النصرانية التي جاء بها عيسى بن مريم ديانة جليلة القدر، طيبة الثمر، إلا أنها رسالة محدودة في مساحتها المعنوية والمادية، فهي مقصورة على شعب إسرائيل، مختصة بمعالجة العلل التي شاعت بين أولئك الناس وحدهم.
وما تزيد في مساحتها عن رسالة زكريا وابنه يحيى، أو رسالة داود وابنه سليمان، وإن كان عيسى –عليه السلام- يرجحهم في معاناته وجلادته ومزيد من الحكمة في معاملة اليهود!!
والنصرانية النازلة من السماء تتسق مع ما قبلها وما بعدها من رسالات الله، أي أنها قائمة على الإيمان بالله وحده، ومنبهة إلى أن الساعة حق، وإن كل امرئ –عند لقاء الله- مسئول برأسه عن نفسه: (وَاخشَوا يَومًا لاَّ يَجزöى وَالöدُ عَن وَلَدöهö شَيئًا) (لقمان:33)
1 - معالم النصرانية نبتت فى الأرض بعيدا عن وحى السماء
- ولم يقع قط من بدء الخلق أن نبيّا جاء من عند الله، فيذكر أن الآلهة ثلاثة،
ولم يقع قط من بدء الخلق أن نبيّا جاء فزعم أن فلانًا قُتل ليحمل خطايا أبناء آدم
حتى الأنبياء الذين ذكروا في العهد القديم عاشوا وماتوا وما يعرف أحدهم شيئًا عن الثالوث والفداء!.
والحق أن معالم الصليبية التي تكونت في العصور الأولى للتاريخ الشمسي نبتت من الأرض، ولا علاقة لها بوحي!.
وما يدري آدم ولا نوح إبراهيم شيئًا عنها، وقد نفاها النبي الخاتم، وبيّن أنها شيء يغاير كل المغايرة رسالة عيسى عليه السلام!.
وعيسى – وإن أُوتي الإنجيل- إلا أنه لم يزد عن أنبياء بني إسرائيل في سياسته العامة فهو مكلف بتنفيذ التوراة، مع بعض التيسيرات التي لا تنقص الأساس، ولا يخرج بها عن نطاق الشعب الغليظ الرقبة،
نعم..هو مكلف بهداية أولئك وحدهم!!.
وقد تدبرت قصص القرآن الكريم فوجدته –في أغلب السور- يكتفي بذكر النبي الأول، أو الأهمّ لبني إسرائيل أعني موسى ويستغني به عن سائر النبوات اليهودية!. ففي سور: الأعراف وهود والشعراء والقمر، وفي سورة الكهف والإسراء والذاريات، لم يُذكر عيسى وقومه، كما ذُكر نوح وقومه وهود وقومه استغناء بذكر إسرائيل في إيجاز وإطناب..
لقد ذُكر موسى نحو ثلاثين ومائة مرة!. أما عيسى فقد ذُكر دون ذلك بكثير، وليس ذلك غضّا من شأنه، فكلا الرجلين من الرسل أُولي العزم، وإنما الذي لفت نظري أن أُمة عيسى طويت في الكيان الإسرائيلي لأنها جزء منه، ثم يجيء الكلام بعد شعيب ومدين عن موسى والفراعنة، أو عن موسى وقومه إجمالا..
وينتقل الحديث بعد ذلك إلى الرسالة الخاتمة، طاويًا الأجيال والرجال، وكما طوى اسم عيسى طوى اسم الإنجيل، لأن الإنجيل في حقيقته كتاب ملحق بالتوراة مؤكد لعقائدها وشرائعها، فلا غرابة في الاستغناء بالأصل عن الملحق،
وتلمح هذا في قوله –تعالى- على لسان الجن: (إöنَّا سَمöعنَا كöتابًا أُنزöلَ مöن بَعدö مُوسَى مُصَدöّقًا لöّما بَينَ يَدَيهö يَهدöي إöلَى الحَقöّ وَإöلَى طَرöيقٍ مُّستَقöيمٍ(30) يَاقَومَنَا أَجöيبُواْ دَاعöيَ اللهö وَءَامöنُواْ بöهö) (الأحقاف:30-31) وهذا التعبير واضح في ذكر القرآن بعد التوراة.
وفي موضع آخر تقرأ قوله تعالى: (وَلَقَد ءَاتَينَا بَنيö إöسرَاءöيلَ الكöتَابَ وَالحُكمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقنَاهُم مöّن الطَّيöّبَاتö) (الجاثية:16)
ثم يمتد السياق مباشرة متخطيًا القرون ليقول:
(ثُمَّ جَعَلنَاكَ عَلَى شَرöيعَةٍ مöّنَ الأَمرö فَاتَّبöعهَا وَلاَ تَتَّبöع أَهوَاءً الَّذيöنَ لاَ يَعلَموُنَ) (الجاثية:18)
وتتضح الصورة أكثر وأكثر عندما يتحدث القرآن عن حياة موسى حديثًا مستفيضًا يستغرق النصف الأول من سورة القصص، ثم يعقب على ذلك بقوله: (وَلَقَد ءَاتَينَا مُوسَى الكöتَابَ مöن بَعدö مَا أَهلَكنَا القُرُونَ الأُولَى بَصَائöرَ لöلنَّاسö وَهُدىٍ وَرَحمَةٍ لَّعَلَّهُم يَتَذَكَّروُنَ) (القصص:43)
- والقرون الهالكة هي قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأهل مَدْيَنَ وغيرهم..ثم يختار الله نبيه موسى ليُنزّöل عليه التوراة فيها هدى ونور، ولعل حملتها يؤدن حقها ويعبدون ربهم على سناها.
وبعد تلك الإلماحة التاريخية يقول الله لنبيه محمد(صلى الله عليه وسلم): (وَمَا كُنتَ بöجَانöب الغَربöّي إöذ قَضَينَا إöلَى مُوسَى الأَمرَ وَمَا كُنتَ مöنَ الشَّاهöدöينَ(44) وَلَكöنَّا أَنشَأنَا قُروُنًا فَتَطَاَوَلَ عَلَيهöمُ العُمُرُ) (القصص:44)
وهذه القرون هي التي توارثت التوراة وأساءت العمل بها، لأن قلبها –تراخى الزمان قسا، وعزمها وهي! واحتاج إصلاح الأرض إلى نبوة جديدة وكتاب أوثق وأعمق، فاختار الله محمدًا ليقيم ما اعوج من شئون الناس، وليعيد الدين إلى قواعده التي زاغ عنها، قال تعالى: (وُمَا كُنتَ بöجَانöبö الطُّورö إöذ نَادَينَا وَلَكöن رَّحمَةً مöّن رَّبöّكَ لöتُنذöرَ قَومًا مَّا أَتَاهُم مöّن نَّذöيرٍ مöّن قَبلöكَ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ) (القصص:46)
إن الإنجيل لم يرج له ذكر هنا، لأن أصل الشرائع في التوراة لا في الإنجيل، ولأن موسى هو كبير أنبياء بني إسرائيل، وصاحب الجهد الهائل في استنقاذهم وتربيتهم.
وقد ظل كتابه كذلك حتى نزل القرآن الكريم، فهيمن على التوراة والإنجيل معًا، بل نقى الوحي كله مما عراه في سيره الطويل.
- إن قصة مريم وابنها عيسى –عليه السلام- في القرآن الكريم ذكرت بقدر من التحقيق والتصحيح في سياق الكلام عن بني إسرائيل أنفسهم، وعن عبثهم بالمواثيق التي أُخذت عليهم، وعن جمعهم بين المعصية والإصرار أو الجهل والكبرياء.
وفي هذا السياق من التقريع لليهود والتشنيع على مخازيهم أثبت القرآن الكريم أطرافًا من حياة عيسى وأُمه، فنفى أن تكون مريم البتول زانية، وأنكر ذلك بغضب، ونفى أن يكون عيسى قد صلبه اليهود، وأظهر أن ذلك إشاعة لا نصيب لها من الصحة، وأن الله سبحانه لم يمكن اليهود ولا الرومان منه..!!
قال تعالى معنفًا لليهود ومزريا عليهم: (فَبöمَا نَقضöهöم وَكُفرöهöم بآََيَاتö اللهö وَقَتلöهöمُ الأنبöيَاءَ بöغَيرö حَقٍّ وَقَولöهöم قُلُوبُنَا غُلفُ بَل طَبَعَ اللهُ عَليهَا بöكُفرöهöم فَلاَ يُؤمöنُونَ إöلاَّ قَلöيلاً(155) وَبöكُفرöهöم وَقَولöهöم عَلَى مَريَمَ بُهتَانًا عَظöيمًا(156) وَقَولöهöم إöنَّا قَتَلنَا المَسöيحَ عöيسَى ابنَ مَريَمَ رَسُولَ اللهö وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكöن شُبöّهَ لَهُم) (النساء:155-157)
أرأيت كيف تناول القرآن النصرانية ونبيها الكريم؟ إنه تناول مدرج في أثناء الكلام على بني إسرائيل ومخازيهم ولا شبه بينه وبين تناول القرآن الكريم لقصة عاد مثلاً! إذ جاء الحديث مستقلاً واضح البدء والختام..
وهذا الشرح الحاسم لوفاة عيسى بعد ادعاء اليهود أنهم قتلوه، وقع له نظير عند الكلام عن حياة عيسى، أو طريقة وجوده..!
إن عيسى طلب من اليهود أن يؤمنوا به، وبالله الذي بعثه، وأن يحسنوا عبادة الخالق الأعلى قائلا: (إöنَّ اللهَ رَبöّي وَرَبُّكُم فَاعبُدُوهُ هَذَا صöرَاطُ مُّستَقöيم) (آل عمران:51) بيد أن اليهود التووا به، واستعصوا عليه وظهر كفرهم به وبمن أسله: (وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيرُ المَاكöرöينَ) (آل عمران:54) في هذا الجو ظهر الحواريون مصدقين ومؤيدين للرسول الذي جحده قومه، وقالوا: (رَبَّنَا ءَامَنَّا بöمَا أَنزَلتَ وَاتَّبَعنَا الرَّسُولَ فَاكتُبناَ مَعَ الشَّاهöدöينَ) (آل عمران:53)
لقد آمن الحواريون بالله، وبعيسى الذي أرسله داعيًا إلى عبادته وحده، وناعيًا على بني إسرائيل ما يفعلون، هل كون عيسى لا أب له يعني أنه إله؟!
لو كان الأمر كذلك لكان آدم أَولى بالألوهية فإنه لا أب له ولا أم. (إöنَّ مَثَلَ عöيسَى عöندَ اللهö كَمَثَلö ءَادَمَ خَلَقَهُ مöن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (آل عمران:59)
تلك هي النصرانية الصحيحة! وهذه هي مساحتها الروحية والتشريعية! ذلك هو وضع النبي الذي جاء بها وبلغ كتابه، ديانة محدودة الزمان والمكان توافق ما قبلها وتمهد لما بعدها.