ولضيق الأفق أو قصر النظر آثار سيئة وعواقب وخيمة على العاملين ، وعلى العمل الإسلامي وهاك طرفاً منها :
آثار ضيق الأفق على العاملين :
فمن آثار ضيق الأفق أو قصر النظر على العاملين :
1- تبديد الجهود وإهدار الطاقات
فالأثر الأول : تبديد الجهود وإهدار الطاقات في أمور نافعة مفيدة لكنها ثانوية بل هامشية ، وإذا بددت الجهود ، وأهدرت الطاقات في مثل هذه الأمور ، فإن المسلم العامل سيعجز بعد ذلك ويفقد القدرة على مواجهة المهام الجسام ، و التبعات الضخمة .
ولعل هذا الأثر هو المفهوم من توجيه القرآن للمسلمين أول مرة : أن يقيموا الإسلام في أنفسهم وأن يحسنوا الترابط فيما بينهم { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } ، { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ، دون أن يستجيبوا لأي إثارة أو يردوا على أي أذى أو اضطهاد يوجه إليهم من عدوهم :
{ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ... } ، { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين }.
كل هذا من أجل أن تنمو طاقاتهم ، وتتضاعف جهودهم بل ويحتفظ بهذه الجهود وتلك الطاقات لتوجه نحو النافع والمفيد في الوقت المناسب وفي اللحظة المناسبة ، وقد كان ... فإن أولئك الذين جاهدوا أنفسهم وترابطوا فيما بينهم ، وأوذوا فصبروا طوال المرحلة في بدر ، رغم عدم التكافؤ بين الفريقين ، لا في العدد ولا في العدة ، وسجلت لهم صور تدل على مدى امتلائهم وشحنهم من داخلهم ضد أعداء الله وأعدائهم ، ولعل من أبرز هذه الصور ما صنعه بلال بن رباح مع أمية بن خلف ، إذ يقول عبد الرحمن بن عوف :
" كاتبت أمية بن خلف كتاباً بأن يحفظني في صاغيتى ( خاصتى ) بمكة ، وأحفظه في صاغيته بالمدينة ، فلما ذكرت الرحمن ، قال : لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية ، فكاتبته : عبد عمرو ، فلما كان في يوم بدر ، خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس ، فأبصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار فقال : أمية بن خلف ، لا نجوت إن نجا أمية ، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا ، فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم ، فقتلوه ، ثم أتوا حتى يتبعونا ، وكان رجلاً ثقيلاً ، فلما أدركونا قلت له ابرك فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه ، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه.
2- اليأس و القنوط :
والأثر الثاني هو اليأس و القنوط ، وذلك أن ضيق الأفق أو قصر النظر سيواجه في طريقه كثيراً من العقبات و الصعاب ، ولن يستطيع - لضيق أفقه أو لقصر نظره - استيعاب هذه العقبات وتلك الصعاب ، ومحاولة التغلب عليها وتكون النتيجة : اليأس و القنوط ، بله القعود عن أداء الدور والقيام بالواجب ، ولعمري ذلك هو أهم ما يسعى إليه أعداء الله ، ليخلوا لهم الجو ويفسح أمامهم المجال :" خلا لك الجو فبيضي واصفري ".
3- قلة بل تلاشى كسب الأنصار و المؤيدين :
والأثر الثالث إنما هو قلة بل تلاشى كسب الأنصار و المؤيدين ، ذلك أن ضيق الأفق أو قصر النظر نادراً ما يصادفه التوفيق و النجاح ، ومن يفقد التوفيق و النجاح لا يبقى لديه ما يغرى به الناس ، حتى يكسب منهم نصيراً ، أو على الأقل مؤيداً ، و الواقع يؤيد ذلك ، فكم من ضيق أفق أو قصير نظر يعيش ويموت وليس من حوله إلا أفراداً يعدون على الأصابع ، فضلاً عن نفور كثير من الناس منه ، وإعراضهم عنه .
4- الحرمان من التوفيق الإلهي :
والأثر الأخير هو الحرمان من التوفيق الإلهي ، ذلك أن ضيق الأفق أو قصير النظر ، يريد من كل الناس السير وفق تصوره الضيق ورؤيته المحدودة ، ولن يستجيب له الناس ، وحينئذٍ يسلقهم بألسنة حداد ، ويجعل من لحومهم غذاءً شهياً ، وأنى لمن يلغ في أعراض الناس ، ويعيش على لحومهم أن يمنحه ربه توفيقاً أو تأييداً ؟
آثار ضيق الأفق على العمل الإسلامي :
ومن آثار ضيق الأفق أو قصر النظر على العمل الإسلامي :
1- التشويه :
ذلك أن ضيق الأفق وقصر النظر سيوجه العمل الإسلامي إلى علاج المشكلات عن طريق المسكنات دون النظر في الأسباب وبترها من جذورها على النحو الذي ذكرنا آنفا ومثل هذه الأسلوب في العمل غير مجد فضلا عما سيصاحبه من طول الطريق وكثرة التكاليف وحينئذ يجدها أعداء الله فرصه للتشويه وتقديم الإسلام وصورة العمل له على أنهما غير قادرين على مواجهة مشكلات العصر ووضع الحلول المناسبة لها .
(2) المصادرة :
وذلك أن العمل الإسلامي يواجه كثيرا من العقبات والصعاب التي يضعها أعداء الله في طريقه وضيق الأفق أو قصر النظر سيؤدى إلى الصدام بهذه العقبات وتلك الصعاب وعدم القدرة على استيعابها أو تحايل عليها وحينئذ تكون المصادرة وعدم السماح بالاستمرار.
(3) الضرب أو على الأقل الإجهاض :
وذلك أن ضيق الأفق أو قصر النظر سيحرم العمل الإسلامي من الأنصار المؤيدين بل من التوفيق والعون الإلهي ويوم يحرم العمل الإسلامي من ذلك فإنه يسهل على أعداء الله ضربه أو على الأقل إجهاضه والرجوع به إلى الوراء عشرات السنين .