورة من شعور غيره من الشعوب الإسلامية، وأقنعتموهم بأن بريطانيا حين تفعل هذا تقر إلى أبعد حد بالتأييد القلبي والعملي من الشعوب الإسلامية والعربية كلها، وتسد الباب على الطاعنين عليها، وتقدم بذلك دليلا على أنها تقدر العدالة والإنصاف - كان ذلك سببا للعمل من جديد على إنصاف فلسطين الباسلة والاعتراف بحقوقها كاملة. وفقكم الله للخير ويسره على يديكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حسن البنا
المرشد العام للإخوان المسلمين
انتهت مذكرات الدعوة والداعية فحمداً له وشكراً على ما وفقنا إليه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين