هذا مقصد في تبرئة الفاترين والذين ابتلوا بأمراض اخرى، ومقصد آخر أردناه: أن الملامة لا تحرك متكاسلا، ولا تشفي مريضا، وأنه لا بد من التحول إلى التفتيش عن الأسباب الخفية ومعرفة الثغرة التي ولج منها الألم فأقعد، أو تسللت منها اللذة فأذهلت.
ومقصد ثالث قصدناه: أن بعض الفتور غير نفسي، وإنما تتهم في تسببه خطط التشغيل، وهذا مبحث تستوفيه الآراء المطروحة حول عوامل الجدية الجماعية، وفي ذلك إشارة إلى أن قضية الفتور لا يستوعبها نظر واحد من زاوية واحدة، بل يجب النظر إليها من زوايا كثيرة، وزاوية النظر هاهنا في هذا الكلام هي الزاوية النفسية.
لكن كل هذا النضال عن القوم الذين ظلموا ففتروا فتوهم العاملون ضعفهم وتسيبهم لا ينفي وجود أفراد في الصف ألهتهم عن الجد أمراض القلب، وركن بهم حب الدنيا عن نجدة إخوانهم المسلمين، ولو أنكرنا وجود هؤلاء لوقعنا في المبالغة المذمومة والمغالطة المفضوحة، لكنهم العدد الأقل، ويبقى ميزان التفتيش عن خلفياتهم النفسية صحيحا أيضا وضروريا للكشف عن أسباب فتورهم، فمنهم من تجده حسن التوجه ويفهم الدعوة، لكن قلبه ما زالت تعكره بقية من حسد يشغله عن العمل الصالح إذا ربح قرين له ربحا تجاريا أو نال مركزا مرموقا. ومنهم من يعشق الرئاسة والصدارة، فيظل ساخطا إذ أبعد عنها، فيصرفه سخطه عن التصدي لإرشاد الناس، وكل خلق آخر مذموم يمكن أن يؤدي إلى شكل من أشكال الحياة السلبية، وهؤلاء الرهط تنفع معهم الموعظة، فتكون بالإيماء، وإلا فبالصراحة وإلا فبالخشونة والتقريع، ولن ينفك مخلص عن اتعاظ إذا كان معدنه صافيا ولم يزد ذهوله عن أن يكون غفلة اعترت، وذو الشوائب يبتئس ويتعالى على النصحية، فينتكس، وليس الصف عليه بحريص، ونتأول لأنفسنا أنها تجربة تجميع معرضة للخطأ والصواب، أصابت كثيرا، والبركة فيمن ثبت وتواضع وانشرح قلبه لوجود ناصح له، وأخطأت قليلا، وسلوتنا أن السيرة المطهرة لم تبرأ من ظاهرة المخلفين.
كل هذه الموازين سهلة الاكتشاف والتطبيق إذا كانت الأخلاق المستولية على الشخص المدروس من الأخلاق المشهورة والصفات الواضحة الرئيسة، محمودة كانت أم سيئة، لكننا نكون أحيانا إزاء حالة مشكلة إذا كانت الصفات المسببة من الصفات الخفية.
من أمثال ذلك: ضيق الداعية ذرعا بمن يخالفه في الرأي، وعدم استيعابه له: هو من الأخلاق الخفية، وسبب عزوف المخالفين عن العمل.
وكذلك: قسوة الأمير على أعوانه، وفهمه وجوب الطاعة بشكل يابس، هو من خفي الأخلاق، وتسبب النفور الذي هو أبعد من الفتور، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رحيما، والرحمة وخفض الجناح تليق لكل أمير.
كذلك يحل بالأتباع إزاء هذين الخلقين ما هو مثيل لهما في السوء، فبمقابل ضيق الداعية برأي المخالفين يكون إلحاح التابع، وطول نفسه في الجدل والاعتراض حتى لكأنه يتنطع. وبمقابل قسوة الأمير يكون إسراف المقود في التفلت وعدم الاكتراث بالنصيحة وكثرة استنباط الأعذار وطول التشكي، وما إلى ذلك .. وإنما أردنا من هذين المثالين وعكسهما الإشارة إلى أن نقص النفس المؤدي إلى الفتور يكون في الطرفين، وليست الإمارة شهادة عصمة، ولا الانقياد مبرر تدلل واتكال.