* بقي – مما يريب أوربا من الإسلام- أمر المرأة!
فقد زعم الزاعمون أن الإسلام يهينها وينتقص إنسانيتها، والحق أن تعاليم الإسلام المستفادة من كتابه وسنة رسوله وتطبيق السلف الأول لا يمكن أن ترفضها الغربيات الواعيات.
حتى تعدد الزوجات! فإني رأيت في حديث بعض النسوة الألمانيات أن التعدد أفضل وأشرف من المخادنة، وكاد الألمان في أعقاب الحرب العالمية الثانية يصدرون تشريعات تبيح التعدد لمعالجة الزيادة الهائلة في عدد النساء! غير أن الكنيسة تدخلت معترضة فوقف التشريع!.
والنساء العاقلات يرين أن كفالة الآباء والأزواج للمرأة أفضل وأشرف من مطالبتها بالإنفاق على نفسها منذ أن تبلغ سن النضج، أو بعد ذلك!
إن المرأة تتعرض لبلاء مثير في طلبها للرزق، وانطلاقها للكدح في أرجاء الأرض..!
وما ركبت طائرة يومًا إلا ونظرت للفتيان العاملات نظرة أسف، وقلت في نفسي: لماذا لا يخدمنا رجال بدل هؤلاء الفتيات؟ إنهن يقمن بعمل شاق، ويتنقلن بين العواصم المتباعدة، ويبتن بعيدًا عن أهلهن!، إن اختيار النساء لهذه الأعمال ليس دلالة إنسانية، بل هو أقرب إلى المسالك الحيوانية، وإن حملن اسم "مضيفات". إن الإسلام يعلو بالمرأة فوق هذا المستوى!
بيد أن نساء كثيرات يفزعن من "التقاليد الإسلامية" التي يسمعن عنها، أو يعرفن نماذج لها في شتى الأقطار الإسلامية..ولست أدافع عن هذه التقاليد أو أرتضيها!
إن كل امرأة تتبع دينًا من الأديان يتاح لها أن تذهب إلى معبدها، أما المرأة المسلمة وحدها فمحظور عليها أن تدخل المسجد، لأن التقاليد فرضت عليها ألا تشارك في جماعة! وعشرات الألوف، بل مئات الألوف من المساجد لا يلمح فيها شبح امرأة في القرى والمدن!
كيف وقع هذا، مع أن الصحابيات ما انقطعن عن المسجد النبوي يومًا، ولا خلت صفوف النساء منهن على عهد النبوة والخلافة الراشدة.
إن الإسلام شيء، واتجاهات الناس في معاملة المرأة شيء آخر، ولا ريب أن ذلك يسيء إلى الإسلام، ولعله يوقف رسالته في هذا العصر!
* كنت أقرأ في حياة "أسامة بن منقذ" وهو شاب صاحب بطولات باهرة في قتال الصليبيين وعصابات الحشاشين وفرق الباطنية التي ظهرت في القرن الخامس الهجري، ويبدو من سيرته أنه صاحب مغامرات وبأس، وكان لأسرته حصن في ضواحي "حماة" يأوون إليه ويحتمون به.
خرج أسامة هذا في إحدى المعارك وتغيّب عن الحصن طويلا تاركًا أمه وأخته، فماذا حدث بعده؟ فرقت الأم السيوف على المقاتلين الذين انبثوا بعيدًا للدفاع، ثم جاءت الأخت وأمرتها أن ترتدي ملابسها، ثم أجلستها في شرفة تطل على واد سحيق! وأخذت الأم مكانها قريبًا من الباب ترقب الموقف وتنظر ما يكون!
وعاد أسامة إلى الحصن بعدما أدى واجبه، ومد بصره ليرى أسلحته فلم يجدها فقال لأمه: أين السيوف؟ قالت: أعطيتها من يقاتل عنا، وما ظننتك سالمًا!
ورمق أخته جالسة على شفا الوادي، فتساءل: أختي، أي شيء تفعل هنا؟ قالت الأم: أجلستها في الشرفة، وجلست بمرأى منها حتى إذا وصل العدو إلينا دفعت بها في أعماق الوادي، لأن تموت خير من أن تقع أسيرة بين هؤلاء الكفار، قال أسامة بن منقذ: فشكرت أمي على حسن تصرفها، وتقدمت الأخت إلى أمها بالشكر قائلة لها: جزاك الله خيرًا..!!
غصت في لجة من الذكريات وأنا أطالع هذه القصة، الأم تريد إراحة نفسها وابنتها والأسرة من عار الأسر بالموت في هاوية سحيقة، والابن يشكر، والبنت توافق راضية! وتذكرت قول الشاعر:
تبغي حياتي وأبغي موتها شفقًا والموت أكرم نزال على الحرم!!
هذه مكانة الشرف في حياتنا وتاريخنا، وهي مكانة ينبغي أن نحافظ عليها، لكن لماذا لم تدرب هذه الأخت النبيلة على الكفاح لتكون كصفية بنت عبدالمطلب التي نزلت من الحصن وقتلت يهوديًا كان يطيف به، وتركت تجريده من سلاحه لحسان بن ثابت، لأنها استحت من تجريد رجل قتيل!!
إن المرأة ينبغي أن تجيد القتال دفاعًا عن الأرض والعرض والدين والدنيا!!.
إننا أهملنا ذلك كما أهملنا ربطها بشعائر المسجد!!
ولست أدعو إلى تجنيد النساء، وإن فعل ذلك الآن بنو إسرائيل استعدادًا ليوم ما معنا! فإن الألوف المؤلفة من الرجال لم تؤد هذا الواجب بعد، وإنما ألفت النظر إلى تفاوت بين ديننا وحياتنا، وربما يؤثر في مسيرته أو ينال من دعوته، أو يجعل البعض يتهم الإسلام باحتقار المرأة.