قد يقال: أين جهاد العلماء في مقاومة هذه الفوضى؟ والجواب يقتضينا شيئًا من التفصيل، فإن أصحاب العقول الكبيرة والهمم البعيدة حاربهم الاستبداد السياسي، وفض مجامعهم، فضاقت الدائرة التي يعملون فيها، وتضاءل الأثر الذي يرتقب منهم..
والمرء لا يسعه إلا الحزن لمصائر قادة الفكر الديني الذين قتلوا أو أُهينوا وحيل بينهم وبين نفع الجماهير..
ومع غياب هؤلاء انفسح المجال لعارضي الأحاديث الذين يخبطون في السنة الشريفة خبط عشواء..ولفقهاء الفروع الذين خدعوا العوام بسلعهم، وأوهموهم أنهم يشرحون لباب الدين وشعب الإيمان الكبرى، وهم في الحقيقة يذكرون تفاصيل ثانوية يكثر فيها لأخذ والرد، ولا تمس جوهر العقيدة أو الشريعة.
إن الأحاديث الشريفة –بعد تمحيص سندها- تحتاج إلى الفقيه الذي يضعها في الإطار العام للإسلام الحنيف، ولكن جاء ناس يروون للعامة –مثلا- حديث الترمذي عن أبي هريرة قال رسول الله (ص): "يَدخُلُ الفُقَرَاءُ الجَنَّةَ قَبلَ الأَغنöيَاءö بöخَمسöمَائةَ عَامٍ" أو حديث أبى داود عن أبى سعيد قال: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين –وإن بعضهم ليستتر ببعض من العرى- وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله (ص) فقام علينا، فسكت القارئ، فقال: "ما كنتم تصنعون؟" قلنا: كان قارئ يقرأُ علينا نستمع كتاب ربنا، فقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أُمرت أن أصبر نفسي معهم" وجلس وسطنا ليعدل نفسه بنا.
ثم قال بيده هكذا –يعني أمرهم أن يصنعوا دائرة- فتحلقوا وبرزت وجوههم، فما رأيت رسول الله عرف منهم أحدا غيري!! ثم قال: "أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بخمسمائة سنة".
بديه أن هذه الأحاديث للمواساة والبشرى، ولا تعني أبدًا أن الغني عيب، وأن الثراء يؤخر المنزلة.
بيد أن جهلة المحدثين أرادوا إقامة مجتمع من الصعاليك ورووا آثارًا تجعل عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوًا!
وهذه بلاهة منكورة، فإن المال قوام الحياة وأساس الدولة، وكافل المؤسسات المدنية والعسكرية، وعبدالرحمن بن عوف هو بنص القرآن من السابقين الأولين، الذين حازوا الرضوان الأعلى، وبُشروا قبل غيرهم بالجنة..
وتحبيب الفقر للناس كما يفعل أولئك المحدثون القاصرون جريمة.
فإذا انضم إلى هذا أن العرب يحتقرون الحرف –تمشيًا مع جاهليتهم الأولى- ويفضلون عليها الفقر عرفت أي مجتمع تصنعه هذه التعاليم.
والغريب أن هذه الأحاديث كانت تروى وفي الأمة الإسلامية طبقات انتفخت من السحت.
وبدلا من تقويم عوجها بالآيات والسنن الصحاح، انتشرت هذه المرويات، وانتشر مثلها في ميادين كثيرة، مما بلبل المجتمع وكاد يفقده وعيه..!