القسم الرابع - الامتداد الحضاري
ونتناول هذه الخاصية في البندين التاليين:
البند الأول: ورثة حضارة
إن قضية الأمة اليوم ليست في الأرض، فطالما ضاعت واستعيدت، ولكنها قضية الحضارة والوجود والشهود. إن العنصر الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي قد يطغى حيناً، ولكن جوهر الصراع هو وجود الأمة الحضاري. وفي هذا يؤكد الأستاذ البنا على أهمية رؤية الصراع في امتداده الحضاري، والذي أضاءت فيه الأمة ولقرون طويلة مصابيح الهداية، وقدمت للدنيا أعظم نموذج إنساني في العدالة والمساواة والحريات والحفاظ على حقوق الإنسان الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ورفعت مكانة العلم والعلماء ووضعتهم في مصاف الأنبياء، ورفعت من مكانة المرأة وكرامتها وتوجتها ملكة في أسرتها معززة مكرمة، وقدمت للبشرية أرقى فنون العمارة والمدنية تخطيطاً وتصميماً وتنفيذاً. وهذا ما أكده الأستاذ البنا في أكثر من موقع من رسائله، منها:
نحن ورثة حضارة عزيزة غالية
نحن أمة عظيمة مجيدة تجر وراءها أقدم وأفضل ما عرف التاريخ من دلائل ومظاهر الفخار والمجد. لقد ورثنا هذا الإسلام الحنيف واصطبغنا به صبغة ثابتة قوية، تغلغلت في الضمائر والمشاعر ولصقت بحنايا الضلوع وشغاف القلوب .. هذا الإسلام، عقيدته ونظمه ولغته وحضارته، ميراث عزيز غال علينا .. وهذه مشاعرنا لا تهتز لشيء اهتزازها للإسلام وما يتصل بالإسلام. كل ذلك حق، ولكن هذه الحضارة الغربية قد غزتنا غزواً قوياً عنيفاً بالعلم والمال، وبالسياسة والترف، والمتعة واللهو وضروب الحياة الناعمة العابثة المغرية التي لم نكن نعرفها من قبل (رسالة دعوتنا في طور جديد).
نحن أصحاب مدنية المبادئ الفاضلة وحضارة الأخلاق الرحيمة العادلة
... وبهذه المشاعر الثلاثة: الإيمان بعظمة الرسالة والاعتزاز باعتناقها والأمل في تأييد الله إياها، أحياها الراعي الأول صلى الله عليه وسلم في قلوب المؤمنين من صحابته بإذن الله، وحدد لهم أهدافهم في هذه الحياة، فاندفعوا يحملون رسالتهم محفوظة في صدورهم أو مصاحفهم، بادية في أخلاقهم وأعمالهم معتدين بتكريم الله إياهم، واثقين بنصره وتأييده، فدانت لهم الأرض وفرضوا على الدنيا مدنية المبادئ الفضالة وحضارة الأخلاق الرحيمة العادلة، وبدلوا فيها سيئات الجامدة إلى حسنات الربانية الخالدة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره (دعوتنا في طور جديد).
البند الثاني: الإحياء الحضاري
وهنا يؤكد الأستاذ البنا على حقيقة أننا مبعث المدنيات ومشرقنا مهبط الرسالات فيقول:
نحن مبعث المدنيا ومشرق الحضارات
ومن جهة أخرى، فإن هذا الشرق الذي وضع في صف المخربين والمدمرين هو مبعث المدنيات ومشرق الحضارات ومهبط الرسالات، وهو مفيض ذلك كله على الغرب، لا ينكر هذا إلا جاحد مكابر. ومثل هذه المزاعم الباطلة إنما هي نزوات من غرور الإنسان وطيش الوجدان، لا يمكن أن تستقر على اساسها نهضات أو تقوم على قاعدتها مدنيات، وما دام في الناس من يشعر بمثل هذا الشعور لأخيه الإنسان فلا أمن ولا سلام ولا اطمئنان حتى يعود الناس إلى علم الأخوة فيرفعونه خفاقاً، ويستظلون بظله الوارف الأمين، ولن يجدوا طريقاً معبدةً إلى ذلك كطريق الإسلام الذي يقول كتابه:
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات: 13]. ويقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من مات على عصبية) رواه أحمد من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه (رسالة دعوتنا في طور جديد).
إحياء الحضارة الإسلامية واجب وضرورة
لقد شاءت لنا الظروف أن ننشا في هذا الجيل الذي تتزاحم الأمم فيه بالمناكب وتتنازع البقاء أشد التنازع، وتكون الغلبة دائماً للقوى السابق. وشاءت لنا الظروف كذلك أن نواجه نتائج أغاليط الماضي ونتجرع مرارتها، وأن يكون علينا رأب الصدع وجبر الكسر وإنقاذ أنفسنا وأبنائنا واسترداد عزتنا ومجدنا وإحياء حضارتنا وتعاليم ديننا (رسالة هل نحن قوم عمليون).
لن تتوقف حركة البندول الحضاري
لقد كانت قيادة الدنيا في وقت ما شرقية بحتة، ثم صارت بعد ظهور اليونان والرومان غربية، ثم نقلتها النبوات الموسوية والعيسوية والمحمدية إلى الشرق مرة ثانية. ثم غفا الشرق غفوته الكبرى ونهض الغرب نهضته الحديثة فكانت سنة الله التي لا تتخلف، وورث الغرب القيادة العالمية، وها هو ذا الغرب يظلم ويجور ويتخبط، فلم يبق إلا أن تمتد يد (شرقية) قوية يظللها لواء الله وتخفق على رأسها راية القرآن ويمدها جند الإيمان القوي المتين، فإذا بالدنيا مسلمة هانئه، وإذا بالعوالم كلها هاتفة: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) [الأعراف: 43]. ليس ذلك من الخيال في شيء، بل هو حكم التاريخ الصادق، إن لم يتحقق (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) [المائدة: 54]. بيد أننا نحرص على أن نكون ممن يحوزون هذه الفضيلة، ويكتبون في ديوان هذا الشرف (وربك يخلق ما يشاء ويختار) [القصص: 68] (رسالة دعوتنا في طور جديد).
وعليه، فلنعمل جاهدين من خلال دستورنا (القرآن)، ودليل عملنا (السنة)، والتطبيق الصحيح (السلف الصالح)، لإعادة بعث الحضارة الإسلامية، واستمرار الدفع الحضاري الإسلامي.