الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإسلام ومشكلات الحضارة
المؤلف: سيد قطب
التصنيف: فقه الحج
 

محتويات الكتاب

الإنسان وفطرته واستعداداته

((الإنسان)) كائن فذ فى هذا الكون. فذ فى طبيعته وتركيبه. وفذ فى وظيفته وغاية وجوده. وفذ كذلك فى مآله ومصيره..

إنه مخلوق غير مكرر فى جميع الخلائق التى عرفناها، والتى يحدثنا الله عنها كذلك ولا نراها. ومخلوق بقدر فلم يوجد هكذا مصادفة ولا جزافاً. ومخلوق لغاية فلم يخلق عبثاً ولا سدى.. وهذا واضح فيما نقلناه من الآيات القرآنية فى الفصل السابق. وفى نظرة الإسلام إلى الإنسان بجملتها..

وتميز الإنسان بخصائص لا توجد فى عالم الأحياء هو الذى جعل((جوليان هكسلى)) فى((الداروينيه الحديثة)) يتراجع عن الكثير من((الداروينية القديمة))، التى قررها((داروين)). وهو لا يتراجع عنها إلا مضطراً أمام ضغط الحقائق الواقعية التى تحتم هذا التراجع. إذ يعترف بأن الإنسان((حيوان خاص)) وأنه له((خصائص)) لم تلاحظ فى أى حيوان آخر. وأن لهذه الخصائص آثاراً متفردة كذلك.

ولندعه هو يتكلم فى فصل من كتابه: ((الإنسان فى العالم الحديث)) بعنوان((تفرد الإنسان)).

((لقد تأرجح رأى الإنسان كالخطار (البندول) فيما يتعلق بمركزه بالنسبة لبقية الحيوانات، بين إعجابه الشديد أو القليل بنفسه. تفصل بينه وبين الحيوانات هوة سحيقة جداً وحيناً آخر هوة صغيرة جداً .

((وبظهور نظرية ((داروين)) بدأ الخطار (البندول) يتأرجح عكسياً، واعتبر الإنسان حيواناً مرة أخرى.. ووصل الخطار شيئاً فشياً إلى أقصى مدى تأرجحه، وظهر ما بدأ أنه النتائج المنطقية لفروض ((داروين)). فالإنسان ((حيوان)) كغيره من الحيوانات. ولذلك فإن آراءه فى معنى ا لحياة الإنسانية، والمثل العليا، لا تستحق تقديراً أكثر من آراء الدودة الشريطية أو بكتريا الباشلس! والبقاء هو المقياس الوحيد للنجاح التطورى. ولذلك فكل الكائنات الحية متساوية القيمة. وليست فكرة التقدم إلا فكرة إنسانية. ومن المسلم به أن الإنسان فى الوقت الحاضر سيد المخلوقات ولكن قد تحل محله القطعة أو الفأر! .

((ولم تصغر الهوة هنا بين الإنسان والحيوان، نتيجة المبالغة فى إعطاء الحيوان صفات الإنسان، وإنما نتيجة التقليل من الصفات الإنسانية فى الإنسان,.. ومع ذلك فقد ظهر منذ عهد قريب اتجاه جديد، سببه فى الغالب زيادة المعرفة واتساع نطاق التحليل العلمى.

((إن الخطار يتأرجح ثانية: وتتسع الهوة بين الإنسان والحيوان مرة أخرى.. وبعد نظرية ((داروين)) لم يعد الإنسان يستطيع تجنب اعتبار نفسه حيواناً([1]) ولكنه بدأ يرى نفسه حيواناً غريباً جداً وفى حالات كثيرة لا مثيل لها. وتحليل تفرد الإنسان من الناحية البيولوجية لم يبلغ تمامه بعد وما هذا المقال إلا محاولة لعرض مركزه الحالى..

((وأول خصائص الإنسان الفذة، وأعظمها وضوحاً، قدرته على التفكير التصورى([2]).. ولقد كان لهذه الخاصية الأساسية فى الإنسان نتائج كثيرة. وكان أهمها نمو التقاليد المتزايدة([3]).. ومن أهم النتائج تزايد التقاليد أو إذا شئت من أهم مظاهر الحقيقة ما يقوم به الإنسان من تحسين فيما لديه من عدد وآلات.. وإن العدد والتقاليد لهى الخواص التى هيأت للإنسان مركز السيادة بين سائر الكائنات الحية.. وهذه السيادة ((البيولوجية)) فى القوت الحاضر من خاصية أخرى من خواص الإنسان الفذة.

((.. وهكذا يضع علم الحياة ((الإنسان)) فى مركز مماثل لما أنعم به عليه كسيد المخلوقات.. كما تقول الأديان ([4]).

((ولقد أدى الكلام والتقاليد والعدد إلى كثير من خواص الإنسان الأخرى التى لا مثيل لها بين المخلوقات الأخرى، ومعظمها واضح معروف.

((والإنسان لا مثيل له أيضاً كنوع مسيطر. إذ انقسمت كل الأنواع الأخرى المسيطرة على مئات وآلاف كثيرة من الأنواع المنفصلة، وتجمعت فى أجناس وفصائل عديدة، ومجموعات أكبر. أما الإنسان فقد حافظ على سيادته من غير انقسام. ولقد تم تنوع سلالات فى حدود نوع واحد.

((وأخيراً فإن الإنسان لا مثيل له بين الحيوانات الراقية فى طريقة تطوره .

((وللإنسان خاصية أخرى بيولوجية، وهى تفرد تاريخ تطوره.. ونحن الآن فى مركز يسمح لنا بتعريف تفرد الإنسان فى تطوره. وأما خاصية الإنسان الجوهرية ككائن حى مسيطر فهى((التفكير المعنوى)).

((ولقد كان بحثنا حتى الآن بطريقة عامة فى خصائص الإنسان من ناحية التطور والمقارنة. والآن نعود إليها، ونبحث فيها وفى نتائجها بشئ من الإسهاب.. فأولاً يجب أن يغرب عن بالنا، أن الفرق بين الإنسان والحيوان فى العقل أعظم بكثير مما نظن عادة.. وكلنا على علم بقوة الغريزة فى الحشرات.. ولكنها تبدو عاجزة عن معرفة طرق جديدة. وليست الثدييات بأفضل من ذلك.. بينما للتفكير عند الإنسان أهمية بيولوجية كبرى حتى عندما تسود تفكيره العادة والمحاولة والخطأ. ولابد أن يكون سلوك الحيوانات عرفياً- أى أنه ثابت فى حدود ضيقة- أما الإنسان فقد أصبح فى سلوكه حراً نسبياً.. حراً فى الأخذ والعطاء على حد سواء.. ولهذه الزيادة فى المرونة نتائج أخرى سيكولوجية يتناساها رجال الفلسفة العقلية.. والإنسان أيضاً فريد فى بعضها. فقد أدت هذه المرونة مثلاً إلى كون الإنسان هو الكائن الحى الوحيد، الذى لابد له أن يتعرض للصراع النفسى.. ومع ذلك فطبقاً للآراء الحديثة توجد فى((الإنسان)) أجهزة لتقليل النزاع إلى أقصى حد، وهى التى يعرفها علماء النفس بالكبت والقمع.

((وهذه الخواص التى امتاز بها الإنسان، والتى يمكن تسميتها((نفسية)) أكثر منها((بيولوجية)) تنشأ من خاصية أو أكثر من الخواص الثلاث الآتية:  

((الأولى)) قدرته على التفكير الخاص والعام.

((الثانية)) التوحيد النسبى لعملياته العقلية، بعكس انقسام العقل والسلوك عند الحيوان.

((الثالثة)) وجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأمة والحزب والجماعة الدينية، وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها.

((وهناك نتائج ثانوية كثيرة لتطور العقل من مرحلة ما قبل الإنسان إلى مرحلة الإنسان([5]). وهى بلا شك فريدة من الناحية البيولوجية. ولنذكر منها العلوم الرياضية البحتة والمواهب الموسيقية، والتقدير والإبداع الفنيين، والدين، والحب المثالى..

((ولكن لا يكفى هنا أن نحصى يعض أوجه النشاط.. ففى الحقيقة أن معظم أوجه النشاط الإنسانى وخواصه، نتائج ثانوية لخواصه الأصلية. وكذلك فهى فذة من الناحية البيولوجية.. وقد يكون لتفرد الإنسان نتائج ثانوية أخرى لم تستغل بعد..

((وبذلك يكون الإنسان فريداً فى أحواله أكثر مما نظن الآن))([6])

كذلك يقول العالم الأمريكى: ((أ. كريسى موريسون)) فى كتابه: Man              ((does not sand alone))  الذى ترجمه إلى العربية الأستاذ محمود صالح الفلكى بعنوان((العلم يدعو إلى الإيمان)):

((إن القائلين بنظرية التطور(النشوء والارتفاء) لم يكونوا يعلمون شيئاً عن وحدات الوراثة(الجينات)..        

(ص 145).

((لقد رأينا أن ((الجينات)) متفق على كونها تنظيمات أصغر من الميكروسكوبية للذرات فى خلايا الوراثة بجميع الكائنات الحية. وهى تحفظ التصميم، وسجل السلف، والخواص التى لكل شئ حى. وهى تتحكم تفصيلاً فى الجذر والجذع والورق والزهر والثمر لكل نبات، تماما كما تقرر الشكل والقشر والشعر والأجنحة لكل حيوان بما فيه الإنسان)) (ص 147).

...((ويلاحظ أن جميع الكائنات الحية، منفصل بعضها عن بعض بهوات كثيفة لا يمكن عبورها. حتى إن الحيوانات المتقاربة ينفصل بعضها عن بعض كذلك)).

((والإنسان حيوان من رتبة الطليعة، وتكوينه يشبه فصائل((السيميا)) (الأورانجتان والغوريلا والشمبانزى) ولكن هذا الشبه الهيكلى ليس بالضرورة برهاناً على أننا من نسل أسلاف سينمائية (من القرود) أو أن تلك القرود هى ذرية منحطة للإنسان. ولا يمكن أحد أن يزعم أن سمك القد((Cod قد تطور من سمك الحساس((Hoddock وإن يكن كلاهما يسكن المياه نفسها، ويأكل الطعام نفسه، ولهما عظام تكاد تكون متشابهة... (ص 142).

إن ارتقاء الإنسان الحيوانى إلى درجة كائن مفكر شاعر بوجوده هو خطوة أعظم من أن تتم عن طريق التطور المادى، ودون قصد ابتداعى.

((وإذا قبلت واقعية القصد، فإن الإنسان بوصفه هذا قد يكون جهازاً. ولكن ما الذى يدير هذا الجهاز؟ لأنه بدون أن يدار، لا فائدة منه. والعلم لا يعلل من يتولى إدارته. وكذلك لا يزعم أنه مادى.

((لقد بلغنا من التقدم درجة تكفى لأن نوقن بأن الله قد منح الإنسان قبساً من نور، ولا يزال الإنسان فى طور طفولته من وجهة الخلق، وقد بدأ يشعر بوجود ما يسميه بِ ((الروح)) وهو يرقى فى بطء ليدرك هذه الهبة، ويشعر بغريزته أنها خالدة.

((وإذا صح هذا التعليل- ويبدو أن المنطق الذى يسنده لا يمكن دحضه- فإن هذه الكرة الأرضية الصغيرة التى لنا، وربما غيرها كذلك، تكسب أهمية لم يحلم بها أحد من قبل. فعلى قدر ما نعلم قد تولد عن عالمنا الصغير هذا، أول جهاز مادى أضيف إليه قبس من نور الله. وهذا يرفع الإنسان من مرتبة الغريزة الحيوانية إلى درجة القدرة على التفكير، التى يمكن بها الآن أن يدرك عظمة الكون فى اشتباكاته، ويشعر شعوراً غامضاً بعظمة الله ماثلة فى خلقه (ص 187- 188).

((إن أية ذرة أو جزئية((Atom. Molecule  لم يكن لها فكرة قط، وأى اتحاد للعناصر لم يتولد عنه رأى أبداً وأى قانون طبيعى لم يستطع بناء كاتدرائية. ولكن كائنات حية معينة قد خلقت تبعاً لحوافز معينة للحياة، وهذه الكائنات تنتظم شيئاً تطيعه جزئيات المادة بدورها. ونتيجة هذا وذاك كل ما نراه من عجائب العالم. فما هو هذا الكائن الحى؟ هل هو عبارة عن ذرات وجزئيات؟ أجل. وماذا أيضاً؟ شئ غير ملموس، أعلى كثيراً من المادة لدرجة أنه يسيطر على كل شئ. ومختلف جداً عن كل ما هو مادى مما صنع منه العالم، لدرجة أنه لا يمكن رؤيته ولا وزنه ولا قياسه. وهو- فيما نعلم- ليست له قوانين تحكمه. إن((روح الإنسان هى سيدة مصيره)) ولكنها تشعر بصلتها بالمصدر الأعلى لوجودها. وقد أوجدت للإنسان قانوناً للأخلاق لا يملكه أى حيوان آخر، ولا يحتاج إليه. فإذا سمى أحد ذلك الكيان بأنه فضلة لتكوينات المادة، لا لشئ سوى أنه لا يعرف كنهه بأنبوبة الاختبار، فهو إنما يزعم زعماً لا يقوم عليه برهان.. إنه شئ موجود، يظهر نفسه بأعماله، وبتضحياته، وبسيطرته على المادة،وبالأخص على رفع الإنسان المادى من ضعف البشر وخطئهم إلى الإنسجام مع إرادة الله.. هذه هى خلاصة القصد الربانى. وفيها تفسير للاشتياق الكامن فى نفس الإنسان، للاتصال بأشياء أعلى من نفسه. وفيها كشف عن أساس حافزه الدينى.. هذه هو الدين)).. (ص 201- 202).

وتفرد الإنسان فى هذا الكون بطبيعته وتركيبه، وفى وظيفته وغاية وجوده، وفى مآله ومصيره، هو الذى يقرره التصور الإسلامى عن الإنسان فى نصوصه الكثيرة، فكلها تقرر أن هذا الإنسان، خلق خلقة فذة خاصة مقصودة، وعينت له وظيفة، وجعلت لوجوده غاية، وأنه كذلك مبتلى بالحياة مختبر فيها، محاسب فى النهاية على سلوكه فيها، هذا السلوك الذى يقرر جزاءه ومصيره...

نجد هذا فى قصة آدم:          

((وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة.. الآية))                        (البقرة: 30)

((إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين))...                                                                               (ص: 71-72)

((ولقد كرمنا بنى آدم، وحملناهم فى البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً))...                                                                                       (الإسراء: 70)

((لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم))...                                       (التين: 4)

ونجده فى ظروف شتى:

((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون))...                                           (الذرايات: 56)       

((الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أحسن عملاً))...                                 (الملك: 2)

((فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً، ونحشره يوم القيامة أعمى))...                                                                                         (طه: 123-124)   

* * *

والإنسان كائن معقد شديد التعقيد. سواء فى تركيبه العضوى، أو تركيبه العقلى والروحى، كما هو معقد فى أوجه نشاطه المختلفة، التى لا يعرف أحد حتى اليوم طبيعتها، ولا حقيقة الارتباطات بينها، إذ كل ما أمكن هو ملاحظة ظواهرها وسطوحها.

وهذا التعقيد لا يبدو فى كيان الإنسان ككل فحسب، بل إنه ليتجلى كذلك فى كل خلية حية من خلاياه التى لا تحصى..

وإلى هذه اللحظة لم يكشف أحد سر تكوين الخلية.. وحتى لو تسنى كشف عناصر تكوينها المادى، فإن عنصر الحياة الذى فيها مجهول الكنه والكيفية. ويبدو كأنه سيظل كذلك. وليست هذه سوى الخطوة الأولى فى الطريق الطويل لمعرفة أسرار الخلية الحية.. إن هذه الخلية تتصرف كما لو كانت كائناً عاقلاً رشيداً يدرك تماماً وظيفته المقبلة، كما يدرك دوره مع بقية الخلايا، ويمضى فى طريقه مهتدياً لا يضل أبداً، لأداء دوره هذا، فى دقة وإصابة لا يتمتع بهما العقل البشرى ذاته !.

وعن هذه الأسرار، وأسرار الارتباطات بين مركبات الكائن البشرى ووظائفه وأوجه نشاطه المختلفة يقول الدكتور ((ألكسيس كاريل) ما سبق أن صدرنا به الفصل الأول. وما نعيد هنا فقرات منه لضرورة وضعها تحت العين فى هذه اللحظة :

((وواقع الأمر أن جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التى يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشرى تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محددة فى دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة.. فنحن لا نعرف الآن الإجابة عن أسئلة كثيرة مثل :

((كيف تتحد جزئيات المواد الكيماوية لكى تكون المركب والأعضاء المؤقتة للخلية؟

((كيف تقرر الجينس (ناقلات الوراثة) الموجود فى نواة البويضة الملقحة صفات الفرد المشتقة من هذه البويضة؟

((كيف تنتظم الخلايا فى جماعات من تلقاء نفسها، مثل الأنسجة والأعضاء؟ فهى كالنمل والنحل تعرف مقدماً الدور الذى قدر لها أن تلعبه فى  حياة المجموع. وتساعدها العمليات  الميكانيكية الخفية على بناء جسم بسيط معقد فى الوقت ذاته.

((ما هى طبيعة تكويننا النفسانى والفسيولوجي؟ إننا نعرف أننا مركب من الأنسجة والأعضاء والسوائل والشعور.. ولكن العلاقات بين الشعور والمخ ما زالت لغزاً .

((إننا ما زلنا بحاجة إلى معلومات كاملة تقريباً عن فسيولوجية الخلايا العصبية .. إلى أى مدى تؤثر الإرادة فى الجسم؟ كيف يتأثر العقل بحالة الأعضاء؟ على أى وجه تستطيع الخصائص العضوية والعقلية، التى يرثها كل فرد أن تتغير بواسطة الحياة والمواد الكيماوية الموجودة فى الطعام والمناخ والنظم النفسية والأدبية؟ ………إلخ؟

وهذا التعقيد فى تركيب الكائن الإنسانى، وفى وظائفه وأوجه نشاطه، هو الذى يتسق مع ضخامة وتشعب وظيفته الأساسية فى خلافة هذه الأرش، كما أنه هو الذى يتسق مع طبيعة نشأته التى حدثنا الله عنها :

((إذ قال ربك للملائكة : إنى خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين))..                                                                                              (ص: 71-72)

فالكينونة التى تنبثق ابتداء من الطين والنفخة من روح الله على ما بينهما من آماد وآفاق لا تحد . هى التى يتوقع فيها مثل هذا التعقيد الشديد، الذى يستعصى على العقل البشرى، لأنه فوقه وأكبر منه. على حين أنه يسير يسير على الله سبحانه :

((هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض، وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاتكم)) ...          ( النجم : 32)

          (( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ ))

          ((ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)) ..( ق : 16)

* * *

والإنسان بعد هذا وذاك كائن يؤلف كل فرد فيه بذاته عالماً فذا مفرداً لا مثيل له فى سائر أفراده . على كل ما يجمع أفراد الجنس كله من الخصائص ((الإنسانية)) المشتركة.. وهذا مما يزيد الأمر تعقيداً ، ويزيد دراسة ((الإنسان)) صعوبة، بل تعذراً، دون المعرفة الكاملة بالسمات المميزة لكل فرد على حدة فى فرديته المتميزة على فرض أنه أمكن الوصول فى ملايين السنين إلى معرفة كل التركيب العضوى والنفسى العام للجنس البشرى ..

وفى هذه الفردية يقول دكتور . كاريل :

_((إن الفردية جوهرية فى الإنسان. إنها ليست مجرد جانب معين من الجسم، إذ أنها تنفذ إلى كياننا.. وهى تجعل ((اللذات)) حدثاً فريداً فى تاريخ العالم.. إنها تطبع الجسم والشعور. كما تطبع كل مركب فى الكل بطابعها الخاص وإن ظلت غير منظورة )) ... (ص 281) .

((يميز الأفراد كل منهم عن الآخر بسهولة بواسطة تقاطيع وجوههم وإشارتهم وطريقتهم فى المشى، وصفاتهم العقلية والأدبية الخاصة. ومع أن الزمن يحدث تغييرات كثيرة فى مظهر الأفراد، إلا أنه يمكن دائماً معرفة كل فرد كما أثبت برتلون منذ أمد بعيد بواسطة أبعاد أجزاء معينة من هيكله.. وكذلك فإن خطوط أطراف الأصابع مميزات قاطعة للفرد . ومن ثم فإن بصمات الأصابع هى التوقيع الحقيقى للإنسان )).. (ص : 282) .

((وعلى كل حال فإن تكوين الجلد جانب واحد فقط من فردية الأنسجة)) وقد تظهر فردية الأنسجة نفسها بالطريقة التالية :

((طعم سطح جرح بقطع من الجلد، أخذ بعضها من المريض نفسه، والبعض الآخر من صديق أو قريب. فلوحظ بعد أيام قليلة أن الجلد الذى أخذ من المريض نفسه قد تماسك مع الجرح، وبدأ ينمو، فى حين أن الجلد الذى أخذ من الأشخاص الآخرين أخذ فى التراخى والانكماش. وسرعان ما عاش الأول ومات الثانى)) ...  (ص:283)

((إن القاعدة أن أنسجة أى شخص ترفض قبول أنسجة شخص آخر.. وحينما تخبط الأوعية، ويمر الدم ثانية فى كلية مطعمة، فإن هذا العضو يفرز البول مباشرة، ويكون تصرفه طبيعياً فى بادئ الأمر. إلا أنه لا تكاد تمضى أسابيع قليلة حتى يظهر الزلال أولاً، ثم الدم فى البول، وسرعان ما تصاب الكلية بمرض أشبه بالالتهاب يؤدى  إلى ضمور الكلية سريعاً.. ومع ذلك لو أن العضو المطعم أخذ من الحيوان نفسه لعاد إلى تأدية وظيفته بصفة دائمة. إذ من الواضح أن الأخلاط تكتشف فى الأنسجة الغريبة، اختلافات تركيبية معينة، لا يمكن اكتشافها بأى اختبار آخر. إن الخلايا محددة بالنسبة للأشخاص الذين تتبعهم. ولقد حالت هذه الخاصية حتى الآن دون التوسع فى استعمال تطعيم أو ترقيع الأعضاء لأغراض علاجية )) ...                                                                   (ص 283)

((فمن المحتمل أنه لم يوجد فردان بين ملايين الملايين من البشر الذين استوطنوا هذه الأرض، كان تركيبهم الكيماوى متماثلاً. وترتبط شخصية الأنسجة التى تدخل فى تركيب الخلايا والأخلاط بطريقة ما زالت غير معروفة حتى الآن. ومن ثم فإن فرديتنا تتأصل جذورها فى أعماق ذاتنا.

((وتطبع الفردية جميع أجزاء الجسم المركبة. فهى موجودة فى العمليات الفسيولوجية. كما هى موجودة فى التركيب الكيماوى للأخلاط والخلايا. ولهذا فإن كل شخص يتفاعل بطريقته الخاصة مع أحداث العالم الخارجى .. مع الضوضاء والخطر والطعام والبرد، وهجمات الميكروبات والفيروسات)) ...

                                                                   (ص 286)

((تمتزج الفرديات العقلية والتركيبة والأخلاطية بطريقة غير معروفة . وتحمل كل منها للأخرى العلاقات نفسها التى تحملها وجوه النشاط الفسيولوجى، والعمليات المخية والوظائف العضوية.. إنها تهبنا وحدانيتنا وتجعل كل إنسان أن يكون نفسه، وليس شخصاً آخر )) ..

                   (ص 287)

((كل فرد يدرك أنه فريد .. وهذه الوحدانية حقيقية )) ..                                (ص 289)

((إن فحص الفردية الفسيولوجية فحصاً كاملاً، وقياس أجزائها المركبة غير ميسور حتى الآن، كما أننا لا نستطيع تحديد طبيعتها بالدقة، وكيف يختلف كل فرد عن الآخر. بل إننا عاجزون عن اكتشاف الصفات الجوهرية لشخص بعينه، فضلاً ‘ن أننا أكثر عجزاً عن اكتشاف إمكانياته)) ..

                                                (ص 290)

(( وحقيقة الأمر أن السيكولوجيا لم تصبح بعد علماً. لأن الفردية وإمكانياتها ليست قابلة للقياس حتى الآن))...                                                                                                  (ص291)

* * *

هذه الحقائق الأساسية الثلاثة : حقيقة أن الإنسان كائن فذ فى هذا الكون. وحقيقة أن الإنسان كائن معقد شديد التعقيد . وحقيقة أن الإنسان يشتمل على عوالم متفردة عددها عدد أفراده.

هذه الحقائق تقتضى منهجاً للحياة الإنسانية يرعى تلك الاعتبارات كلها. ويرعى تفرد ((الإنسان)) فى طبيعته وتركيبه. وتفرده فى وظيفته وغاية وجوده، وتفرده فى مآله ومصيره. كما يعرى تعقده الشديد وتنوع أوجه نشاطه وتعقد الارتباطات بينها. ثم يرعى ((فرديته)).

وبعد هذا كله يضمن له أن يزاول وجوه نشاطه كلها، وفق طاقاته كلها بحيث لا يسحق ولا يكبت، كما لا يسرف ولا يفرط. وبحيث لا يدع طاقة تطغى على طاقة،  ولا وظيفة تطغى على وظيفة.. ثم فى النهاية يسمح لكل فرد بمزاولة فرديته الأصلية مع كونه عضواً فى جماعة..

ولكن نظراً لجهالتنا بالإنسان فإن مناهج الحياة التى اتخذها البشر لأنفسهم لم تستطع وهذا طبيعى مراعاة هذه الاعتبارات المتشعبة المتشابكة المتفاوتة المتناسقة ..

والمنهج الوحيد الذى راعى هذه الاعتبارات كلها كان هو المنهج الذى وضعه للإنسان خالقه، العليم بتكوينه وفطرته، الخبير بطاقاته ووظائفه، القادر على أن يضع له المنهج الذى يحقق غاية وجوده ويحقق التوازن فى أوجه نشاطه، ويحقق فرديته وجماعيته كذلك ..

وما من شك أن الأمر من الدقة والخطورة والتشابك والتعقد بحيث يحتاج إلى علم إله، وحكمة إله، وأنه من ثم لا يصنعه إلا الله ([7]) ..

فلننظر الآن نظرة سريعة إلى تقلب نظرة الإنسان لنفسه، وتخبطه كذلك بنفسه، حين استقل بأمر نفسه بعيداً عن هدى الله ، واتبع هواه ..

* * *

فى الأساطير الإغريقية كان ((الإنسان))نداً للآلهة. ينازعها  السلطة والمعرفة، وإن كانت هى تبطش به وتقسو عليه. ولكنه هو لا يستسلم ولا يذعن. وحتى فى حالة انتصارها عليه، فإنه يستبقى فى نفسه السخط والإنكار والإصرار !

فلما جاء العهد الروماني ونبدأ به باعتباره الأساس الحقيقى للحضارة الأوروبية القائمة بهت ظل الآلهة وبقى الإنسان يعبد ذاته وشهواته . وهو على كل حال لم يكن يسمح للآلهة بالتدخل فى تصريف حياته الأرضية . وإن كان يسمح لها بالتكهن على ألسنة الكهان، ويستبقيها كعرف اجتماعى لا ضرر منه، ويستمتع بمباهج الاحتفالات بمواسمها فى طلاقة من كل قيد على طريقة الرومان فى المتاع.

ولما سيطرت النصرانية كما تصورتها الكنيسة على الدولة الرومانية، وسم الإنسان بالخطيئة ، ونكس رأسه بالذل. وبدا ذلك فى التماثيل التى أنشئت فى ظل هذه النظرة إلى الإنسان، كما بدا فى سواها من وسائل التعبير.

ومع أن النظرة النصرانية إلى الإنسان تحمل تكريم الله لهذا الجنس، إلا أن خطيئة آدم كما تصورها الكنيسة قد دمغت الجنس كله بالإثم. حتى جاء المخلص ((ابن الإنسان)) المسيح ((الرب)) ((الابن)) إلى آخره فكفر عن هذه الخطيئة. ولكن هذا لم يرفع جبين الإنسان، فقد كان عليه أن يكفر بالذل والهوان والتقشف ولعذاب طوال حياته، لكى يلحق بالمخلص، ويتحد فيه، وينال الغفران.

وكذلك اعتبرت ميوله الفطرية رجساً ودنساً، وعلاقاته الجنسية قذراً ووسخاً، وشعوره بذاته إثماً وخطيئة.. وكان من وراء هذه النظرة ما سنفصله بعد قليل من الرهبنة، ورد الفعل للرهبنة فى أوروبا التى لم تستقر على حال.

ولما وقع رد الفعل، وثارت أوروبا على الكنيسة، وعلى التصورات الكنيسة، وعلى المفهومات الدينية كلها بالإجمال، جدت مع الثورة نظرة جديدة للإنسان. وبالذات إلى ((العقل)) فى الإنسان.

((لقد جعل هذا ((العقل إلهاً فى ((عصر التنوير)) فى منتصف القرن الثامن عشر الميلادى، فهذا العالم الخارجى إنما هو من خلق العقل وصنعه. وللعقل حق السيطرة على كل جوانب الحياة، والقطع فيها برأيه الذى يراه . والإنسان من ثم حر فى العمل حرية تامة، لا يشوبها تحديد من غير الإنسان نفسه.. وبهذا انتهى عصر تدخل الدين فى الحياة.

ثم انتهى عصر التنوير بانتهاء القرن الثامن عشر . وابتدأ القرن التاسع عشر بضربة قاصمة لهذا العقل وللإنسان معه. إذ جاءت (( الفلسفة الوضعية)) تعلن أن المادة هى الإله! فهى التى تنشئ هذا العقل، وهى التى تطبع فى حس الإنسان ما تراه !

بذلك تضاءل العقل، وتضاءل معه ((الإنسان)). لم يعد هذا الإنسان إله نفسه، ولا إله شىء من الأشياء ، إنما أصبح من مخاليق ((الطبيعة)) ومن عبيد هذا ((الإله)) !

ثم جاء ((داروين)) بحيوانية الإنسان. حيث نشر كتابه : ((أصل الأنواع)) فى سنة 1859، وكتابه ((أصل الإنسان)) فى سنة 1871 .

وفقد الإنسان كل ما كان التصور الدينى قد أسبغه عليه من تكريم وتفرد وخصوصية. كما فقد كل ما كانت الفلسفة قد خلعته عليه فى عصر التنوير من إجابية واستقلال وسيطرة. وعاد حيواناً ككل حيوان آخر ولو أنه له السيطرة اليوم، فإن هذه السيطرة قد تؤول إلى قط أو فأر فى يوم من الأيام. كما يحكى جوليان هكسلى !

ثم  تمت الضربة القاضية على يد ((فرويد)) من جانب، و((كارل ماركس)) من الجانب الآخر. الأول يرد دوافع الإنسان كلها إلى الميول الجنسية، ويصوره غارقاً فى وحل الجنس إلى الأذقان .. والثانى يرد تطورات التاريخ كلها إلى الاقتصاد، ويصور الإنسان مخلوقاً ضئيلاً سلبياً، لا حول له ولا قوة أمام إله الاقتصاد بل إله أداة الإنتاج!

* * *

وكذلك جاء التخبط فى النظرة إلى سلوك الإنسان تجاه ميوله الفطرية، واستعداداته وطاقاته، وتجاه الأخلاق المرضية من المجتمع، والتى تطبع سلوك الأفراد فى شتى المجتمعات.

لقد ظلت أوروبا تتراوح بين الإفراط والتفريط,. بين الكبت والتهور. بين سحق الميول الفطرية والطاقات الطبيعية فى الإنسان أو إطلاقها بغير عنان,.. ولم تلتزم جادة الاعتدال أبداً فى تاريخها الطويل. ولم يقع التوازن فى تصوراتها ولا فى حياتها تبعاً لذلك فى وقت من الأوقات.

ونبدأ بملاحظة واقع أوروبا فى هذا الجانب منذ أيام الدولة الرومانية.. يصور ((درابر)) الأمريكى فى كتابه ((الدين والعلم))ن حالة الدولة الرومانية قبيل دخولها فى النصرانية هذه الصورة البارعة :

((ولما بلغت الدولة الرومانية فى القوة الحربية والنفوذ السياسى أوجها، ووصلت فى الحضارة إلى أقصى الدرجات، هبطت فى فساد الأخلاق، وفى الانحطاط فى الدين والتهذيب إلى أسفل الدركات. بطر الرومان معيشتهم، وأخلدوا إلى الأرض، واستهتروا استهتاراً. وكان مبدؤهم أن الحياة إنما هى فرصة للتمتع، ينتقل فيها الإنسان من نعيم إلى ترف، ومن لهو إلى لذة. ولم يكن زهدهم وصومهم فى بعض الأحيان,، إلا ليبعث على شهوة الطعام. لوم يكن اعتدالهم إلا ليطول به عمر اللذة. كانت موائدهم تزهو بأوانى الذهب والفضة مرصعة بالجواهر، ويحتف بهم خدام فى ملابس جميلة خلابة، وغادات رومية حسان، وغوان كاسيات عاريات، غير متعففات، تدل دلالاً .. ويزهو فى نعيمهم حمامات باذخة وميادين للهو واسعة، ومصارع يتصارع فيها الأبطال مع الأبطال أو مع السباع، ولا يزظالون يصارعون حتى يخر الواحد منهم صريعاً يتشحط فى دمه . وقد أدرك هؤلاء الفاتحون  الذين دوخوا العالم، أنه إن كان هناك شىء يستحق العبادة فهو القوة. لأنه بها يقدر الإنسان على أن ينال الثروة التى يجمعها أصحابها بعرق الجبين وكد اليمين. وإذا غلب الإنسان فى ساحة القتال بقوة ساعده، فحينئذ يمكن أن يصادر الأموال والأملاك، ويعين إيرادات الإقطاع. وأن رأس الدولة الرومانية هو رمز لهذه القوة القاهرة، فكان نظام روما المدنى يشف عن أبهة الملك. ولكنه كان طلاء خداعأً، كالذى نراه فى حضارة اليونان فى عد انحطاطها))([8]).

ويصف الأستاذ أبو الأعلى المودودى حالة المجتمع الرومانى فى هذه الفترة يقول:

((ولما تراخت عرى الأخلاق وصيانة الآداب فى المجتمع الرومانى إلى هذا الحد، اندفع تيار من العرى والفواحش وجموح الشهوات. فأصبحت المسارح مظاهر للخلاعة والتبرج الممقوت والعرى المشين.. وزيت البيوت بصور ورسوم كلها دعوة سافرة إلى الفجور والدعارة والفحشاء. ومن جراء ذلك راجت مهنة المومسات والداعرات. وانجذبت إليها نساء البيوتات. وتمادى الأمر فى ذلك إلى أن اضطر القوم إلى وضع قانون خاص فى عهد القيصر ((تانى بيرس)) (14 37م) لمنع نساء البيوتات من احتراف مهنة المومسات وصناعتهم النافقة. ونالت مسرحية ((فلورا Flora)) حظوة عظيمة لدى الروم، لكونها تحتوى على سباق النساء العاريات. وكذلك انتشر استحمام الرجال والنساء فى مكان واحد بمرأى من الناس ومشهد.. أما سرد المقالات الخليعة، والقصص الماجنة العارية فكان شغلاً مرضياً مقبولاً لا يتحرج منه أحد، بل الأدب الذى كان يتلقاه الناس بالقبول والرضى هو الذى يعبر عنه اليوم بالأدب المكشوف. وهو الذى يتبين فيه أحوال الحب والعناق والتقبيل سافرة، غير مقنعة بحجب من المجاز والكنايات))().

ثم حدث أن استطاعت النصرانية كما شكلها بولس أن تمسك بزمام الدولة الرومانية، وأن تولى الإمبراطور قسطنطين فى سنة 305ميلادية، وأن تصبح لها الكلمة العليا فى الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف.. فما الذى حدث؟

حدث ما يصوره درابر بقوله:

((دخلت الوثنية والشرك فى النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة، ومناصب عالية فى الدولة الرومانية بتظاهرهم بالنصرانية، ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين، ولم يخلصوا له يوماً من الأيام. وكذلك كان قسطنطين. فقد قضى عمره فى الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلاً فى آخر عمره (337م) .

((إن الجماعة النصرانية.. وإن كانت قد بلغت من الثورة بحيث ولت قسطنطين الملك، ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية وتقتلع جرثومتها. وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها، ونشأ من ذلك دين جديد تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء.. هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية إذ قضى الإسلام على منافسه (الوثنية) قضاءاً باتاً ونشر عقائده بغير غبش.

((وإن هذا الإمبراطور الذى كان عبداً للدنيا، والذى لم تكن عقائده الدينية تساوى عنده شيئاً، رأى لمصلحته الشخصية ولمصلحة الحزبين المتنافسين النصرانى والوثنى أن يوحدهما، ويؤل بينهما حتى إن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة. ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة. وسيخلص الدين النصرانى عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها))([9]).

ولم تستطع هذه النصرانية الملقحة بالوثنية أن تنتزع الرومان من الحياة البهيمية الداعرة التى كانوا يزاولونها فى وثنيتهم.. عندئذ عمدت إلى الطرف المقابل.. الرهبانية.. الرهبانية التى تكبت الميول الفطرية والطاقات الطبيعية، والوظيفة الأساسية للإنسان فى الأرض.. التعمير والخلافة .. ثم لا تفلح طبعأ فى قتل هذه القوى الضخمة العميقة الجذور فى الكينونة البشرية. ولكنها تفلح فى إحالة الحياة إلى شد وجذب بين الدوافع والكوابح، وإلى صراع أليم فى داخل الكيان البشرى، وإلى دمار رهيب فى الحياة الاجتماعية والعمرانية ..

ويصف ليكى فى كتابه ((تاريخ أخلاق أوروبا)) ما وصلت إليه الرهبانية يقول :

(( زاد عدد الرهبان زيادة عظيمة، وعظم شأنهم، واستفحل أمرهم، واسترعوا الأنظار، وشغلوا الناس، ولا يمكن الآن إحصاؤهم بالدقة، ولكه مما يلقى الضوء على كثرتهم، وانتشار الحركة الرهبانية ما روى المؤرخون أنه كان يجتمع أيام عيد الفصح خمسون ألفاً من الرهبان، وفى القرن الرابع المسيحى كان راهب واحد يشرف على خمسة آلاف راهب، وكان الراهب ((سرابين) يرأس عشرة آلاف، وقد بلغ عددهم فى نهاية القرن الرابع عدد أهل مصر))..

وأفاض ((ليكى)) وغيره فى وصف حالة الرهبان، وبشاعة بعدها عن الفطرة الإنسانية، والإيجابية الإنسانية، والغلو فى الهرب من طيبات الحياة، ومكافحة نشاط الفطرة، مما نكتفى فيه بتلخيص جيد واف للأستاذ أبى الحسن الندوى فى كتابه ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)) تحت عنوان ((عجائب الرهبان)) جاء فيه :

((ظل تعذيب الجسم مثلاً كاملاً فى الدين والأخلاق إلى قرنين، وروى المؤرخون من ذلك عجائب. فحدثوا عن الراهب ما كاريوس (Macarius) أنه ننام ستة أشهر فى مستنقع، ليقرص جمسه العارى ذباب سام، وكان يحمل دائماً نحو قنطار من حديد، وكان صاحبه الراهب ((يوسيبيس)) (Eusebius) يحمل نحو قنطارين من الحديد، وقد أقام ثلاثة أعوام فى بئر  نزح، وقد عبد الراهب يوحنا (St. John) ثلاث سنين قائماً على رجل واحدة، ولم ينم ولم يقعد طوال هذه المدة، فإذا تعب جداً أسند ظهره إلى الصخرة. وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائماً، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل، ويمشون على أيديهم  وأرجلهم كالأنعام، وكان أكثرهم يسكنون فى مغارات السباع والآبار النازحة، والمقابر ، ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح، ويتأثمون من غسيل الأعضاء.

وأزهد الناس عندهم وأتقاهم أبعدهم عن الطهارة، وأوغلهم فى النجاسات والدنس، ويقول الراهب (اتهينس): إن الراهب (أنتوني) لم يقترف إثم غسل الرجلين طول عمره. وكان الراهب( أبراهامم) لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين سنة. وقد قال الراهب الإسكندرى بعد زمن متلهفاً: واأسفاه لقد كنا فى زمن نعد غسل الوجه حراماً، فإذا بنا ندخل الحمامات. وكان الرهبان يتجولون فى البلاد ويختطفون الأطفال، ويهربون إلى الصحراء والأديار، وينتزعون الصبية من حجور أمهاتهم، ويربونهم تربية رهبانية، والحكومة لا تملك من الأمر شيئاً، والجمهور والدهماء يؤيدونهم، ويحبذون الذين يهجرون آباءهم وأمهاتهم ويختارون الرهبانية ويهتفون باسمهم. وعرف كبار من الرهبان ومشاهير التاريخ النصراني بالمهارة فى التهريب، حتى روى أن الأمهات كن يسترن أولادهن فى البيوت، إذا رأين الراهب أمبروز (Ambrose) وأصبح الآباء والأولياء لا يملكون من أولادهم شيئاً، وانتقل نفوذهم وولايتهم إلى الرهبان والقسوس.

(( وكان نتيجة هذه الرهبانية أن خلال القوة والمروءة التى كانت تعد فضائل، عادت فاستحالت عيوباً ورذائل. وزهد الناس فى البشاشة وخفة الروح، والصراحة، والسماحة، والشجاعة والجراءة، وهجروها. وكان من أهم نتائجها أن تزلزلت دعائم الحياة المنزلية، وعم الكنود والقسوة على الأقارب. فكان الرهبان الذين تفيض قلوبهم حناناً ورحمة، وعيوبهم من الدمع، تقسو قلوبهم وتجمد عيونهم على الآباء والأمهات والأولاد. فيخلفون الأمهات ثكالى، والأزواج أيامى، والأولاد يتامى، عالة يتكففون الناس، ويتوجهون قاصدين الصحراء، همهم الوحيد أن ينقذوا أنفسهم فى الآخرة، لا يبالون ماتوا أو عاشوا. وحكى (ليكى) من ذلك حكايات تدمع العين وتحزن القلب.

((وكانوا يفرون من ظل النساء، ويتأثمون من قربهن والاجتماع بهن، وكانوا يعتقدون أن مصادفتهن فى الطريق والتحدث إليهن ولو كنا أمهات أو أزواجاً أو شقيقات تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية . وروى (ليكى) من هذه المضحكات المبكيات شيئاً كثيراً ))([10]).

          فماذا كانت ثمرة هذا الغلو فى مجافاة الفطرة، ومحاولة سحق الميول والاستعدادات الفطرية العميقة فى الكينونة الإنسانية؟

          إنها لم تكن انتصاراً لهذا الانحراف العاتى، فهذا مستحيل والفطرة أغلب ولم تكن اعتدالاً وتوازناً فى جموح المادية الشهوانية الرومانية. وإنما كانت خليطاً من هذا وذلك. يفسد الحياة كلها إفساداً .

          كانت هذه الصورة التى يرسمها (ليكى) فى كتاب : ((تاريخ الأخلاق فى أوروبا)) .

(( إن التبذل والإسفاف قد بلغا غايتهما فى أخلاق الناس واجتماعهم، وكانت الدعارة والفجور والأخلاد إلى الترف، والتساقط على الشهوات، والتملق فى مجالس الملوك وأندية الأغنياء والأمراء، والمسابقة فى زخارف اللباس والحلى والزينة .. فى حدتها وشدتها.. كانت الدنيا فى ذلك الحين تتأرجح بين الرهبانية القصوى، والفجور الأقصى . وإن المدجن التى ظهر فيها أكبر الزهاد كانت أسبق المدن فى ا لخلاعة والفجور، وقد اجتمع فى هذا العصر الفجور والوهم اللذان هما عدوان لشرف الإنسان وكرامته وقد ضعف رأى الجمهور حتى أصبح الناس لا يحتفلون بسوء الأحدوثة والفضيحة بين الناس.

          وكان الضمير الإنسانى ربما يخاف الدين ووعيده، ولكنه أمن واطمأن لاعتقاده أن الأدعية وغيرها تكفر عن جميع أعمال الإنسان .. لقد نفقت سوق المكر والخديعة والكذب، حتى فاق هذا العصر فى ذلك، عصر القياصرة. ولكن الظلم والاعتداء والقسوة والخلاعة كانت تؤدى إلى انحطاط فى حرية الفكر والحماسة القومية )).

* * *

ثم كانت الطامة الكبرى، يوم وقفت الكنيسة بما تبنته من آراء ((علمية)) خاطئة وخرافات وأساطير شائعة، واعتبرته جزءاً من الدين والعقيدة.. يوم وقفت بهذا الغثاء فى وجه المنهج العلمى التجريبى الذى تسرب من الجامعات الإسلامية إلى التلامذة الأوربيين، فى وجه النتائج ((العلمية)) الحقيقية التى أخذ هذا المنهج والتلامذة الأوروبيون العلماء يصلون إليها.. وحرقت العلماء، وطاردتهم وأنكرت مناهجهم ونتائج تجاربهم جميعاً .

كانت هذه هى الطامة الكبرى. إذ جمح العلماء ثم الجماهير جموحاً مضاداً لجموح الكنيسة، لا يقف عند حد الاعتدال أبداً ..

وتلا ذلك النظريات والمذاهب التى أشرنا إليها، جامحة فى تلويث الإنسان وتحقيره، ومن ثم إباحة كل خساسات الشهوات الجامحة له، بدون حدود ولا قيود .

وظلت الموجة العاتية فى مدها حتى اللحظة الحاضرة . وإنساحت من أوروبا إلى وليدتها أمريكا، ثم انساحت منها إلى جنبات الأرض، وما تزال ماضية فى طريقها. عاصفة مدمرة. تنفخ فيها أبواق الصحافة والسينما والمسرح والأدب والتصوير والنحت.. وسائر الفنون، وسائر أجهزة الإعلام والتوجيه .. ومن ورائها جميعاً ((بروتوكلات صهيون)) التى تنص على أن هذا كله هدف أصيل للصهيونية العالمية، لتدمير العالم غير اليهودى وإصابته بالانحلال، ليسهل بذلك إخضاعه لحكم صهيون!

وما تزال البشرية تهوى إلى هاوية الدمار الأكيد. وعجلة الحياة جامحة مجنونة. تلهبها سياط الأجهزة المتعددة . حتى يأذن الله، فتتسلم القيادة يد غير تلك اليد الرعناء المجنونة الشاردة المحمومة.



[1] هذا مجرد رأى لهكسلى بوصفه ((داروينيا)) وهو طبعاً يعز عليه أن يتراجع عن فروض داروين كلية أمام ضغط الحقائق الجديدة، ولكنه يتراجع بالفعل وهو يتظاهر بأنه ثابت على أصول النظرية ! والإنسان يحتوى الكيان الحيوانى من الناحية العضوية ولكنه ليس حيواناً بالمعنى الذى تقوله الداروينية.

[2] التخيل.

[3] الناشئة من رصيد التجارب الإنسانية.

[4] بعد اعتراف هكسلى هكذا عاد ليسترد موقفه، إن النظرية الدينية لم تكن صحيحة فى تفصيلها أو فى كثير مما تضمنته. ثم أرغمته الحقائق مرة أخرى فختم هذا التراجع بقوله: ((ولكن كان لها أساس جيولوجى متين)). وهكذا يتأرجح بين ضغط الحقائق وبين مقتضيات الإلحاد والمادية!.

[5] نحن ننقل نصوص هكسلى كما هى- بغض النظر عما نخالفه فيه فى نشأة الإنسان..

[6] من كتاب((الإنسان فى العالم الحديث)) ترجمة حسن خطاب.. مقتطفات متفرقة.  

[7] عالجت هذا الموضوع بتوسع فى فصل ((حقيقة الإنسان)) فى كتاب : ((خصائص التصور الإسلامى ومقوماته)) وفصل ((نظام إنسانى)) فى كتاب ((نحو مجتمع إسلامى))

[8] نقلا عن كتاب ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)) للسيد أبى الحسنن الحسنى الندوى ص139 ، 14. من الطبعة الثانية.

[9] عن كتاب ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)) ص14. ، 141

[10] ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص 142 143 .

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

في التاريخ... فكرة ومنهاج 

الإسلام ومشكلات الحضارة 

أفراح الروح 

معالم في الطريق 

هذا الدين 

خصائص التصور الإسلامي 

المستقبل لهذا الدين 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca