أين هؤلاء الرجال من هؤلاء الذين تحملهم الدعوة ولا يحملونها بل ربما يسببون إعاقة للصف ، وداء يسبب العدوى ، وقدوة للكسالى ، وحجة للبطالة ، يضعفون الهمم ، فتراهم ينشغلون بأعمالهم ومشروعاتهم ، ومصالحهم وأولادهم ودنياهم فإذا ذكرتهم فما أكثر الأعذار ، وإن عاتبتهم فما أكثر الحجج ، وإن حاسبتهم فما أشد غضبهم ، هم للدنيا يعطون وللدعوة يبخلون ، إن الدعوات لا تنتصر بأصحاب المصالح ، ولا بطلاب الدنيا ، ولا المعطين للدعوة فضول أوقاتهم وجهدهم ، ولا طالبي الأضواء وعبادة الشهرة و الظهور ، بل بمن سماهم الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف ( الأبرار الأتقياء الأخفياء ، الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا قلوبهم مصابيح الهدى ) .
إنهم وقفوا حياتهم لدعوتهم فتراهم شامة في جبين الزمن في مواقعهم بين أساتذة الجامعات هم في المقدمة علمياً وأخلاقياً ودعوياً يعطى من وقته لبنى جلدته ليورثه الطريق علماً ودعوة ، وتراهم في المصانع مهندساً كان أم إدارياً أم عاملاً يتقدم الصفوف ويشهد له الجميع بأنه في القمة في خصصه أولاً ، خادماً به دعوه ، قدوة لغيره في جودة الأداء ، كما تراهم بين من يفكرون في إيجاد الوسائل التي تناسب العصر نشراً لهذه الدعوة ، فإذا اخترع الأعداء آلة أو جهازاً ليستخدموه في مصالحهم وأفكارهم ومعتقداتهم بذلوا جهدهم لكي يستغلوه في دعوتهم ، فجميع أوقاتهم مسخرة لدعوتهم ، إنهم في هم دائم وانشغال مستمر أينما كانوا في بيوتهم أو بين جيرانهم أو في مواقع عملهم يضحون بمصالحهم الشخصية في سبيل نشر دينهم ودعوتهم ، لا يبالون بسخرية ولا استهزاء ، ولا إيذاء حتى لو قدر لهم أن تكون أوقاتهم التي يبذلون بين الجدران و الزنازين تراهم في شغل دائم وتفكير مستمر وبذل للجهد واستغلال للوقت لصالح دعوتهم ، يقولون كما قال نبي الله يوسف { يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } يوسف 39 وقدوتهم في ذلك رسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه الغر الميامين ، كمصعب بن عمير الذي هاجر إلى المدينة بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك الأهل و الوطن و المال وبذل كل وقته سعياً بين الأوس و الخزرج داعياً إلى الله على بصيرة بحكمة وموعظة حسنة ومجادلة بالتي هي أحسن ، فمهد لهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه فكان خير سفير ، وعاد باثنين وسبعين رجلاً وامرأتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن آمنوا خلال عام واحد قضاه ، وكذلك جعفر بن أبى طالب وإخوانه الذين هاجروا إلى الحبشة والأمثلة كثيرة من أصحاب الهمم العالية .
وفي عصرنا الحديث و القريب أمثلة مشرفة كذلك من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، أنذروا حياتهم لدعوتهم ، واستغلوا كل ثانية ودقيقة لصالح هذه الدعوة ، فالوقت بالنسبة لهم ليس من ذهب كما يقول الذين يقيسون الوجود من الناحية المادية ، ولكنه الحياة لأن حياة الإنسان في هذا الوجود هي الوقت الذي يمضى بين الوفاة و الميلاد ، فقد يذهب الذهب وينفذ ولكنك تستطيع الحصول عليه بعد ذلك ، وتستطيع أن يكون معك منه أضعاف ما فقدت ، ولكن الوقت الذاهب و الزمن الفائت لا تستطيع له إعادة أو إرجاعاً ( فما إن ينبثق فجر يوم جديد إلا وينادى مناد يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمنى فإني لن أعود إليك إلى يوم القيامة ) .
ولذلك كان أعظم الناس تعرضاً للخسارة والإخفاق أولئك المضيعون لوقتهم الغافلون عن رسالتهم { ولقد ذرأنا لجهنم كثير من الجن والإنس لهم قلوب لا يعقلون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } الأعراف 179 .