يقول الله تعالى { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } الحجرات 15 ] .
إن المؤمنين حقا هم الذين تحققوا بالإيمان في باطنهم وظهر أثره على جوارحهم فالإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل إنهم الذين لا يشكون ولا يترددون في كل ما يتصل بالإيمان من قواعد وهم قائمون بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم .
والجهاد بالمال وإن لم يتصل إلى مرتبه الجهاد بالنفس له منزلته العظيمة في الإسلام ولقد تحدث الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عن الإنفاق والبذل والتضحية بالمال في سبيله وبين قواعده العامة التي نرجو أن يسير المسلم على هداها طيلة حياته ويقول سبحانه : { فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغنى عنه ماله إذا تردى } الليل 5- 11 ] .
ويسمر القرآن في بيان المبدأ وشرح الموضوع فيقول الله سبحانه : { إنا علينا للهدى وإنا لنا للآخرة والأولى فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى}. الليل : 12- 21 ٍ في هذه الآيات الكريمة ترشد إلى أن الأنفاق في سبيل الله من شروط التيسر في هذه الحياة تيسر الرزق وتسير الشفاء وتيسر الفرج وإزالة الضيق وتيسر إزالة الهم وتيسر كل خير في هذه الدنيا وفي يوم الدين إما الشح بالمال فإنه من أسباب العسر في كل هذه الأمور .
على أن الله سبحانه وتعالى قد وعد إنه يخلف المال الذي ينفقه المؤمن في سبيله فقال {وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين } . سبأ 39 وبين سبحانه وتعالى أنه لا يخلفه بمثله ولكن بأضعاف ، فضرب هذا المثل الذي يتناسب مع كرمه سبحانه { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منَّاً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } البقرة 261-262 ، وبين سبحانه أن الإنفاق في سبيله قرض حسن فقال { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون } البقرة 245 .
إن المشهد الأول الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إسرائه يتناسق مع هذا الكرم الإلهي الذي غمر اله سبحانه وتعالى المجاهدين في سبيله ، لقد رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم ، كلما حصدوا عاد كما كان فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا جبريل ما هذا ؟ قال : هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة لسبعمائة ضعف { وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين } سبأ 39 .
فالنساء يتبرعن بحليهن ومالهن ، و الرجال بما يستطيعون - كما حدث في غزوة العسرة - وها هو ذا أبو بكر الصديق يأتي بماله كله ، وكان أربعة آلاف درهم ويسأله رسول الله هل أبقيت لأهلك شيئاً ؟ فيقول رضى الله عنه : أبقيت لهم الله ورسوله .
ويجئ عبد الرحمن بن عوف بمائة أوقية من الذهب الخالص ، ويجئ سيدنا عثمان بثلاثمائة بعير ، وبألف دينار ، ويضع الدنانير في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسر الرسول بها ، ويدخل يده فيها يقلبها ويقول : اللهم ارض عن عثمان فإني راض عنه ، ويقول : ما على عثمان ما عمل بعد اليوم ، وتتوالى التبرعات من الرجال و النساء ، حتى تنتهي بتجهيز الجيش وقيامه بالمهمة التي أرادها الله ورسوله .
فللإنفاق في سبيل الله منزلة كبيرة في الإسلام ، يقول الله تعالى في الإنفاق في سبيله { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } البقرة 261 .
وحينما فسر مكحول رضى الله عنه هذه الآية الكريمة ، قال : يعنى بها الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل ، وإعداد السلاح وغير ذلك ومما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قوله :
( من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم يوم القيامة ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم وأقام في بيته أي لعذر كالمرض مثلاً ثم يستكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه الشريف فيقول :( ومن غزا في سبيل الله وأنفق في جهة ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ) ثم تلا صلوات الله وسلامه عليه هذه الآية { والله يضاعف لمن يشاء } .