عندما ذكر الإمام الشهيد حسن البنا الإخلاص كركن من أركان البيعة قال :" وأريد بالإخلاص أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر وبذلك يكون جندي فكرة وعقيدة لا جندي غرض ومنفعة { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت } وبذلك يفهم الأخ المسلم معنى هتافه الدائم ( الله غايتنا والله أكبر ولله الحمد) والحقيقة أن الإخلاص ثمرة الإيمان بعقيدة التوحيد وإفراد الله بالعبادة والرجاء في ثواب الله يحتم النية الخالصة لله فلا يقصد غير وجه الله{ فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ويوجه الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الإخلاص في قوله تعالى { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} { قل الله أعبد مخلصا له ديني }
كما يوجهنا رسولنا الحبيب إلى الإخلاص في الحديث الذي بدأ الإمام البخاري به كتابه الجامع الصحيح لأهميته وهو ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدينا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه )
ولكي يكون العمل مقبولا عند الله ويرجى من ورائه الأجر والمثوبة يلزم أن يكون خالصا لوجه الله وأن يكون مطابقا لشرع الله وهدى رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يؤدى متقنا على أحسن وجه أمراض القلوب:
وأمراض القلوب هي التي تفسد الإخلاص وهي أفتك بأصحابها من أمراض الأجسام لأنها تحبط الأجر وتحول دون رضوان الله وتوفيقه ومن هذه الأمراض الرياء والكبر والغرور وحب المال والجاه والسلطان وحب الزعامة وحب الظهور وحب حمد الناس كذلك الحقد والحسد وغير ذلك وهي موجودة عند الكثيرين بدرجات متفاوتة ولكن من يوفقهم الله ويعينهم يقاومونها ويتغلبون عليها بتقوى الله ومراقبته وبالإيمان الصادق القوى المتين ويجب على الأخ دوام مراجعة نفسه والاطمئنان على إخلاصه فالشيطان لا يهدأ ويحاول دائما أن يفسد النوايا ليحبط العمل ويضيع الأجر والثواب وليكن حذرا من الرياء لخفائه وليحذر الأخ من فتنة الشهرة والصيت خاصة الأخوة الدعاة والخطباء الذين يخاطبون الجماهير وتعجب بهم الجماهير وليرجعوا الفضل إلى توفيق الله لهم والعمل في حقل الدعوة من أفضل العبادات التي يطلب إخلاص النية فيها رجاء القبول ورجل الدعوة يتهم نفسه بالتفريط في جنب الله والتقصير في أداء الواجبات ولا يداخله الغرور بعمله والإعجاب بنفسه بل يخشى من سيئاته ألا تغفر ويخاف على حسناته ألا تقبل وفي هذا المجال نورد الحديث التالي ( عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية { والذين يؤتون ما آءتو وقلوبهم وجلة }
قالت عائشة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات )
وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه خرج يوما إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد معاذ بن جبل قاعدا عند قبر النبي صلى الله عليه مسلم يبكى فقال ما يبكيك ؟ قال يبكيني شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( أن يسير الرياء شرك وأن من عادى لله وليا فقد بارز الله بالمحاربة و أن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإن حضروا لم يدعوا ولم يعر فوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة ).
* والأخ العامل في حقل الدعوة يتعرض إلى مواقف وفتن وامتحانات من خارج الصف ومن داخله وهنا يكون الإخلاص لله له دوره الفعال في النجاة منها والتغلب عليها ويكون الاحتساب عند الله وعدم بروز هوى النفس من ألزم الأدواء في هذه الأحوال
- وفي مجال العمل الجماعي قد يطلب من الأخ تقدم إلى موقع أو تأخر عن موقع فلا يجوز أن يترك ذلك في نفسه غرورا إذا تقدم ولا تبرما إذا تأخر لأنه في كلا الحالين إنما يعمل خالصا لله مبتغيا الأجر والثواب من عند الله
ونزيد على ذلك بأن نقول أن الأخ إذا وجد من هو خيراً منه فيتحمل تبعته تنحى له راضيا وقدمه على نفسه طائعا متمنيا له التوفيق.
والأصل في العمل الجماعي أن يروض كل أخ نفسه لتبادل المواقع مع إخوانه حسب المصلحة وما تقتضيه الظروف ورضى الله عن خالد بن الوليد الذي عزل عن إدارة الجيش وهو القائد المظفر وعمل تحت قيادة أبى عبيدة رضى الله عنه دون تردد أو ضجر
والأخ المسلم المخلص لربه لا تفتر همته في بذل الجهد ومواصلة السير على الطريق ولو لم تظهر له النتائج المبشرة بالنصر فالمطلوب منه العمل وبذل الجهد كله دون تقصير مع إخلاص النية أما النتائج فالله سبحانه هو الذي يرتب لها ويختار لها الوقت المناسب.
وكلما خلصت النوايا من الأغراض الدنيوية قوى الحب والتلاحم والتعاون والفداء بين الإخوان ويصدق فيهم قول الله تعالى { أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص }.
ويصدق عليهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) في حين أن الشوائب التي تشوب الإخلاص تكون بمثابة الفواصل العازلة التي تحول دون قوة الصف وتلاحمه وتساعد على الفرقة والاختلاف وربما إلى التنازع والفشل
بهذا العرض الموجز نجد أن الإخلاص من ألزم مقومات رجل العقيدة على طريق الدعوة فنسأل الله أن يرزقنا الإخلاص الخالص من أي شائبة وأن تظل مخلصين صادقين حتى نلقاه غير مبدلين ولا مغيرين ولا فاتنين ولا مفتونين آمين.
* ومن مقومات رجل العقيدة أن يكون متجردا لدعوته يقول الإمام الشهيد : وأريد بالتجرد أن تتخلص لفكرتك عما سواها من المبادئ والأشخاص لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة } { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم أنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده }.
إذا استحوذت فكرة على إنسان واطمأن إليه سخر لها كل ما في وسعه من وقت وجهد وطاقة ومال وغير ذلك ولا يصدر منه قول أو فعل إلا كان من وحي تلك الفكرة فهل هناك أسمى وأعلى وأجمع من هذا الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده والذي به تتحقق للإنسان السعادة والعزة والسيادة في الدنيا والنعيم الخالد والنجاة من النار في الآخرة ؟ فواجب الأخ المسلم رجل العقيدة أن يتجرد لدعوته وأن يعطيها كل ولائه وألا يتخلى عنها تحت أي ضغط أو إغراء فلا شئ يعدلها أبدا وعليه أن يجعلها رائده في كل أمر من أموره العامة والخاصة وهي التي تحدد علاقاته بالغير وحول هذا المعنى يقول الإمام الشهيد : والناس عند الأخ الصادق واحد من ستة أصناف : مسلم مجاهد أو مسلم قاعد أو مسلم آثم أو ذمي معاهد أو محايد أو محارب ولكل حكمه في ميزان الإسلام وفي حدود هذه الأقسام توزن الأشخاص والهيئات ويكون الولاء والعداء .
ورجل العقيدة في مجال الدعوة يتعرض إلى فتن وابتلاءات وإلى ضغوط وإغراءات يمتحن بها تجرده لدعوته بأن يتمسك بها ويظل ولاؤه لها أو أن يتخلى عنها مؤثرا غيرها عليها والآية الكريمة التي أوردها الإمام الشهيد عندما تحدث عن التجرد تضرب لنا المثل بسيدنا إبراهيم عليه السلام ومن معه كيف تبرءوا من قومهم وأصنامهم وفيهم الآباء والأبناء والعشيرة
وكذا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان ولاء المسلمين لدينهم ولو أدى إلى مفاصلة آبائهم أو أبنائهم أو عشيرتهم وأموالهم وديارهم .
وعلى طريق الدعوة في عصرنا هذا تعرض الإخوان إلى إيذاء وسجن تعذيب وقتل وإلى ضغوط شتى لصرفهم عن دعوتهم وعن ولائهم لجماعتهم وقيادتهم كان يطلب منهم وهم في السجون إرسال برقيات تأييد لظالمهم ومعذبهم ويضمنونها تخليا عن الجماعة مقابل الإفراج عنهم وعدم قضاء عقوبتهم ورغم ذلك لم يستجب لتلك الضغوط إلا قلة قليلة أما الغالبية فقد ظلت محافظة على تمسكها وولائها لدعوته حتى أن البعض منهم مكث في السجن عشرين سنة متصلة دون أن تلين لهم قناة ودون أن يهتز تجردهم لدعوتهم وولائهم لقيادتهم .
وفيا لعهده ... ثابتا على الطريق ... منظما في شئونه
{ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما }
هذه الدرجة العالية من بين المؤمنين بسبب صدقهم ووفائهم لما عاهدوا الله عليه دون تبديل أو تغيير ويقابلها النفاق الذي من آياته خلف الوعد والعهد .
وعلى طريق الدعوة يتعرض سالكه إلى فتن ومحن وابتلاءات تحتاج منه إلى الإيمان الصادق والعزيمة القوية والجهاد والتضحية السخية وما أحوجنا إلى التذكير بأقوال للإمام الشهيد حول طريق الدعوة وما يحتاج من إعداد النفوس وبناء الرجال يقول الإمام الشهيد ( الأمم المجاهدة التي تواجه نهضة جديدة وتجتاز دور انتقال خطير وتريد أن تبنى حياتها المستقبلة على أساس متين يضمن للجيل الناشئ الرفاهية والهناء وتطالب بحق مسلوب وعز مغصوب في مسيس الحاجة إلى بناء النفوس وتشييد الأخلاق وطبع أبنائها على خلق الرجولة الصحيحة حتى يصمدوا لما يقف في طريقهم من عقبات ويتغلبوا على ما يعترضهم من مصاعب )
ثم يقول ( وأن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا وتنهض لمهمة كمهمتنا وتواجه واجبات كتلك التي نواجهها لا ينفعها أن تتسلى بالمسكنات أو تتعلل بالآمال والأماني وإنما عليها أن تعد نفسها لكفاح طويل عنيف وصراع قوى شديد بين الحق والباطل وبين النافع والضار وبين صاحب الحق وغاصبه وسالك الطريق وناكبه وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين وأن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجهد والجهد هو التعب والعناء وليس مع الجهاد راحة حتى يضع النضال أوزاره وعند الصباح يحمد القوم السرى) ( وليس للأمة عدة في هذه السبيل الموحشة إلا النفس المؤمنة والعزيمة القوية الصادقة والسخاء بالتضحيات والإقدام عند الملمات وبغير ذلك تغلب على أمرها ويكون الفشل حليف أبنائها )
هكذا نرى أن الإمام الشهيد حينما حدد الهدف العظيم الذي أملته طبيعة المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية بعد إسقاط الدولة والخلافة فأنشأ جماعة الإخوان المسلمين لإعادة الدولة والخلافة وعلم أن الطريق طويل وشاق وأن هذه الهدف لا بد من العمل الجماعي المنظم ولا بد له من إعداد الأفراد بالتربية كما وضع النظم واللوائح التي تنظم العمل والشروط اللازمة والضمانات هي أركان البيعة ليكون الأخوة حراسا أمناء عليها من أي تبديل أو تغيير وفاء لبيعتهم لذلك لزم لرجل العقيدة على طريق الدعوة أن يكون وفيا لعهده مبصرا لطريقه عالما بما فيه من عقبات ومحن وما يحتاجه من إخلاص وتضحية وجهاد وثقة وثبات وصدق الله العظيم { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما}
وآيات القرآن التي تحث المؤمنين على الوفاء بالعهود وعدم نقضها كثيرة نذكر منها قوله تعالى فأول سورة المائدة { يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } وقوله تعالى في سور ة الرعد { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق } قوله تعالى في سورة النحل : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون } .
فالوفاء بالعهد لازم لضمان وحدة الفهم الذي يجمع الكلمة ويوحد الصف وضمان لتوفير الإخلاص وللجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ولمواصلة السير في تضحية وثبات مع توفير الأخوة والثقة وفي السيرة العطرة صور طيبة لمن صدقوا ما عاهدوا الله عليه فصدقهم الله ونصرهم على أعدائهم.
* والثبات على طريق الدعوة : - من المقومات الأساسية لرجل العقيدة وقد قال الإمام الشهيد عندما تحدث عن الثبات ضمن أركان البيعة ( وأريد بالثبات أن يظل الأخ عاملا مجاهدا في سبيل غايته مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا }
والوقت عندنا جزء من العلاج والطريق طويلة المدى بعيدة المراحل كثيرة العقبات ولكنها وحدها التي تؤدى إلى المقصود مع عظيم الأجر وجميل المثوبة وذلك أن كل وسيلة من وسائلنا الست تحتاج إلى حسن الإعداد وتحين الفرص ودقة الإنفاذ وكل ذلك مرهون بوقته { ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا } لقد أوضح لنا الإمام الشهيد أننا سنلقى خصومة من كثير من الأعداء وأننا سنتعرض للاعتقال والتشريد وتفتيش البيوت ومصادرة الأموال وذلك قبل أن يحدث شئ من ذلك بسنوات
وهذا التوضيح المسبق لطريق الدعوة كان لازما لتوطين النفس وتهيئتها لمواجهة هذه المحن بعزم صادق ويقين بأن هذه المحن هي سنة الله في الدعوات الحقة وقال لنا الإمام الشهيد أنه عندما يحدث لنا ذلك نكون قد بدأنا نسلك سبيل أصحاب الدعوات وأنه قد يطول بكم هذا الامتحان فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله ؟وقد خبرنا طريق الدعوة وأثناء المحن والفتن قعد البعض أمام بعض العقبات كما انحرف البعض عن الطريق ولكن كان الثبات أمرا هاما وخاصة أثناء المحن وعند الجهاد وملاقاة الأعداء وفي قصة طالوت وجالوت خير مثال لتخطى العقبات وضرورة الثبات ومواصلة السير وعند مواجهة العدو سألوا الله الصبر والثبات { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله }
*وعلينا أن نسأل الله دائما وأبدا الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد فيا مقلّöب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة }
ولا شك أن الإيمان الصادق هو خير عون لصاحبة في الصبر وتخطى العقبات وهو الذي يعين صاحبه على مواصلة السير على الطريق مهما طال وقته وكثرت عقباته فما عند الله خير وأبقى
* كما أن رابطة الأخوة في الله على طريق الدعوة تعين سالكي الطريق والذكرى التي تنفع المؤمنين والمرء كثير بإخوانه وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر وهم يعذبون فيقول لهم ( صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) وكان يبشر المؤمنين بأن الله ناصر دينه ومتم نوره ولكنهم يستعجلون
* وفي عصرنا هذا تعرض الإخوان وغيرهم من الدعاة إلى الله إلى محن شديدة وإلى تعذيب وقتل ولكن الله صبرهم وثبتهم وانتشرت دعوتهم حتى عمت أقطارا كثيرة وما هذه الصحوة الإسلامية إلا ثمرة من ثمار هذا الصبر وهذا الثبات ونحسب أن هذه الصحوة ستؤتى ثمارها الطبية بإذن ربها
منظم في شئونه :
* وعلى الأخ رجل العقيدة أن يكون منظما في شئونه : فهذه النعم التي أنعم الله علينا بها من وقت وصحة ومال وعلم وغير ذلك تستلزم أن نقدرها حق قدرها وأن نحسن استغلالها ولا تضيع سدى ولن يكون ذلك إلا بالدقة والتنظيم لهذه الشئون خاصة وأن الواجبات أكثر من الأوقات وإذا لم يكن الأخ منظما سيفقد الكثير من وقته وجهده وكذلك الشئون المالية يراعى التوزيع الحسن لها الأهم فالمهم وباقي أموره يجب أن تكون منظمة بعيدة عن الفوضى والارتجال فهذا يوفر عليه الكثير من وقته وماله وجهده هكذا الأخ منظما في كل شئونه في بيته وعمله ومكتبه وكل شئونه .
محباً لإخوانه واثقاً من طريقه :
الأخوة في الله نعمة كبرى بعد نعمة الإسلام ذكر الله لنا ذلك في قوله تعالى { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } ويقول تعالى منفرا من الفرقة { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } ويقول تعالى { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } فالأخوة والوحدة رمزا الإيمان والقوة والتفرق والتنازع رمزا الفشل والكفر فالحب والأخوة في الله بين قلوب المؤمنين العاملين في حقل الدعوة وعلى طريق واحد هو أقوى الروابط يجمع العاملين في صف واحد يشد بعضه بعضا كل يفتدى أخاه بنفسه ويؤثره على نفسه وهم على طريق الدعوة وفي ميادين الجهاد كالبنيان المرصوص لا ينفذ العدو بينهم . هكذا كان المسلمون الأول وكان المهاجرون والأنصار وتحكي لنا السيرة العطرة عندما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار كيف كان الأنصار يؤثر أخاه المهاجرى على نفسه وسجل لهم القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى { والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}
وهكذا أعدهم الله على يد رسوله صلى الله عليه وسلم بقوة الإيمان أولا ثم بقوة الحب والوحدة ثانيا استعدادا لمرحلة الجهاد والدفاع عن الإسلام الذي يستلزم التضحية بالنفس والمال وإيثار ما عند الله ويستلزم تلاحم الصفوف في مواجهة الأعداء { أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } وهكذا اقتبس الإمام الشهيد حسن البنا هذا الطريق من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فركز على قضية الإيمان واهتم كثيرا بالتربية وإعداد الفرد المسلم ثم اهتم بقضية الحب والأخوة وجعلها ركنا من أركان البيعة وجعل أدنى مراتبها سلامة الصدر وأعلاها الإيثار وسمى الجماعة( الإخوان المسلمون ) لتحمل معنى الأخوة مع الإسلام وهيأ النفوس للجهاد في سبيل الله وضرب المثل في ذلك عمليا في حرب فلسطين وكانوا مثالا رائعا في الفداء والتضحية مما أزعج الصهاينة إزعاجا شديدا لذلك نجده رضوان الله عليه يقول تحت عنوان الأخوة عند ذكره لأركان البيعة في رسالة التعاليم : وأريد بالأخوة أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة والعقيدة أوثق الروابط وأعلاها والأخوة أخوة الإيمان والتفرق أخو الكفر وأول القوة قوة الوحدة ولا وحدة بغير حب وأقل الحب سلامة الصدر وأعلاه الإيثار { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية والمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } وهكذا يجب أن نكون ورسولنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يربط الإيمان بالحب فيقول ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ويقول ( لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا إلا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ) لقد تذوقنا حلاوة هذه النعمة نعمة الأخوة في الله في أوقات الشدة وأوقات العافية أثناء المحن والابتلاءات والإعنات في السجون والمعتقلات فكان الحب والأخوة بعد الإيمان والصبر خير دواء وراحة في هذا الجو من الإيذاء والتعذيب ثم إن الأخ إذا لقي أخا له في الله في أي بلد أثناء سفره كان له كالواحة الخضراء وسط الصحراء خاصة في بلاد الكفر حقا أنها نعمة من الله وقد قرأت أن أحد أصحاب الملايين مات منتحرا وكتب خطابا ذكر فيه أن كل من يتصلون به إنما طمعا في ماله فلم يشعر بأنس مع أحد منهم وشعر بوحشة وضاقت به الحياة فانتحر
هكذا لم يستطع بماله أن يكسب صديقا خالصا ولكن الشيطان وأعوانه من الجن والإنس يغيظهم أن يجدوا أبناء الدعوة متحابين مؤتلفين فيحاولون النزغ بينهم والتحريش فيما بينهم وقد حذر الله المؤمنين من ذلك بقوله تعالى {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزع بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا }. وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمور التي نتعامل فيما بيننا بها لنحمى هذا الحب وتلك الأخوة من أن ينال منها الشيطان وأعوانه .فدعانا إلى إلقاء السلام كلما التقينا .ودعانا إلى التبسم في وجوه بعض وأن نشمت العاطس .ونعود المريض .ونعين المحتاج وحتى إذا أخطأ أحدنا وجهنا إلى أسلوب التوجيه كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم يما لا يسىء إلى مشاعر أحد فيقول ((ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا )).وقد أرشدنا بعض الأئمة الفضلاء إلى حكم طيبة في كيفية أداء النصيحة وكيفية استقبالها .فيقول أحدهم ((أد النصيحة على أكمل وجه واقبلها على أي وجه ))ويقول الآخر ((من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ومن وعظ أخاه علانية فقد فضحه وشانه )).فليحرص كل منا على أخوته وحبه لإخوانه من أن ينال منها أحد .وإذا حاك في صدره شئ من أخيه فعليه أن يتبينه فربما كان هناك لبس أو خطأ في فهم وليقبل منه عذره إن اعتذر وصدق الله العظيم { وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم }. فمن غفر لأخيه وعفا عنه عفا الله عنه .فلا يجوز لأخ أن يبقى وصدره غير سليم نحو أحد من إخوانه وإلاعرَّض نفسه للنكث في بيعته في ركن الأخوة .ولنحرص على تمثل صفات المؤمنين مثل قوله تعالى {رحماء بينهم }.{أذلة على المؤمنين }.{والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين }.
إن رجل العقيدة على طريق الدعوة لابد أن يكون واثقا في طريق الدعوة :منهجا وقيادة وأفراد كي ينطلق في عمله بكل طاقاته دون ما تردد أو تشك في صحة ما يقوم به وعدم مخالفته لشريعة الله .
يجب أن يكون واثقا من أنه يسير على الطريق الصحيح في مجال عمله الإسلامي والذي توجبه عليه طبيعة المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية بعد سقوط الخلافة وما يوجبه الإسلام على كل مسلم ومسلمة من العمل لإعادة الدولة الإسلامية العالمية والخلافة الإسلامية .وأن يكون واثقا من المنهج الذي تسير عليه الجماعة لتحقيق هذا الهدف الواجب والذي يطلق نفس المنهج الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامته للدولة الإسلامية الأولى والمؤسس على قوة العقيدة وقوة الوحدة ثم قوة الساعد والسلاح حينما لا يجدي غيرها .على رجل العقيدة على طريق الدعوة أن يثق ويطمئن إلى هذا المنهاج بأنه سيحقق الهدف بإذن الله وإن كان طويلا بعض الشيء فإن سنة الله لا تتبدل في هذا الصراع بين الحق والباطل مهما انتفش الباطل :{كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال }.{بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق }. فرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن معه غير فئة قليلة من المؤمنين في مكة وحوله المشركين واليهود والفرس والروم ولكنه بسيره هو وصحابته على الطريق الصحيح أيدهم الله ونصرهم وتطهرت الجزيرة من الشرك وأجلى اليهود وفتحت الفرس وقامت دولة الإسلام وانتشر سلطانها وتبدد الظلام وعم النور .واليوم يتعرض الإسلام والمسلمون إلى حملات وتحديات من قوى الباطل بكل أسلحتها الحديثة ولكن لن تفرعنا تلك الحملات بل تدفعنا إلى التزام الصراط المستقيم وشريعة الله ولكي نكون أهلا لنصر الله وكلنا ثقة أن الله يحقق وعده بالنصر والتمكين لعبادة المستضعفين إذا ساروا على طريق الدعوة الصحيح :{ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين }.
وعلى رجل العقيدة أن يثق في قيادته أنها تتحرى شرع الله في كل تصرفاتها ومواقفها وليعلم أنه لا جماعة بدون قيادة ولا قيادة إلا ولها حق الطاعة من الأفراد في غير معصية ويجب أن يتبادلوا الثقة بين القيادة والأفراد والتعاون على النجاح في الوصول إلى الغاية والتغلب على ما يعترضها من عقبات.