ولعل من أهم موازين العلاج: إدراكنا تعلق المسألة النفسية ببقايا الفطرة في كل شخص كمثل تعلقها بالإيمان المكتسب، وهذا المعنى مستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم : (الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) . فالذي لا يسعفه أساس فطري متين لا يرقى به إيمان مستحدث لأكثر من الدرجات الدنيا، ويبقى العلو صعبا عليه، وقد تكون الفطرة في شخص ما متلاشية ليس لها بقايا، وهي في الأنبياء أوفر ما تكون، باقية بتمامها، ويشير إلى ذلك قول جبريل عليه السلام: " أخذت الفطرة "، لما مد النبي صلى الله عليه وسلم يده إلى اللبن في المعراج وترك الخمر (1)، وما بين الأنبياء وأصحاب الفطر المتلاشية درجات لا حصر لها .
ومن الموازين أيضا: اعتقاد وجود عنصر مؤثر ثالث غير الإيمان والفطرة، وهي المنح الربانية المحضة لمن يحسن إيمانه، مثل الإلهام، وصدق الرؤيا، وصحة الفراسة، والمحبة أو المهابة التي تلقى في قلوب الناس لمؤمن ما، وأنواع أخرى من الكرامات المعنوية، وهي من فروع الإيمان وثمراته بلا شك، لكنها فرع مستقل مكافئ، وهذا الاستقلال آت من أن حصولها لا ينضبط زمانا أو كمية وفق القوانين الحياتية الظاهرة المحسوسة التي يمكن أن تعرف بالقياس والمشاهدة والاستدلال وحتمية الارتباط بين المقدمة والنتيجة، وأمثال ذلك، وإنما تحصل بفضل بحت من الله تعالى، وصحيح أنها إنما تمنح لأهل الإيمان العالي، لكن هذه القاعدة لا تخضع لقياس، لأن الإيمان سر، ولا يدري حتى المؤمن نفسه في أي أجزاء الإيمان وأخلاقه تكمن الأهمية، لأنها متعلقة بالظروف المحيطة وبالأشخاص المقابلين الذين يتعامل معهم المؤمن، وقد تكون كلمة معروف في آن تجاه شخص، أو حكم بعدل : أفضل من عبادة طويلة، مثلا ، وكذلك ستر مؤمنة بل أنثى ولو كافرة، ويشهد لهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم للكلمة التي تدخل قائلها الجنة أنه (لا يأبه لها)، وتتوالى ظنون الخير في أفعال الناس - بله المؤمنين - حتى ليغفر لمومس تسقي كلبا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك من فضل الله عز وجل، ليس عليه بواجب كما توهم بعض المبتدعة، بل إن شاء.
ومن الموازين أيضا: أن (خلطة) الصفات هذه لا تكون اكتيالا لكل ما هو محمود منها، جزافا دون اختيار ومقدار، وإنما يجب أن يحل التناسب بينها إن لم يكن التكافؤ والانتقاء، فإن في القلب قناة وحيزا لكل صفة فاضلة، لو فرغ منها وملأته صفة أخرى تضاعف حيزها ومكانها لحصل طغيان في تلك الصفة زائد عن حد الاعتدال، فيخرج المرء إلى تطرف، ففي القلب مثلا أماكن للشجاعة والكرم والصبر والحلم، فما من مبالغ في صفة من هذه الصفات إلا كانت مبالغته على حساب الصفات الأخرى، ناحتة منها، وقد أشار الإمام الغزالي إلى قريب من هذا المعنى، وقد يكون هذا هو سر لغز انهيار بعض المبالغين في الحماسة والمناوشة والتحدي وحب الصدام عند المحن والفتن، لأن صفاتهم هذه نحتت من صبرهم وأزاحته وسكنت مكانه، واختل التوازن الكمي في خلطة صفاتهم، والله أعلم .. وقد قلت هذا بين يدي الأستاذ صلاح شادي رحمه الله مفسرا له ظاهرة سرعة انهيار دعاة الصدام في المحن، فاستحسنه مني .
ومن الموازين أيضا: أن هذه الحياة لا تؤثر فيها الصفات النفسية الإيجابية فقط، بل يؤثر فيها السلب أيضا، بقدرة الله تعالى، فالمظلوم المتحرق، والحزين المنكسر، والملهوف المشتاق، والتائه التواق، كل أولئك في تعطل وانعزال وانسحاب وسكون وتسليم، لا يقدرون في أكثر الأحيان على شيء من المدافعة واتخاذ الأسباب، فإذا فوضوا أمرهم إلى الله تعالى: انتصر لهم بلا فعل منهم غير المعنى الذي تفور به قلوبهم، حتى الكافر ينتصر الله له من ظالمه.