القسم الثالث - أهداف الدعوة
لقد تحدث الأستاذ البنا عن الأهداف في مواضع كثيرة من رسائله تحت مسميات متنوعة مثل: غايتنا و ماذا نريد؟ و أهدافنا. وسنحاول رسم خارطة الأهداف كما رآها الأستاذ البنا.
إن فهم منظومة الأستاذ البنا للأهداف يقتضي الرجوع قليلاً لمهمة المسلم من منظور البنا، والتي يقول فيها الأستاذ:
إن مهمة المسلم الحق لخصها تبارك وتعالى في آية واحدة من كتابه .. فهي قول الله تبارك وتعالى:
(يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملّة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) [الحج: 77-78].
هذا كلام بيّن لا لبس فيه ولا غموض ...
1- يأمر الله المسلمين ... أن يقيموا الصلاة التي هب لي العبادة وعمود الإسلام ... وأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأن يفعلوا الخير ما استطاعوا .. وتلك هي المهمة الفردية لكل مسلم..
2- ثم أمرهم بعد ذلك أن يجاهدوا في الله حق جهاده بنشر هذه الدعوة وتعميمها بين الناس بالحجة والبرهان) (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس).
ويلخص الأستاذ البنا مهمة المسلم بعد ذلك فيقول:
أيها المسلمون، عبادة ربكم والجهاد في سبيل التمكين لدينكم وإعزاز شريعتكم هي مهمتكم في هذه الحياة.. (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس).
وعليه، تتكوّن مهمة المسلم من شقين:
1- العبادة وفعل الخير.
2- الجهاد لإعزاز الشريعة.
وقبل أن نلخص الموضوع في جدول، دعنا نقرأ معاً معاً تقسيم الأستاذ البنا للأهداف، كما أوردها في المؤتمر السادس، حيث قسمها إلى غاية قريبة وغاية بعيدة. وفي ذلك يقول الأستاذ البنا:
يعمل الإخوان المسلمون لغايتين: غاية قريبة يبدو هدفها وتظهر ثمرتها لأول يوم ينضم فيه الفرد إلى الجماعة، أو تظهر الجماعة الإخوانية فيه في ميدان العمل العام، وغاية بعيدة لابد فيها من ترقب الفرص وانتظار الزمن وحسن الإعداد وسبق التكوين (رسالة المؤتمر السادس).
1- غاية قريبة: المساهمة في الخير العام والخدمة الاجتماعية:
فأما الغاية الأولى فهي المساهمة في الخير العام أياً كان لونه ونوعه، والخدمة الاجتماعية كلما سمحت بها الظروف. يتصل الأخ بالإخوان، فيكون مطالباً:
أ- بتطهير نفسه وتقويم مسلكه وإعداد روحه وعقله وجسمه للجهاد الطويل الذي ينتظره في مستقبل الأيام.
ب- ثم هو مطالب أن يشيع هذه الروح في أسرته وأصدقائه وبيئته، فلا يكون الأخ مسلماً حقاً حتى يطبق على نفسه أحكام الإسلام وأخلاق الإسلام، ويقف عند حدود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه: (ونفس وما سواها (7) فألهمها فجِِورها وتقواها (8) قد أفلح من زكّاها (9) وقد خِِاب من دسّاها) [الشمس: 7-10]
فهل هذا هو ما يريده الإخوان المسلمون ويجهزون أنفسهم له ويأخذونها به؟! لا أيها الإخوان، ليس هذا كل ما نريد، هو بعض ما نريد ابتغاء مرضاة الله.. هو الهدف القريب، هو صرف الوقت في طاعة وخير حتى يجئ الظرف المناسب وتحين ساعة العمل للإصلاح الشامل المنشود (رسالة المؤتمر السادس).
2- وغاية بعيدة: الإصلاح الشامل والتغيير والتبديل للأوضاع القائمة:
وغاية بعيدة: الإصلاح الشامل والتغيير والتبديل للأوضاع القائمة:
أما غاية الإخوان الأساسية.. أما هدف الإخوان الأسمى.. أما الإصلاح الذي يريده الإخوان ويهيئون له أنفسهم.. فهو إصلاح شامل كامل تتعاون عليه قوى الأمة جميعاً وتتجه نحو الأمة جميعاً، ويتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير والتبديل ... والإخوان المسلمون يعملون ليتأيد النظام بالحكام، ولتحيا من جديد دولة الإسلام ولتشمل بالنفاذ هذه الأحكام، ولتقوم في الناس حكومة مسلمة، تؤيدها أمة مسلمة، تنظم حياتها شريعة مسلمة أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه، حيث قال: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [الجاثية: 18] (رسالة المؤتمر السادس).
وبعد أن عرض الأستاذ البنا الغاية القريبة، وبيّن المظاهر المعبرة عنها في الممارسة العملية، وشرح الغاية البعيدة والتي تشكل الأصل الذي من أجله قامت هذه الحركة النهضوية، قام بتحديد منهاج الإخوان المسلمين والخط الذي تعد الأمة له، ولنتأمل ذلك في كلامه في رسالة إلى الشباب قائلاً:
إن منهاج الإخوان المسلمون محدود المراحل، واضح الخطوات، فنحن نعلم تماماً ماذا نريد ونعرف الوسيلة إلى تحقيق هذه الإرادة، نريد أولاً الرجل المسلم .. ونريد بعد ذلك البيت المسلم.. ونريد بعد ذلك أن ينضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي .. ونريد بعد ذلك أن تعود راية الله خفاقة عالية على تلك البقاع .. ونريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم، وأن نبلغ الناس جميعاً، وأن نعم بها آفاق الأرض (رسالة إلى الشباب).
وفي رسالة الوداع (رسالة بين الأمس واليوم)، وهي الرسالة التي كتبها معتقداً أنه سيحال بينه وبين الجماعة، فقد كتب أهم ما يعتقد أن تركز عليه الجماعة من أهداف بكل وضوح، فقال:
ولكن اذكروا دائماً أن لكم هدفين أساسيين .. أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل استعمار أجنبي .. وأن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة .. ونريد تحقيق هذين الهدفين في: وادي النيل وفي بلاد العروبة، وفي كل أرض أسعدها الله بعقيدة الإسلام.. (رسالة بين الأمس واليوم).
وبإعادة تنظيم كلام الأستاذ البنا حول الأهداف، وربط المبثوث منه في مختلف الرسائل، وخاصةً (رسالة التعاليم)، والتي تعتبر من أنضج الرسائل التي كتها الأستاذ البنا رحمه الله، حيث شرح الركن الثالث من أركان البيعة وهو العمل، وحدد للأخ الصادق مراتب العمل المطوبة، نستنتج من ذلك كله أن الغايتين اللتين أشار إليهما في الفقرة السابقة، يندرج تحتهما الأهداف القريبة، والأهداف البعيدة. وعليه، يمكن وضع هذه الأهداف بالصورة التالية:
- الشاق الأول للمهمة: العبادة وفعل الخير
(1) الغاية القريبة: وتشمل
1- إصلاح الفرد.
2- بناء الأسرة.
3- إرشاد المجتمع.
- الشق الثاني للمهمة: الجهاد لإعزاز الشريعة
(2) الغاية البعيدة: وتشمل
4- إصلاح الحكومة.
5- إعادة الخلافة.
6- تحقيق السيادة.
7- الأستاذية.
ويمكن تفصيل مكونات هذه الصورة من الأهداف، وفقاً لفكر الأستاذ البنا على النحو التالي:
1- الغاية القريبة
1- إصلاح الفرد (إعداد الرجال): ولتفصيل هذا الهدف، يقول الأستاذ البنا: ولكن الأمم المجاهدة التي تواجه نهضة جديدة وتجتاز دور انتقال خطير، وتريد أن تبنى حياتها المستقبلة على أساس متين يضمن للجيل الناشئ الرفاهة والهناءة، وتطالب بحق مسلوب وعز مغصوب، في حاجة إلى بناء آخر غير هذه الأبنية.. إنها في مسيس الحاجة إلى بناء النفوس وتشييد الأخلاق وطبع أبنائها على خلق الرجولة الصحيحة، حتى يصمدوا لما يقف في طريقهم من عقبات ويتغلبوا على ما يعترضهم من مصاعب.
إن الرجل سر حياة الأمم ومصدر نهضاتها، وإن تاريخ الأمم جميعاً إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين القوياء النفوس والإرادات. وأن قوة الأمم أو ضعفها إنما تقاس بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوافر فيهم شرائط الرجولة الصحيحة. وإني أعتقد –والتاريخ يؤيدني- أن الرجل الواحد في وسعه أن يبنى أمة إن صحت رجولته، وفي وسعه أن يهدمها كذلك إذا توجهت هذه الرجولة إلى ناحية الهدم لا ناحية البناء (رسالة هل نحن قوم عمليون).
2- بناء الأسرة: ثم ينتقل الأستاذ البنا إلى مستوى الأسرة المسلمة فيقول:
وتكوين بيت مسلم، بأن يحمل أهله على احترام فكرته، والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر الحياة المنزلية، وحسن اختيار الزوجة، وتوقيفها على حقها وواجبها، وحسن تربية الأولاد والخدم وتنشئتهم على مبادئ الإسلام. وذلك واجب كل أخ على حدته كذلك (رسالة التعاليم).
3- إرشاد المجتمع: ثم يحدد الهدف على مستوى المجتمع، فيقول:
وإرشاد المجتمع، بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائماً. وذلك واجب كل أخ على حدته، وواجب الجماعة كهيئة عاملة (رسالة التعاليم).
2- الغاية البعيدة
4- إصلاح الحكومة وإقامة الدولة على أسس الإسلام: بالنسبة للغاية البعيدة، يحدد الأستاذ البنا أهداف هذه الغاية التفصيلية على المستوى القطري، فيقول:
وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، وبذلك تؤدي مهمتها كخادم للأمة وأجير عندها وعامل على مصلحتها. والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير مجاهرين بعصيان، وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه. ومن صفاتها: الشعور بالتبعة، والشفقة على الرعية، والعدالة بين الناس، والعفة عن المال العام، والاقتصاد فيه. ومن واجباتها: صيانة الأمن، وإنفاذ القانون، ونشر التعليم، وإعداد القوة، وحفظ الصحة، ورعاية المنافع العامة، وتنمية الثروة وحراسة المال، وتقوية الأخلاق، ونشر الدعوة. ومن حقها –متى أدت واجبها-: الولاء والطاعة، والمساعدة بالنفس والأموال. فإذا قصرت، فالنصح والإرشادن ثم الخلع والإبعاد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (رسالة التعاليم).
5- إعادة الخلافة (التمثيل الموحد للأمة الإسلامية): وعلى صعيد الأمة، يشدد الأستاذ البنا على ضرورة وحدة الأمة، فيقول:
وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها، حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة. وأستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه: (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)[الأنفال: 39]، (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) [التوبة:32] (رسالة التعاليم).
ويفصل الأستاذ البنا هذا الهدف المحوري، بقوله:
الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم، ودفنه، حتى فرغوا من تلك المهمة واطمأنوا إلى إنجازها .. والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم، وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لابد منها وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لابد أن تسبقها خطوات (رسالة المؤتمر الخامس).
6- تحقيق السيادة: ولتحقيق هذا الهدف، يؤكد الأستاذ البنا على ضرورة تحرير الأمة فيقول:
ولكن اذكروا دائماً أن لكم هدفين أساسيين .. أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل استعمار أجنبي .. وأن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة .. نريد تحقيق هذين الهدفين في: وادي النيل، وفي بلاد العروبة، وفي كل أرض أسعدها الله بعقيدة الإسلام.. (رسالة بين الأمس واليوم).
7- إعلان الأستاذية: وعن نشر نور الإسلام وهداية البشر إلى الخير وإلى الحق، يقول الأستاذ البنا:
وأستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) [البقرة: 193]، (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) [التوبة:32] (رسالة التعاليم).
بهذا التحديد، وبهذا الوضوح، وبهذا التفصيل، وضع الأستاذ البنا منظومة الأهداف المتوخاة من الدعوة، والتي يتعين على الفرد المسلم والأمة المسلمة أن يعملا على تحقيقها، عبادةً للخالق تبارك وتعالى، وتحقيقاً لمشروع النهضة الممكن والمأمول.