إن صاحب الدعوة رجل مضحى غارم لا غانم من دنيا يصيبها لأن دعوته بريئة نزيهة قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية واحتقرت المنافع المادية وخلفت وراءها الأهواء والأغراض ومضت قدما في الطريق الذي رسمها الحق تبارك وتعالى للداعين إليه { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } يوسف 108 ] فالداعي لا يسأل الناس شيئا ولا يقتضيهم مالا ولا يطلب منهم أجرا ولا يزيد بهم وجاهة ولا يريد منهم جزاء ولا شكورا .
إنه حبيب إلى نفوس الناس لأنه يضحي بنفسه في سبيل عزتهم إن كان فيها الفداء وأن تزهق روحه ثمنا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وإنه لعزيز على الدعاة جد عزيز أن يروا ما يحيط بقومهم ثم يستسلمون للذل أو يرضون بالهوان ويستكينون لليأس فهم يعملون للناس في سبيل الله أكثر مما يعملون لأنفسهم . إن صاحب الفكرة لابد وأن يؤمن بها إيمانا يحمله على نسف الجبال وبذل النفس والمال واحتمال الصعاب ومقارعة الخطوب حتى ينتصر بها أو تنتصر به .
فقد بين المولى سبحانه وتعالى أن المؤمن الذي يجعل غايته هي هداية البشر إلى الحق وإرشاد الناس جميعا إلى الخير وإنارة العالم كله بشمس الإسلام إنه في سبيل هذه الغاية قد باع لله نفسه وماله فليس له فيها شئ وإنما هي وقف على نجاح هذه الدعوة وإيصالها إلى قلوب الناس وذلك قوله تعالى { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } التوبة 111 ] .
من ذلك نرى أن المسلم المضحى دنياه وقفا على دعوته ليكسب آخرته جزاء تضحيته فإذا فهم هذا المعنى سمت نفسه وزقت روحه وتحرر من رق المادة وتطهر من لذة الشهوات والأهواء وترفع عن سفاسف الأمور ودنايا المقاصد ووجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا يعلى كلمة الله ويجاهد في سبيلها ينشر دينه يزود عن حياضه ليسترد خير أمة أخرجت للناس لأن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور :
إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره .
على هذه الأركان الأولية التي هي من خصائص النفوس وحدها وعلى هذا القوة الروحية الهائلة تبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الفتية وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنا طويلا
وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه هو شعب عابث مسكين لا يصل إلى خير ولا يحقق أملا وحسبه أن يعيش في جو من الأحلام والظنون والأوهام { إن الظن لا يغنى من الحق شيئًا } يونس 36] هذا هو قانون الله تبارك وتعالى وسنته في خلقه ولن تجد لسنة الله تديلا .
من هنا فلقد اعتبر الإمام البنا التضحية ركن من الأركان وليست فضيلة من الفضائل فحسب ولما كان الإسلام بناء لا يقوم إلا بأركانه فكان لزاما على المسلم أن يضع التضحية في موضعها الصحيح ، وإذا كان أهل الباطل يقدمون التضحيات التي قد تصل إلى التضحية بالنفس من أجل باطلهم فأحرى بنا نحن المسلمين أهل الحق أن نقدم أغلى ما نملك تضحية من أجل ديننا وهو الحق الذي جاء من عند ربنا .
ولهذا كان لابد أن يكون للمضحى سمات وخلال يتحلى بها وتميزه عن غيره من البشر .
سمات المضحى :
لما كان صاحب الفكرة أول المؤمنين بها والعاملين على نشرها كان لزاما عليه أن يضحي من أجلها خاصة إن كانت هذه الفكرة تدعو إلى تكريم الإنسان وحريته وإعلاء شأنه واعتباره أكرم مخلوق على الأرض لذلك فهو :
أولا : يأبى لضيم ويرفض لهزيمة سواء كانت هزيمة في داخل نفسه أو خارجها لأن الله تعالى يقول { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } آل عمران 139 ].
فلا يبالي بما يصيبه بل يفضل الموت على ذل الحياة ويضع نصيب عينيه قول ربنا { يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متع الحية الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شئ قدير } التوبة 38، 39 ].
ثانيا : لديه الثقة بتقدير الأجل وانتهائه فلا يحرص على الحياة ولا يرهب الموت لأنه آت آت على كل حال فهو يرى أن طلب الشهادة يجعله الله بابا للحياة الكريمة في الدنيا أو حياة النعيم في الآخرة ولذلك قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه :( إحرص على الموت توهب لك الحياة ) وبذلك يحقق القدرة العملية للتضحية ولقد روى أن عوف بن الحارث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة بدر : يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده ؟ قال : غمسه يده في العدو حاسرا فنزع عوف درعا كانت عليه وقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل .
ثالثا :يحتاج المضحى إلى طول نفس وجميل صبر ووطيد احتمال ولقد كان خالد ابن الوليد رضى الله عنه يقول وهو يسير بين الصفوف يذكر الجنود أي يشجعهم (يا أهل الإسلام إن الصبر عز وإن الفشل عجز وإن النصر مع الصبر ) .
خامسا: إنكار الذات وإحياء روح الجندية في نفس المسلم والعمل الصموت بلا مباهاة أو مفاخرة وما قصة مسلمة بن عبد الملك منا ببعيد وكان أميرا على جيش من جيوش المسلمين وكان يحاصر حصنا من الحصون استعصى عليهم فلم يفتحوه فحرض الأمير جنده على التضحية والإقدام حتى يحدثوا في ذلك الحصن ثغرة وينقبوا فيه نقبا فتقدم من عرض الجيش رجل ملثم غير معروف ودفع نفسه إلى الحصن غير مبال بالموت وأحدث فيه ثغرة كانت سببا في سقوط الحصن ودخل الخيش المسلم فيه ففرح مسلمة كثيرا ونادى : حاجبي بإدخاله على ساعة يأتي فعزمت أي حلفت عليه إلا جاء وكان يريد أن يخصه بشيء من الغنائم والتكريم .
فجاء رجل ملثم إلى حاجب مسلمة وقال له استأذن لي على الأمير فقال له الحاجب أأنت صاحب النقب ؟ فقال: أنا أدلكم عليه وأخبركم عنه فدخل الحاجب واستأذن الرجل على الأمير فلما مثل بين يدي مسلمة قال له : أيها الأمير إن صاحب النقب يشترط ثلاثا : 1- ألا تبعثوا باسمه في صحيفة إلى الخليفة . 2- وألا تأمروا له بشيء . 3- ألا تسألوا من هو .
فقال مسلمة : ذلك له فقال الرجل في استحياء : أنا صاحب النقب ثم ولى مسرعا فكان مسلمة لا يصلى بعد ذلك صلاة إلا دعا فيها فقال : اللهم اجعلني من صاحب النقب يوم القيامة .
سادسا: قوى الإرادة الذاتية والتي تقوده إلى المبادرة ومباشرة الأفعال والأعمال بإيمان واقتناع فلا يكن إمعة يوجهونه حيث يشاءون ولكنه يتعامل مع الناس وفق مفاهيم ومبادئ وأسس ثابتة لا يحيد عنها
سابعا: أن يكون على فقه بالأولويات والواقع ويسير في حياته وفق أسلوب الأهم فالمهم والضروري فالأقل ضرورة فلا يهتم بالأمور التافهة ويولى الأمور الحاسمة عظيم اهتمامه .
ثامنا : إيجابي الحياة ويأخذ بنصيبه منها فلا سلبية ولا انزواء ولا فرار من الواقع ولا تواكل فهو مقدام يسارع في الخيرات ويواجه الصعاب بواقعية .
تاسعا: قوى كريم لا يترخص في حقوقه ولا يتخاذل أمام ظلم أو عسف ولا يتخاذل أمام جسامة المسئوليات فهو مجاهد بالمفهوم الإسلامي للجهاد فيبدأ بمجاهدة نفسه ثم الجهاد في سبيل العلم ثم العيش وفي سبيل الله لأن الله غايته .
عاشرا : أخلاقي يملك من الصفات الحميدة الكثير كالبر والشجاعة والعدل والحلم والرحمة والوفاء بالعهد والتسامح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى آخر هذه الصفات الكريمة .
وهو من الأتقياء الأخفياء إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا وباختصار هو كما وصفه الإمام البنا :
أتصور المجاهد شخا قد أعد عدته وأخذ أهبته وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه وجوانب قلبه .. فهو دائم التفكير .. دائم الاهتمام .. على قدم الاستعداد أبدا .
إذا دعي أجاب وإن نودي لبى ... غدوه ورواحه وحديثه وكلامه وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه فيه ولا يتناول سوى المهمة التي وقف عليها حياته وإرادته .
تقرأ قسمات وجهه وترى في بريق عينيه وتسمع في فلتات لسانه ما يدلك على ما يضطرم به قلبه من جوى لاق وألم دفين وما تفيض به نفسه من عزمة صادقة وهمة عالية وغاية بعيدة وذلك شأن المجاهدين من الأفراد والأمم .. فأنت ترى ذلك جليا في الأمة التي أعدت نفسها للجهاد .
أما المجاهد الذي ينام ملء عينيه ويأكل ملء ماضغيه ويضحك ملء شدقيه ويقضى وقته لاهيا عابثا ماجنا .. فهيهات أن يكون من الفائزين أو يكتب في عداد المجاهدين .