الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: هذا الدين
المؤلف: سيد قطب
التصنيف: قضية فلسطين
 

رصيد الفِطِرة

يوم جاء الإسلام أول مرة وقف في وجهه "واقع" ضخم. واقع الجزيرة العربية، وواقع الكرة الأرضية!... وقفت في وجهه عقائد وتصوراتº ووقفت في وجهه قيم وموازينº ووقفت في وجهه أنظمة وأوضاعº ووقفت في وجهه مصالح وعصبيات..

كانت المسافة بين الإسلام- يوم جاء- وبين واقع الناس في الجزيرة العربية وفي الكرة الأرضية، مسافة هائلة سحيقة، وكانت النقلة التي يريدهم عليها بعيدة بعيدة...

وكانت تسند "الواقع" أحقاب من التاريخº وأشتات من المصالحº وألوان من القوىº وتقف كلها سداً في وجه هذا الدين الجديدº الذي لا يكتفي بتغيير العقائد والتصورات، والقيم والموازين، والعادات والتقاليد، والأخلاق والمشاعر... إنما يريد كذلك - ويصر- على ان يغير الأنظمة والأوضاع، والشرائع والقوانين، وتوزيع الموال والأرزاق. كما يصر على انتزاع قيادة البشرية من يد الطاغوت والجاهلية، ليردها إلى الله وإلى الإسلام!.

ولو أنه قيل لكائن من كان - في ذلك الزمان- ان هذا الدين الجديد الذي يحاول هذا كله، في وجه ذلك "الواقع" الهائل، الذي تسنده قوى الأرض كلها، هو الذي سينتصر، وهو الذي سيبدل هذا الواقع في أقل من نصف قرن من الزمان، لما لقى هذا القول إلا السخرية والاستهزاء والاستنكار!.

ولكن هذا "الواقع" الهائل الضخم، سرعان ما تزحزح عن مكانه، ليخليه للوافد الجديد. وسرعان ما تسلم القائد الجديد مقادة البشرية ليخرجها من الظلمات إلى النور، ويقودها بشريعة الله، تحت راية الإسلام!.

كيف وقع هذا الذي يبدو مستحيلاً في تقدير من يبهرهم "الواقع" ويسحقهم ثقله، وهم يزنون الأمور والأوضاع؟!.

كيف استطاع رجل واحد. محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم… أن يقف وحده في وجه الدنيا كلها، أو على الأقل في وجه الجزيرة العربية كلها في أول الأمر ؟ أو على الأقل في وجه قريش سادة العرب كلهم في منشأ الدعوة؟ وأمام تلك العقائد والتصورات، والقيم والموازين والأنظمة والأوضاع، والمصالح والعصبيات، ثم ينتصر على هذا كله، ويبدل هذا كلهº ويقيم النظام الجديد، على أساس المنهج الجديد، والتصور الجديد؟

انه لم يتملق عقائدهم وتصوراتهم، ولم يداهن مشاعرهم وعواطفهم، ولم يهادن آلهتهم وقيادتهم.. لم يتمسكن حتى يتمكن... انه أمر ان يقول لهم منذ الأيام الأولى، وهو في مكة، تتألب عليه جميع القوى:

" قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم ولا انتم عابدون ما اعبد، لكم دينكم ولي دين "..

فلم يكتف بان يعلن لهم افتراق دينه عن دينهم، وعبادته عن عبادتهم، ومفاصلتهم في هذا مفاصلة كاملة لا لقاء فيها. بل أمر كذلك ان ييئسهم من إمكان هذا اللقاء في المستقبل. فكرر عليهم: " ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد "... وباطراد المفاصلة في هذا الأمر، الذي لا التقاء فيه! " لكم دينكم ولي دين ".

وهو كذلك لم يبهرهم بادعاء ان له سلطاناً سرياً، ولا مزايا غير بشرية ولا موارد سرية. بل أمر ان يقول لهم:

" قل: لا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم إني ملك. ان اتبع إلا ما يوحى إلي "... (الأنعام: 50)

ولم يوزع الوعود بالمناصب والمغانم لم يتبعونه، حين ينتصر على مخالفيه: قال ابن إسحاق: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه على القبائل في الموسم - موسم الحج- يقول: "يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وان تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي، وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به".

قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري: أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه. فقال رجل منهم يقال له: بيجرة بن فراس: والله أو أنى أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب! ثم قال له: أرأيت ان نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: " الأمر لله يضعه حيث يشاء". قال: فقال له، أفتهدف نحورنا للعرب، فان أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك! فأبوا عليه"...

كيف اذن وقع الذي وقع؟ كيف قوى ذلك الرجل الواحد على قهر ذلك "الواقع"؟

انه لم يقهره بمعجزة خارقة لا تتكرر. فقد أعلن - صلى الله عليه وسلم- انه لا يعمل في هذا الحقل بخارقةº ولم يستجب - مرة واحة- لطلبهم للخوارق.. إنما وقع الذي وقع وفق سنة دائمة تتكرر كلما أخذ الناس بها واستجابوا إليها.

لقد وقع الذي وقع من غلبة هذا المنهج، لأنه تعامل - من وراء الواقع الظاهري- مع رصيد الفطرة المكنون. وهو رصيد - كما أسلفنا- ضخم هائل، لا يغلبه هذا الركام الظاهريº حين يستنقذ ويجمع ويوجَّه، ويطلق في اتجاه مرسوم!

* * *

كانت المعتقدات الفاسدة والمحرفة ترين على ضمير البشرية، وكانت الآلهة الزائفة تزحم فناء الكعبة كما تزحم تصورات الناس وعقولهم وقلوبهم . وكانت المصالح القبلية والاقتصادية تقوم على كواهل هذه الآلهة الزائفة، وما وراءها من سدانة وكهانة، ومن أوضاع في حياة الناس، مستمدة من توزيع خصائص الألوهية بين العبادº وإعطاء السدنة والكهنة حق الاشتراع للناس، ووضع مناهج الحياة!!!

وجاء الإسلام يواجه هذا "الواقع" كله بلا اله إلا الله. ويخاطب الفطرة التي لا تعرف لها إلهاً إلا الله. ويعرف الناس بربهم الحق، وخصائصه وصفاته التي تعرفها فطرتهم من تحت الأنقاض والركام.

" قل: أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض، وهو يطعم ولا يطعم؟ قل: إني أمرت ان أكون أول من أسلم. ولا تكونن من المشركين. قل: إني أخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم. من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه، وذلك الفوز المبين. وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وان يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير. وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. قل: أي شيء اكبر شهادة؟ قل: الله شهيد بيني وبينكم، وأوحى إلى هذا القران لأنذركم به ومن بلغ. أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل: لا أشهد قل: إنما هو اله واحد، وإنني بريء مما تشركون ".

(الأنعام: 14-19)

" قل: انى نهيت ان اعبد الذين تدعون من دون الله: قل: لا اتبع اهواءكم، قد ضللت اذن وما انا من المهتدين. قل : انى على بينة من ربي. وكذبتم به، ما عندي ما تستعجلون به. ان الحكم الا الله، يقص الحق وهو خير الفاصلين. قل: لو ان عندي ما تستعجلون به لقضى الأمر بيني وبينكم،والله أعلم بالظالمين. وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو. ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة الا يعلمها. ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين.وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار،ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى، ثم اليه مرجعكم،ثم ينبئكم بما كنتم تعلمون،وهو القاهر فوق عباده،ويرسل عليكم حفظة،حتى اذا جاء احدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون.ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق.ألا له الحكم،وهو أسرع الحاسبين.قل:من ينجيكم من ظلمات البر والبحر،تدعونه تضرعا وخفية:لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين.قل:الله ينجيكم منها ومن كل كرب،ثم أنتم تشركون.قل: هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم او من تحت ارجلكم،او يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم باس بعض.انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون "....

( الأنعام: 56-65)

واستمعت الفطرة الى الصوت القديم،الذي يخاطبها من وراء ركام الواقع الثقيل،في التيه العريض.وثابت الى الهها الواحد.وانتصرت الدعوة الجديدة على الواقع الثقيل!

* * *

وعندما ثاب الناس الى إله واحد.امتنع ان يعبد الناس الناس ووقف الجميع رافعي الرؤوس امام بعضهم البعض.يوم انحنت كل الرؤوس للإله الواحد القاهر فوق عباده. وانتهت اسطورة الدماء المتفاضلة، والأجناس المتفاضلة، ووراثة الشرف والحكم والسلطان...

ولكن كيف وقع هذا ؟

لقد كان هناك "واقع" اجتماعي، وراءه مصالح طبقية وعنصرية، مادية ومعنوية. واقع سائد في الجزيرة العربية، وسائد في الأرض من حولها. واقع ليس محل اعتراض احد، لأن المنتفعين به لا يسأمونه، والرازحين تحته لا ينكرونه!.

كانت قريش تسمى نفسها "الحمس" وتفرض لنفسها حقوقاً وتقاليد ليست لسائر العرب. وتقف في الحج بالمزدلفة حين يقف الناس جميعاً بعرفات! ويقيمون على هذه الامتيازات منافع اقتصادية يفرضونها على سائر العرب. فيحتّöمون عليهم ألا يطوفوا بالبيت الا في ملابس يشترونها من قريش؟ وإلا طافوا بالبيت عراة؟

وكانت الأرض كلها من حول الجزيرة تعج بالتفرقات القائمة على اختلاف الدماء والأجناس وتفاضلها...

" كان المجتمع الايراني مؤسساً على اعتبار النسب والحرف. وكان بين طبقات المجتمع هوة واسعة لا يقوم عليها جسر، ولا تصل بينها صلة. وكانت الحكومة تحظر على العامة ان يشتري أحد منهم عقاراً لأمير أو كبير. وكان من قواعد السياسة الساسانية ان يقتنع كل واحد بمركزه الذي منحه نسبه، ولا يستشرف لما فوقه. ولم يكن لأحد أن يتخذ حرفة غير الحرفة التي خلقه الله لها. وكان ملوك ايران لا يولون وضيعاً وظيفة من وظائفهم. وكان العامة كذلك طبقات متميزة بعضها على بعض تميزاً واضحاً، وكان لكل واحد مركز محدد في المجتمع".

"وكانت الأكاسرة ملوك فارس يدعون انه يجري في عروقهم دم الهي. وكان الفرس ينظرون اليهم كآلهة، وينشدون الأناشيد بألوهيتهم، ويرونهم فوق القانون، وفوق الانتقاد، وفوق البشر، لا يجري اسمهم على لسانهم، ولا يجلس أحدهم في مجلسهمº ويعتقدون أن لهم حقاً على كل انسان ،وليس لإنسان حق عليهم. وأن ما يرضخون لأحد من فضول أموالهم وفتات نعمهم فإنما هو صدقة وتكرم، من غير استحقاق، وليس للناس قبلهم الا السمع والطاعة. وخصصوا بيتاً معيناً - هو بين الكياني- فكانوا يعتقدون أن لأفراده وحدهم الحق أن يلبسوا التاج، ويجبوا الخراج. وهذا الحق يتنقل فيهم كابراً عن كابر، واباً عن جد، لا ينازعهم ذلك الا ظالم، ولا ينافسهم الا دعى نذل،. فكانوا يدينون بالملك وبالوراثة في البيت المالك، لا يبغون به بدلاً، ولا يرون عنه محيصاً . فإذا لم يجدوا من هذه الأسرة كبيراً ملكوا عليهم طفلاً. وإذا لم يجدوا رجلاً ملكوا عليهم امرأة. فقد ملكوا بعد "شيرويه" ولده "أردشير" وهو ابن سبع سنين. وملك "فرخ زاد خسرو بن كسرى أبرويز" وهو طفل. وملكوا بوران بنت كسرى. وملكت كذلك ابنة كسرى ثانية يقال لها: "أزرمى دخت" ولم يخطر ببالهم ان يملكوا عليهم. قائداً كبيراً، أو رئيساً من رؤسائهم، مثل "رستم" و "جابان" وغيرهما. لأنهم ليسوا من البيت الملكي!.

وكان نظام الطبقات في الهند من اعنف وأبشع ما يصنع الانسان بالإنسان.

"وقبل ميلاد المسيح بثلاثة قرون ازدهرت في الهند الحضارة البرهمية، ووضع فيها مرسوم جديد للمجتمع الهندي، وألف فيه قانون مدني سياسي اتفق عليه، واصبح قانوناً رسمياً، ومرجعاً دينياً، في حياة البلاد ومدنيتها، وهو المعروف الآن: "منوشاستر"...

"يقسم هذا القانون الأهالي الى اربع طبقات متميزة. وهي:

(1) البراهمة: طبقة الكهنة ورجال الدين. (2) شترى: رجال الحرب

(3) ويش: رجال الزراعة والتجارة. (4) شودر: رجال الخدمة

ويقول "منو" مؤلف هذا القانون:

"ان القادر المطلق قد خلق لمصلحة العالم البراهمة من فمه، وشترى من سواعده وويش من أفخاذه، والشودر من أرجله! ووزع لهم فرائض وواجبات لصلاح العالم. فعلى البراهمة تعليم "ويد" او تقديم النذور للآلهة. وتعاطي الصدقات. وعلى "الشترى" حراسة الناس، والتصدق وتقديم النذور ودراسة "ويد" والعزوف عن الشهوات. وعلى "ويش" رعى السائمة والقيام بخدمتها وتلاوة "ويد" والتجارة والزراعة. وليس "لشودر" الا خدمة هذه الطبقات الثلاث!.

"وقد منح هذا القانون طبقة البراهمة امتيازات وحقوقاً ألحقتهم بالآلهة. فقد قال : ان البراهمة هم صفوة الله، وهم ملوك الخلق، وان ما في العالم هو ملك لهم، فانهم أفضل الخلائق وسادة الأرض، ولهم ان يأخذوا من مال عبيدهم شودر - من غير جريرة - ما شاءوا. لأن العبد لا يملك شيئاً، وكل ماله لسيده. وان البرهمي الذي يحفظ "رك ويد" (الكتاب المقدس) هو رجل مغفور له، ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه واعماله: ولا يجوز للملك حتى في اشد ساعات الاضطرار والفاقة ان يجبي من البراهمة جباية، او يأخذ منهم أتاوة، ولا يصح لبرهمي في بلاده أن يموت جوعاً، وان استحق برهمي القتل، لم يجز للحاكم الا ان يحلق رأسه، اما غيره فيقتل!.

" اما الشترى فان كانوا فوق الطبقتين (ويش وشودر) ولكنهم دون البراهمة بكثير. فيقول: "منو" ان البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشترى الذي ناهز مئة، كما يفوق الوالد ولده!.

" أما شودر "المنبوذون": فكانوا في المجتمع الهندي - بنص هذا القانون المدني الديني- احط من البهائم، وأذل من الكلاب. فيصرح القانون بأن "من سعادة شودر ان يقوموا بخدمة البراهمة، وليس لهم اجر او ثواب بغير ذلك. وليس لهم أن يقتنوا مالاً، أو يدخروا كنزاً فان ذلك يؤذي البراهمة! وإذا مد أحد من المنبوذين إلى برهمي يدا أو عصا ليبطش به قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فدعت رجله، وإذا هم أحد من المنبوذين أني يجالس برهميا فعلى الملك أن يكوى إسته، أو يحرمه وينفيه من البلاد. واما اذا مسه بيد، أو سبه، فيقتلع لسانه. وإذا ادعى انه يعلمه سقى زيتاً فائراً. وكفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والوزغ والغراب والبومة. ورجل من الطبقة المنبوذة، سواء !!!".

اما الحضارة الرومانية الشهيرة فقامت على اساس الترف، الذي يوفره ثلاثة ارباع سكانها من العبيد، للربع الباقي من الاشراف! وعلى اساس التفرقة في نصوص القانون بين السادة والعبيد. وبين الطبقات الكريمة والوضيعة:

جاء في مدونة جوستنيان القانونية الشهيرة:

" ومن يستهو ارملة مستقيمة او عذراء، فعقوبته - ان كان من بيئة كريمة - مصادرة نصف ماله، وان كان في بيئة ذميمة فعقوبته الجلد والنفي من الأرض".

وبينما كان هذا "الواقع" سائداً في الأرض كلها، كان الاسلام يخاطب "الفطرة" من تحت ركام الواقع. الفطرة التي تنكر هذا كله ولا تعرفه. وكانت استجابة الفطرة لنداء الاسلام أقوى من هذا الواقع الثقيل.

استمعت الفطرة الى الله - سبحانه- يقول للناس جميعاً.

" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر هو أنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. ان اكرمكم عند الله أتقاكم "...

[الحجرات:13]

واستمعت اليه -سبحانه- يقول لقريش خاصة: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس "...

[البقرة:199]

واستمعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول للناس جميعاً: " يا أيها الناس. ان ربكم واحد، وان اباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. ان اكرمكم عند الله اتقاكم. وليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على ابيض ولا لأبيض على احمر فضل الا بالتقوى ".

واستمعت إليه يقول لقريش خاصة:

" يا معشر قريش.. اشتروا أنفسكم، لا أغنى عنكم من الله شيئاً، ويا بني عبد مناف لا اغنى عنكم من الله شيئاً. يا عباس بن عبد المطلب، ما اغنى عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد: سليني ما شئت من مالي ، لا اغنى عنك من الله شيئاً ".

[متفق عليه]

استمعت الفطرة الى النداء المستجاب، وأزاحت عنها ركام "الواقع" وانطلقت مع المنهج الإلهي.. ووقع ما وقع وفق سنة الله المطردة، القابلة للوقوع في كل حين.

* * *

وكان النظام الربوي هو السائد في الجزيرة العربية، وعليه يقوم اقتصادها الأساسي. ولا يحسبن أحد انها كانت مجرد معاملات فردية في حدود ضيقة. فقد قامت لقريش تجارة ضخمة مع الشام في رحلة الصيف، ومع اليمن في رحلة الشتاء. وكانت توظف في هذه التجارة رؤوس أموال قريش. ولا يجوز ان ننسى ان قافلة ابي سفيان التي ترصد لها المسلمون في غزوة بدر، ثم أفلتت منهم، وقسم الله لهم ما هو خير منها، كانت تحوى ألف بعير موسوقة بالبضائع! ولو كان الربا مجرد معاملات فردية محدودة، لا نظاماً شاملاً للحياة الاقتصادية ما استحق من الله - سبحانه - هذه الحملة المفزعة المتكررة في القران، ولا متابعة تلك الحملة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديثه!.

هذه الأموال، وهذه الحركة التجارية، وهذا الاقتصاد الذي يقوم عليها، كان يقوم كله على اساس النظام الربوي. وفيه تجمعت اقتصاديات البلاد تقريباً قبيل البعثة، فكذلك كانت تقوم الحياة في المدينة. وأصحاب اقتصادها هم اليهود. والربا قاعدة اقتصاد اليهود!.

وكان هذا "واقعا" اقتصادياً تقوم عليه حياة البلاد!.

ثم جاء الاسلام.. جاء ينكر هذا الأساس الظالم الجارمº ويعرض بدله اساساً آخر: أساس الزكاة والقرض الحسن والتعاون والتكافل.

" الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية، فلهم اجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون. الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس. ذلك بأنهم قالوا: انما البيع مثل الربا. واحل الله البيع وحرم الربا. فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، وأمره الى الله. ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يمحق الله الربا ويربى الصدقات. والله لا يحب كل كفار أثيم. ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات. واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، لهم اجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين. فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وان تبتم فلكم رؤوس أموالكم، لا تَظلمون ولا تُظلمون، وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم ان كنتم تعلمون. واتقوا يوماً ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ".

[البقرة: 274-281]

ووجدت الفطرة ان دعوة الله خير مما هي فيه. واشمأزت من الأساس الهابط الذي يقوم النظام الربوي عليه. ومع مشقة الانتقال في الأوضاع الاقتصادية التي تقوم عليها حياة الناس، فقد كانت استجابة الفطرة أقوى من ثقل " الواقع" ، وتطهر المجتمع المسلم من تلك اللوثة الجاهلية. وكان ما كان. وفق سنة الله التي تتكرر كلما دعيت الفطرة فانتفضت من تحت الركام والأنقاض!.

* * *

ونكتفي في هذا الفصل بهذه الأمثلة الثلاثة من مغالبة الفطرة للواقع، وانتفاضها من تحت الركام والانقاض، وانتصارها على الواقع الخارجي الذي أنشأته الجاهليات... وهي تمثل واقع العقيدة والتصور. وواقع الأوضاع والتقاليد... وواقع الاقتصاد والتعامل... وهي اقوى ألوان "الواقع" الذي يراه من لا يدركون قوة العقيدة، وقوة الفطرة، وكأنه هو الحقيقة الساحقة التي لا قبل بها لفطرة ولا عقيدة!.

ان الاسلام لم يقف مستسلما عاجزاً مكتوف اليدين امام هذا "الواقع" ولكنه ألغاه، أو بدله، وأقام مكانه بناءه السامق الفريد، على أساسه القوي العميق.

وما حدث مرة يمكن ان يحدث مرة اخرى. فقد حدث ما حدث وفق سنة جارية، ولا وفق معجزة خارقة. وقد قام ذلك البناء على رصيد الفطرة المدخر لكل من يستنقذ هذا الرصيد، ويجمعه ، ويوجهه، ويطلقه في اتجاهه الصحيح.

والبشرية اليوم قد تكون أقدر على هذا الاتجاه الصحيح، بما استقر في تاريخها وفي حياتها من آثار ذلك المد الأول، الذي واجه أقسى المعارضة. ثم انساح في طريقه، وخلف من بعده أعمق الآثار…

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error