... ولكن الاسلام حين جمع الناس على آصرة العقيدة، وجعلها هي قاعدة التجمع او قاعدة التفرقة لم يجعل الإكراه على العقيدة قاعدة الحركة فيه، ولا قاعدة التعامل. ولم يجعل شريعة الغاب والناب هي التي تحكم علاقاته بالآخرين، الذي لا يعتنقون عقيدته، ولا يتجمعون على آصرته.
لقد فرض الله الجهاد على المؤمنينº لا ليكرهوا الناس على اعتناق الاسلامº ولكن ليقيموا في الأرض نظامه الشامخ العادل القويم.. على أن يختار الناس عقيدتهم التي يحبون، في ظل هذا النظام الذي يشمل المسلم وغير المسلم، في عدل تام.
" لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم ".
(البقرة: 256)
واعتبر الأرض التي يسيطر عليها النظام الإسلامي وتحكمها الشرعية الاسلامية هي "دار الإسلام" سواء كان سكانها من معتنقي عقيدته كلهم او كان بعضهم من معتنقي الديانات الأخرى.. واعتبر الأرض التي لا يسيطر عليها النظام الإسلامي ولا تحكمها الشريعة الإسلامية هي "دار الحرب" أياً كان سكانها!.
لم يترك الأمر لشريعة الغاب والناب في العلاقات بين دار الحرب ودار الاسلام، بل نظم هذه العلاقات تنظيماً دقيقاً، يحكمه الخلق والنظافة والاستقامة.
فدار الإسلام إما ان تكون على عهد وميثاق مع دار الحرب، فهو العهد المرعى والميثاق المحفوظ، لا غدر فيه ولا خيانة، ولا مباغتة ولا مفاجأة، إلا أن ينقضي الأجل، أو ينقض العهد أهل دار الحرب.
وإما أن تكون هناك موادعة - بلا معاهدة مؤقتة - فهي الموادعة إلا أن ينبذ إلى أهل دار الحرب- عند خوف الخيانة - ويعلنوا بانقضاء فترة الموادعة.
وإما ان تكون هي الحرب... وللحرب قيود وضمانات. فان جنحوا للسلم مؤثرين المعاهدة والجزية والرضى بالنظام الإسلامي، مع حريتهم في اختيار العقيدة ، فلهم ذلك على المسلمين:
" إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون: الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة، وهم لا يتقون. فاما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون. وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء. إن الله لا يحب الخائنين. ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون. واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكمº وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم. وما تثقفوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون. وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، وتوكل على الله، انه هو السميع العليم".
(الانفال: 55-61)
وأكد على الوفاء بالعهد، مبطلاً حجة "مصلحة الدولة" فإنها لا تجيز نقض العهود:
" وأوفوا بعهد الله اذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، ان الله يعلم ما تفعلون. ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، أن تكون امة هي أربى من أمة. إنما يبلوكم الله به، وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون"...
(النحل: 91-92)
فإذا كانت الحرب فهي الحرب التي لا تهتك فيها حرمة، ولا يقتل فيها صبي ولا شيخ ولا امرأة، ولا يحرق فيها زرع، ولا يتلف فيه ضرع، ولا يمثل فيها بانسان، ولا تصيب إلا المقاتلين الذي يحملون السلاح في وجه المسلمين... وهذه وصية أبى بكر لجيش أسامة وهو ذاهب لمقاتلة الروم:
( لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه،ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة. ولا تذبحوا شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا انفسهم له... اندفعوا باسم الله )..
ولست انوي هنا استقصاء قوانين المعاملات بين دار الاسلام ودار الحرب، ولا بين المسلمين وسائر الأقوام، فهذا البحث المجمل ليس مكان هذا التفصيل.. انما أريد ان أصل إلى الخط العريض الذي أقامه الإسلام في الأرض، للتعامل بين المعسكرات المختلفة، حيث لم يكن لذلك الخط وجود. فما كانت الأمم - يوم جاء - تتعامل إلا بقانون السيف وحده، أو قانون الغاب والناب- فمن كان يملك القوة فكل شيء له حلال، والمغلوب لا حقوق له على الاطلاق!.
هذا الخط الاسلامي العريض لم يذهب ولم يمح من واقع البشرية فقد بدأ العالم في القرن السابع عشر الميلادي (القرن الحادي عشر الهجري) في التعامل على اساس من القانون! وأخذ يخطو خطوات متوالية في "القانون الدولي" وجعل يحاول اقامة هيئات دولية للتحكيم في القرن التاسع عشر، وظلت هذه التشكيلات تتأرجح بين النجاح والفشل حتى اللحظة الحاضرة... ووجدت بحوث قوية وضخمة في القوانين الدولية.
ومن ثم لم تعد الأنظمة التي جاء بها الاسلام غريبة غربتها يوم جاء.
حقيقة ان البشرية لم ترتفع قط الى المستوى الأخلاقي الذي بلغته الجماعة المسلمة في التعامل الواقعي.
وحقيقة ان نكسات قوية قد وقعت في هذا العصر حتى في القوانين الدولية النظرية التي وصل إليها الفقه القانوني في العالم العربي. فألغى شرط اعلان الحرب. ونقض المعاهدات، وانهاء الموادعات! وأصبح الأمر غيلة أشد من حالة الوحوش في الغاب!.
وحقيقة إن دوافع الحرب والسلم لم ترتفع قط عن المصالح والمغانم والأسلاب والأسواق، ولم ترق قط الى افق الفكر والعقيدة والخير والعدل والصلاح التي يستهدفها الجهاد في الإسلام.
كل هذا صحيح، ولكن خط التعامل الدولي على أساس من القانون المعروف لجميع الأطراف... قد وجد. أوجده الإسلام لأول مرة. وخطه في حياة البشرية ذلك المنهج الإلهي القويم الرفيع.
فاذا خوطبت البشرية مرة اخرى بهذا المنهج لم يكن هذا الخط غريباً عليها ولا مستنكراً ... قد تظل أسسه الأخلاقية الرفيعة غريبة على البشرية الواغلة في مستنقع الجاهلية، فترة من الزمان. ولكن أصل الخط وصورته لن تكون غريبة ولا مستنكرة.
والاسلام الذي اعتمد اول مرة على رصيد الفطرة وحده في اقرار مبادئه، ورسم خطوطه، سيعتمد في الجولة القادمة على ذلك الرصيد. ويعتمد - إلى جانبه - على تلك التجارب الواقعة المعهودة. وسيكون - باذن الله- أقدر على استئناف خطواته من جديد... بهذا الرصيد.