لقد جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مهام الرسل والأنبياء ففي وصف لرسوله صلي الله عليه وسلم يقول الله تعالى { النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } الأعراف 157 .
وقد لعن الله أقواماً من بنى إسرائيل لتخلفهم عن هذه الفريضة فقال الله تعالى { لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل علي لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} المائدة 78، 79 .
لقد حدد النبي صلي الله عليه وسلم وسائل الأمر بالمعروف وبقوله ((من رأي منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )).
ورغم وضوح هذا الحديث وإجماع الأمة علي مفهومه إلا أن فرداً خرج علي المسلمين ببدعة تزعم أن الحديث قد أساء فهمه كثيرون من أصحاب الفكر المتطرف واستخدموا العنف والقوة لإجبار الآخرين علي الانتهاء من المنكر واستشهد بما ورد في كتاب الوهابية حركة الفكر والدولة من وصف لعمل الدولة بقولهم (ننهي عن المنكر ونؤدب الناس عليه ) وقال هذا يصبح دعوة صريحة لإشاعة الفوضى وإثارة الصراعات في الأمة وإسالة دماء المسلمين باسم تغيير المنكر بيده أو بلسانه بأنه أضعف الإيمان فما ذنب المسلم إن كان يواجه قوة عاتية لا يمكن أن يتغلب عليها بيده (ص 108).
هذه الأقوال غير صحيحة والصغير والكبير يدرك أنه لا وجود لها إلا في خيال أصحابها لأسباب أهمها :
أولاً: أن هؤلاء قد ابتدعوا مفهوماً للحديث النبوي ونسبوه زوراً إلى جماهير المسلمين وزعموا أن الدماء تسال يومياً بسبب هذا المفهوم ولم يذكروا أين كان هذا وممن حدث ومتى حدث وليس عندهم من سند سوى ما نقلوه عن أتباع الإمام محمد عبد الوهاب من قولهم : إننا ننهي عن المنكر ونؤدب الناس عليه .
ولا يخفي على أحد أن الذين قالوا إنهم يؤدبون الناس علي ارتكاب المنكر وإنما قالوا ذلك بوصفهم شرطة مدنية أسندت الدولة إليهم هذا الأمر فهم ليسوا أفراداً يمارسون سلطة علي الناس من عند أنفسهم كما أن تأديبهم السفهاء الذين يرتكبون المنكرات جهاراً في الطرقات لم يكن بالقتل وإسالة الدماء بل بإزالة المنكر باليد أو بإحالة المخالف إلى القضاء حسب ظروف كل مخالفة .
ثانيا : أنه لم يقل أحد في الماضي أو الحاضر أن الحديث النبوي يأمر آحاد الناس بإزالة المنكر بالقوة وبإسالة الدماء . يقال أنه يجوز للآحاد إزالة المنكر باليد لمن لهم عليه ولاية كالأب مع ولده .
فهذه السلطة لا تكون إلا للدولة وسلطانها وفي هذا قال الله تعالى { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} الحج 41.
لهذا قال الإمام بن تيمية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن وإقامة الحدود واجبة علي ولاة الأمور وذلك يحصل بالعقوبات).
ثالثا: إن المقدمة الخاطئة التي نسبوها للحديث النبوي وزعموا أنها تخول كل مسلم حق إسالة دم غيره جعلت خيالهم يضع مفهوماً جديداً يرفع به ما ادعوه من تناقضات وإسالة للدماء (ص 11.) فقالوا : تغيير المنكر يحدث من الإنسان لنفسه فله يد علي نفسه فيستطيع أن يستخدم يد القدرة التي منحها الله له ليغير ما يراه في نفسه من منكر فإن لم يستطع أن يغير ما بنفسه بالقوة وبإرادته فعليه أن يغيره بالحوار مع نفسه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا دليل علي ضعف إيمانه ووجود المرض في قلبه لأن المنكر قد استقر به وهذا أضعف درجات الإيمان .
ولا يخفي على هؤلاء وغيرهم أن طلاب العلم في المدارس والمعاهد لا يجهلون أن تغيير المنكر باليد من اختصاص الأمراء وباللسان من اختصاص العلماء وبالقلب بالنسبة لغير القادر من عوام الناس .
رابعاً :أجمع العلماء أنه لا يجوز لفرد أن يرفع السلاح لتغيير المنكر إلا أن يحدث منكر أكبر منه مثل أن يقوم رجل علي قتل آخر فيمنع بالقوة إنقاذا للمجني عليه وفي غير ذلك لا يجوز التغيير بالقوة لأن ذلك للحاكم والقيام به من الأفراد يؤدى إلى الفتنة .
خامساً : ابتدع هؤلاء مفهوماًُ للحديث النبوي فقالوا إنه خاص بتغيير الإنسان ما في نفسه بنفسه كتغيير الإنسان ما يصدر منه من جرائم ومنكرات فيمنع نفسه منها بقوة يده أو بالحوار مع نفسه أو بالإنكار علي نفسه بالقلب ثم استدل هؤلاء بقول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } .
ولقد روى الإمام أحمد وغيره عن أبى بكر رضى الله عنه أنه قال في خطبة له :( يا أيها الناس إنكم لتقرءون هذه الآية وتضعونها علي غير ما وصفها الله لقد سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول ((إن الناس إذا رأوا المنكر بينهم فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه )).
إن هذا البيان النبوي ينبع من قول الله تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما علي الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } .