إن الإبداع المادى فى هذه الأرض على يد الإنسان.. فوق أنه ضرورة لحياته ولنمو هذه الحياة ورقيها.. هو فى الوقت ذاته وظيفة أساسية له، يحقق لها وجوده، وينمى فيها ذاتيته، ويدرب فيها استعداداته الكامنة، التى أودعها الله كينونته الفردية المعقدة المركبة.. فهو وحده من بين سائر الأحياء الذى يؤدى هذه الوظيفة عن وعى وقصد وإرادة.. ثم هو – بعد هذا وذاك واجب يحقق به غاية وجوده الكبرى: وهى الخلافة عن ا لله فى الأرض : ((إنى جاعل فى الأرض خليفة)) .. ويحقق بها العبادة لله عن طريق هذه الخلافة، والعمل فيها باسم الله، ابتغاء رضوان الله: ((ومنا خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون))().
ولكن هذا الإبداع المادى – بكل مدلولاته – من فلاحة الأرض، إلى استخراج كنوزها واستخدام طاقاتها، إلى انتاج المواد الاستهلاكية للاستمتاع بطيبات الحياة، إلى ريادة الفضاء الكوني وما قد تتيسر ريادته من الكواكب. هذا الإبداع بكل مدلولاته يجب أن يكون فى خدمة ((الإنسان))، فهكذا أراد له خالقه، وهو يعلن أنه سخر له ما فى السماوات وما فى الأرض جميعاً منه .. وأن يكون ملحوظاً فى هذا الإبداع وفى بناء الحضارة التى تقوم عليه، تنمية خصائص ((الإنسان)) : خصائصه كجنس يفترق عن المادة ويفترق عن الحيوان، وخصائص أفراده الذين يؤلف كل واحد منهم عالماً خاصاً – كما أسلفنا – بفرديته البيولوجية والنفسية والقعلية .. وألا يكون فى طرائق الإبداع المادى ولا فى بناء الحضارة التى تقوم عليه، ما يناقض هذه الخصائص أو يدفنها، أو يعوق نموها، أو يحطمها، ولا أن يهينها كذلك ويحقرها، ولا أن يجعل دور الإنسان فى هذه الأرض دوراً ثانوياً أو تابعاً للإبداع المادى، بأى حال من الأحوال.
وليس هنالك تعارض إطلاقاً بين أن يظل (الإنسان) سيد هذه الأرض، وأن تنمى خصائصه الجنسية والفردية، وتؤكد شخصيته كجنس وكفرد، وبين أن ينمو الإبداع المادى ويتجدد ويترقى.
وليس الأمر أنه ليس هنالك تعارض – فحسب – بل هنالك تناسق بين هذا وذلك حين تستقيم النظرة إلى الإنسان، ومركزه فى هذا الوجود، ودوره فى هذه الأرض، وخصائصه التى زود بها من لدن خالقه العظيم، وواجبه الذى كلفه والذى خلق من أجله ..
ولكن صانعى هذه الحضارة الحديثة – ولو أنها حلقة من حلقات الحضارة الإنسانية غير منفصلة عنها فى جذورها العميقة – لم يكن لديهم العلم بحقيقة هذا الإنسان وخصائصه. كما أنه لم تكون لديهم الرغبة فى احترامه وتكريمه.
لم يكن لديهم العلم، لأن هذه الحضارة بدأت ونمت خلال القرون الثلاثة الأخيرة، بينما الجهالة المطلقة بالإنسان لا تزال قائمة حتى اللحظة . وليس هنالك ما هو صحيح وثابت عنه إلا ما أخبر به عنه خالقه العظيم .. والحضارة المادية الحديثة نشأت فى جو الشرود من الكنيسة، والنفور من ظلها، ومن ظل الدين.. كل الدين ..
ولم تكن لديهم الرغبة، لأن أية محاولة لتكريم الإنسان، كانت ستذكر بمركزه الذى يعطيه الدين له .. وكل شىء كان جائزاً فى أوروبا إلا أن تجئ سيرة الدين . وأن تكون لهذا الدين أية علاقة بأوضاع الإنسان ((المدنية)) وبالنظم الاجتماعية والاقتصادية، وبعلاقات العمل وارتباطاته وطرائقه الفنية! بل كانت تتوافر عندهم الرغبة المضادة والحرص البالغ، على تحقير الإنسان، وتدنيسه وتلويثه، وإثبات حيوانيته وقذارته الجنسية من جهة، وضآلة دوره إزاء المادة وقوانينها الحتمية، والاقتصاد وإرادته القاهرة منجهة أخرى، كأنما هم أعداء لهذا ((الجنس الإنسان)) حريصون – فى شماتة ظاهرة – على إبرازه يتلبط فى المستنقع ويتلطخ بالأوحال. كل ذلك ليقولون للكنيسة: خذى إلهك ودينك، وخذى معهما إنسانك هذا الذى تزعمين أن الله قد نفخ فيه من روحه واذهبى بعيداً عنا وعن حياتنا الواقعية!!!
وأياً ما كانت الملابسات التى أدت إلى هذه المأساة، فإن الحقيقة الواقعة، أن هذه الحضارة الحديثة – ولو أنها قامت ابتداء على أسس الاتجاهات التجريبية العلمية التى اقتبستها أوروبا من الأندلس ومن الشرق الإسلامى، النابعة ابتداء من التوجيهات القرآنية لتدبر النواميس واستغلال الطاقات والمدخرات فى الأرض، ومن روح الإسلام الواقعية الإنسانية، إلال إنها حين انتقلت إلى أوروبا لم تنتقل بجذورها الفلسفية، إنما انتقلت علوماً وطرقاً فنية، ومناهج تجريبية. وصادفت ذلك ((الفصام النكد))() بين الدين والنهضة الحضارية. ومن ثم لم يلحظ فى بنائها هذا ((الإنسان)) المفروض أنه صانعها، وأنها من أجله صنعت. وكذلك أصبحت لا تلائم هذا ((الإنسان) بل تسحق خصائصه الأساسية التى تجعل منه هذا الكائن الفذ الفريد فى الكون، والتى بدونها لا يملك هذا الكائن أن يؤدى دوره. كما أن إغفال بعضها فى أى نظام اجتماعى أو إقتصادى، وفى أية حضارة، من شأنه أن يحدث الاختلاف فى الكينونة البشرية، ويقضى لا على الجوانب التى أغفلت فحسب، بل كذلك على الجوانب الأخرى، نظراً لأن الجهاز الإنسانى كل مركب متناسق، يعمل فى الواقع كوحدة فى كل نشاط يبذله، ولا يوجد مجزءاً إلا فى عالم البحوث العقلية والمعملية.
* * *
ونعود إلى الاقتباس من تقريرات الدكتور ألكسيس كاريل عن هذه الحضارة وعن نشأتها، وعن عدم ملاءمتها للإنسان، وعن الخصائص الإنسانية التى تهملها أو تحطمها :
((إن الحضارة العصرية تجد نفسها فى موقف صعب، لأنها لا تلائمنا. لقد أنشئت دون أية معرفة بطيعتنا الحقيقية، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم ورغباتهم. وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا، إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا .. (ص38) .
((لقد أهمل تأثير المصنع على الحالة الفسيولوجية والعقلية للعمال إهمالاً تاماً عند تنظيم الحياة الصناعية. إذ أن الصناعة العصرية تنهض على مبدأ : الحد الأقصى من الإنتاج بأقل قدر من التكاليف، حتى يستطيع فرد أو مجموعة من الأفراد أن يحصلوا على أكبر مبلغ مستطاع من المال () .. وقد اتسع نطاقها دون أى تفكير فى طبيعة البشر الذين يديرون الآلات، ودون أى اعتبار للتأثيرات التى تحدثها طريقة الحياة الصناعية التى يفرضها المصنع على الأفراد وأحفادهم))(ص40).
((وهؤلاء النظريون يبنون حضارات، بالرغم من أنها رسمت لتحقيق خير الإنسان، إلا أنها تلائم فقط صورة غير كاملة أو مهولة للإنسان. إن نظم الحكومات التى أنشأها أصحاب المذاهب فى عقولهم عديمة القيمة .. فمبادئ الثورة الفرنسية وخيالات ماركس ولينين، تنطبق فقط على الرجال الجامدين (غير الأحياء أو المتحركين) . فيجب أن نفهم بوضوح أن قوانين العلاقات البشرية ما زالت غير معروفة . فإن علوم الاجتماع والاقتصاديات علوم تخمينية افتراضية)).. (ص43) .
((يجب أن يكون الإنسان مقياساً لكل شىء. ولكن الواقع هو عكس ذلك. فهو غريب فى العالم الذى ابتدعه. إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه، لأنه لا يملك معرفة عملية بطبيعته.. ومن ثم فإن التقدم الهائل الذى أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة، هو إحدى الكوارث التى عانت منها الإنسانية.. فالبيئة التى ولدتها عقولنا واختراعاتنا غير صالحة لا بالنسبة لقوامنا، ولا بالنسبة لهيئتنا.. إننا قوم تعساء . لأننا ننحط أخلاقياً وعقلياً .. إن الجماعات والأمم التى بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم، هى على وجه الدقة الجماعات والأمم الآخذة فى الضعف، والتى ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من عودة غيرها إليها. ولكنها لا تدرك ذلك. إذ ليس هناك ما يحميها من الظروف العدائية التى شيدها العلم حولها. وحقيقة الأمر أن مدنيتنا مثل المدنيات – التى سبقتها – أوجدت أحوالاً معينة للحياة. من شأنها أن تجعل الحياة نفسها مستحيلة. وذلك لأسباب لا تزال غامضة)) .. (ص43 – 44)
((ونحن ندرك أنه بالرغم من الآمال العريضة التى وضعتها الإنسانية فى الحضارة العصرية، فقد أخفقت هذه الحضارة فى إيجاد رجال على حظ من الذكاء والجراءة يقودونها عبر الطريق الخطر الذى تتعثر فيه. لأن بنى الإنسان لم ينمو بالسرعة التى تثب بها الأنظمة من عقولهم. ومن ثم فإن أكثر ما يعرض الأمم العصرية للخطر هو النقص العقلى والأدبى الذى يعانى منه الزعماء السياسيون)) .. (ص37)
((إن العقل. وقوة الإرادة والأخلاق، ترتبط ارتباطاً وثيقاً. بيد أن الإحساس الأدبى أهم بكثير من العقل. وحينما ينعدم هذا الإحساس من أحد الشعوب، فإن كيانه الاجتماعى كله يبدأ فى الانهيار البطئ)) .. (ص160)
((يكاد المجتمع الحديث أن يهمل الإحساس الأدبى إهمالاً تاماً بل لقد كبتنا مظاهره فعلاً .. فقد أشربنا جميعاً الرغبة فى التخلص من المسئولية. أما أولئك الذين يميزون الخير من الشر، ويعملون ويتحفظون، فإنهم يظلون فقراء، وينظر إليهم بضيق وتأفف. والمرأة التى أنجبت عدة أطفال وأوقفت نفسها على تعليمهم، بدلاً من الاهتمام الخاص بنفسها، تعتبر ضعيفة العقل. وإذا أدخر رجل بعض المال لزوجته وتعليم أولاده، سرق منه هذا المبلغ بواسطة الماليين أصحاب المشروعات أو أخذته الحكومة )) .. (ص158) .
((إن المادية البربرية التى تتسم بها حضارتنا، لا تقاوم السمو العقلى فحسب. بل إنها تسحق أيضاً الشخص العاطفى، واللطيف والضعيف، والوحيد وأولئك الذين يحبون الجمال ويبحثون عن أشياء أخرى غير المال))... (ص371) .
((إن امتناع نمو وجوه النشاط العاطفى، أو الجمالى، أو الدينى، يخلق أشخاصاً فى المرتبة الدنيا، ذوى عقول ضيقة مريضة. وبالرغم من أن التعليم العقلى يهيأ الآن لكل فرد، إلا أننا ما زلنا نشاهد أمثال هؤلاء الأشخاص فى كل مكان.. وعلى كل حال فإن الثقافة العالية ليست ضرورية لتخصب الشعور بالجمال، والإحساس الدينى، ولتنتج فنانين وشعراء، ورجال دين، وجميع أولئك الذين يتأملون مختلف وجوه الجمال: وهذا الذى نقوله صحيح أيضاً بالنسبة للإحساس الأدبى وأصالة الحكم.. وجميع ألوان النشاط هذه تكاد تكون كافية فى حد ذاتها.. إنها لا تحتاج إلى الاقتران بالذكاء الحاد لكى تهيئ للإنسان استعداده للسعادة، فيجب أن يكون نموها هو الهدف الأسمى للتعليم لأنها تهيئ التوازن للفرد. إنها تجعل منه حجرا صلباً فى الصرح الاجتماعى، ولا شك فى أن الإحساس الأدبى ضرورى أكثر من الذكاء بالنسبة لأولئك الذين يعملون على زيادة الحضارة الصناعية (ص168 – 169) .
((ويظل تذوق الجمال كامناً (مكبوتاً) فى أغلب الأفراد، لأن الحضارة الصناعية أحاطتهم بمناظر قبيحة كريهة خشنة. ولأننا تحولنا إلى آلات. فالعامل يقضى حياته، وهو يكرر الإشارات والحركات نفسها آلاف المرات فى كل يوم .. إنه يصنع قطعاً مفردة فقط، ولكنه لا يصنع وحدة كاملة مطلقاً. أى أنه غير مسموح له باستعمال عقله. إنه الحصان الأعمى الذى يدور فى دائرة واحدة طول النهار ليخرج الماء من البئر . إن الصناعة تحرم على الإنسان استخدام وجوه نشاطه العقلى التى يمكن أن تجلب له قسطاً من المتعة كل يوم .. لقد ارتكبت المدينة الحديثة خطأ كبيراً دائماً بتضحية العقل فى سبيل المادة. خطأ تزداد خطورته يوماً بعد يوم لأن أحداً لا يثور ضده، ولأن الجميع يتقلبونه بسهولة كما يتقلبون الحياة غير الصحية فى المدن الكبرى والسجن فى المصانع. ومع ذلك فإن أولئك الذين يستشعرون مجرد الإحساس البدائى بالجمال فى عملهم، أكثر سعادة من أولئك الذين ينتجون لأن مجرد الإنتاج يمكنهم من الاستهلاك.. إن الصناعة – بشكلها الحالى – حرمت العامل من الابتداع والجمال. وتعزى خشونة حضارتنا وكآبتها – ولو جزئياً – إلى الكبت الذى نعانى منه فى حياتنا اليومية، التى لا تشتمل إلا على أبسط أشكال الاستمتاع بالجمال )) (ص 161 – 162).
((يتجاهل المجتمع العصرى الفرد، فهو لا يحسب حساباً إلا ((لبنى الإنسان)) فقط. إنه يؤمن بحقيقة ((الكونيات)) ويعامل الناس كخلاصات. ولقد أدى اضطراب الأمر فيما يتعلق بالفرد، وبينى الإنسان، إلى وقوع المدنية الصناعية فى غلطة جوهرية. وهى معاملة الناس على أساس قواعد مرسومة. فلو أننا كنا جميعاً متساويين لأمكن أن نربى ونعيش ونعمل فى قطعان كبيرة أشبه بقطعان الأغنام. بيد أن لكل منا شخصيته الخاصة ولا يمكن أن يعامل كرمز )) .. (ص 318).
((لقد ارتكب المجتمع العصرى غلطة جسيمة باستبداله تدريب الأسرة بالمدرسة استبدالاً تاماً. ولهذا تترك الأمهات أطفالهن لدور الحضانة، حتى يستطعن الانصراف إلى أعمالهن، أو مطامعهن الاجتماعية، أو منباذلهن، أو هوايتهن الأدبية أو الفنية، أو للعب البريدج، أو ارتياد دور السينما.. وهكذا يضيعن أوقاتهن فى الكسل. إنهن مسئولات عن اختفاء وحدة الأسرة واجتماعاتها التى يتصل فيها الطفل بالكبار، فيتعلم منهمن أموراً كثيرة.. إن الكلاب الصغيرة التى تنشأ مع أ×رى من نفس عمرها فى حظيرة واحدة، لا تنمو نمواً مكتملاً كاكلاب الحرة التى تستطيع أن تمضى فى إثر والديها. والحال كذلك بالنسبة للأطفال الذين يعيشون وسط جمهرة من الأطفال الآخرين وأولئك الذين يعيشون بصحبة راشدين أذكياء. لأن الطفل يشكل نشاطه الفسيولوجى والعقلى والعاطفى طبقاً للقوالب الموجودة فى محيطه. إذ أنه لا يتعلم إلا قليلاً من الأطفال الذين فى مثل سنه. وحينما يكون مجرد وحدة فى المدرسة، فإنه يظل غير مكتمل. ولكى يبلغ الفرد قوته الكاملة، فإنه يحتاج إلى عزلة نسبية، واهتمام جماعة اجتماعية محددة تتكون من الأسرة)) ... (ص318 – 319) .
((إن إهمال مؤسساتنا الاجتماعية للفردية مسئول أيضاً عن ضمور الراشدين. لأن الإنسان لا يتحمل – دون أضرار – طريقة الحياة ، وتشابه العمل السخيف المفروض على موظفى وعمال المكاتب والمصانع، وعلى جميع من يساهمون فى الإنتاج الضخم)).. (ص319) .
* * *
ويختم الرجل هذه التقريرات التى أقتطفنا اليسير منها، والتى تتناثر، فى كتابه كله، وتتجمع عند إحساس واحد: هو الإحساس بخطر هذه الحضارة على ((الإنسان)) ومقوماته الذاتية، وخصائصه الإنسانية.. يختمها بهذا التقرير الذى يحمل طابع الإنذار . والذى – مع أنه يصدر عن ((عالم)) – يشبه صرخات الإنذارات الدينية للعصاة :
((الإنسان نتيجة الوراثة والبيئة وعادات الحياة والتفكير التى يفرضها المجتمع العصرى .. ولقد وصفنا كيف تؤثر هذه العادات فى جسمه وشعوره، وعرفنا لأنه لا يستطيع تكييف نفسه بالنسبة للبيئة التى خلقتها ((التكنولوجيا)) وأن هذه البيئة تؤدى إلى انحلاله. وأن العلم والتكنولوجيا ليسا مسئولين عن حالته الراهنة، وإنما نحن المسئولين. لأننا لم نستطع التمييز بين الممنوع والمشروع.. لقد نقضنا القوانين الطبيعية فارتكبنا بذلك الخطيئة العظمى. الخطيئة التى يعاقب مرتكبها دائماً .. إن مبادئ ((الدين العلمى)) والآداب الصناعية قد سقطت تحت وطأة غزو ((الحقيقة البيولوجية)) .. فالحياة لا تعطى إلا إجابة واحدة حينما تستأذن فى ارتياد الأرض المحرمة .. هى إضعاف السائل.. ولهذا فإن الحضارة آخذة فى الانهيار، لأن علوم الجماد قادتنا إلى أرض ليست لنا فقبلنا هداياها جميعاً بلا تمييز ولا تبصر.. ولقد اصبح الفرد ضعيفاً، متخصصاً ، فاجراً، غبياً، غير تقدر على التحكم فى نفسه ومؤسساته))(ص322).
ثم يعقب هذا الإنذار بصيحة أخرى فيما ينبغى عمله فى فصل طويل فى كتباه بعنوان : ((إعادة إنشاء الإنسان)) وفيه يقول :
(( يجب علينا أن نعيد إنشاء الإنسان – فى تمام شخصيته – الإنسان الذى أضعفته الحياة العصرية ومن قياسها الموضوعة .. كذلك يجب أن يحدد الجنسان مرة أخرى. فيجب أن يكون نكل فرد إما ((ذكراً)) وإما ((أنثى)) فلا يظهر مطلقاً صفات الجنس الآخر العقلية وميوله الجنسية وطموحه. وبدلاً من أن يشبه الآلة التى تنتج فى مجموعات يجب على الإنسان – بعكس ذلك – أن يؤكد وحدانيته .. ولكى يفيد تكوين الشخصية يجب أن نحطم هيكل المدرسة، والمصنع والمكتب، وأن ننبذ مبادئ الحضارة التكنولوجية نفسها )) ... (ص368) .
ومن قبل يقول فى تقديمه لكتابه إنه ((كذلك كتب لأولئك الذين يجدون فى أنفسهم شجاعة كافية، ليدركوا – ليس فقط ضرورة إحداث تغييرات عقلية وسياسية واجتماعية – بل أيضاً .. ضرورة قلب الحضارة الصناعية، وظهور فكرة أخرى للتقدم البشرى )) ... (ص12) .
* * *
هذه المقتطفات توسعنا فيها – كما توسعنا فى المقتطفات التى نقلناها عن دكتور كاريل فى فصل ((الإنسان ذلك المجهول)) – عن عمد بوصفها شهادة من رجل أول صفاته أنه ((عالم )) دارس لموضوعه، متمكن منه. ثم هو من الناشئين فى كنف هذه الحضارة التى يثور عليها هذه الثورة، ومن المؤمنين بالعلم، الذى يعلن عن عجزه وقصوره هذا الإعلان...
وهذه المقتطفات – وحدها – تكفى للدلالة العميقة على أن هذه الحضارة ((حضارة لا تلائم الإنسان)) . لأنها قامت دون معرفة بطبيعته، وسارت فى طريقها دون اعتبار لخصائصه، ودون اعتبار كذلك لما تنزله به من ويلات.
وفى الطريق أهدرت خصائصه كجنس، وأهدرت خصائصه كفرد، وأهدرت خصائص الذكورة والأنوثة.. فى سبيل توفير إنتاج ضخم، تتعود أرباحه إلى عدد محدود من الجشعين، وفى أحسن الحالات فى سبيل تيسيرات مادية ورفاهية مشكوك – على الأقل – فيما إذا كانت ذات فائدة حقيقية للإنسان، ومقطوع بدون شك بأنها لا تساوى ما أهدر فى سبيلها من ((إنسانية الإنسان)) وخصائصه كجنس، ومن إهدار خصائص الفردية الواضحة فيه، ومن إهدار خصائص كجنس، ومن إهدار خصائص المرأة والرجل والأسرة والطفل. وكل مقومات الحياة.
وليست هذه كل مآخذنا على هذه الحضارة، ولا على الحياة التى تقوم عليها. وكذلك ليست هذه زاوية نظرتنا إليها تماماً . فهناك اختلافات فى تشخيص ((الدار)) أو فى ((تكييف الموقف)) بيننا وبين الرجل – كما سنبين فى الفصل قبل الأخير من هذا الكتاب – كما أن الاختلافات بيننا وبينه تكثر وتتسع عند ((وصف الدواء)) وطريقة العلاج .
فالرجل محكوم فى تفكيره كله – على الرغم من سعة أفقه ورحابة نفسه وإخلاصه العلمى – بتاريخ بيئته الحضارية، وبرواسب ووراثات فكرية وشعورية وتاريخية، لا يملك الخلاص منها. مهما بدا له أنه تحرر من كل هذه الضغوط.
ونذكر على سبيل المثال حديثه عن كبت هذه الحضارة للنشاط الدينى للأفراد الذين يعيشون فى ظلها، وأثر هذا الكبت فى خلق أشخاص فى المرتبة الدنيا.
إن صورة معينة من صور ((النشاط الدينى))ن هى التى تخايل نله فى كل حديثه المتفرق فى الكتاب عن هذا الجانب. صورة مزاولة العقيدة مزاولة روحية بحتة. كما يزاول الفرد نشاطه الفنى والجمالى والأدبى. وهو يلحق النشاط الدينى بهذه الألوان من النشاط، بوصفه واحداً منها ..
هذه الصورة مستمدة من التصورات الدينية كما هى سائدة فى أوروبا، باعتبار الدين نشاطاً روحياً فردياً يتمثل فى الصلاة والدعاء والمناجاة، والتصوف إلى آخر صور النشاط الفردى (الروحى) للعقيدة ..
وهو يعيب على الحضارة الصناعية كبتها لهذا النشاط فى هذه الصورة
وعلى الرغم من شفافية شعوره بهذا الجانب، ورفرفة روحه وهو يتحدث عنه، وتجاربه الذاتية فى هذا الحقل..
على الرغم من هذا كله فهو لا يتمثل الدين – كما نتمثله نحن – منهج حياة كامل .. هذا النشاط (( الروحى)) كما يسيطر على النشاط الفنى والجمالى والأدبى.. كما يسيطر أيضاً على النظام الاجتماعى والاقتصادى، والحضارى كله .. فمنه تنبع وإليه ترجع، كل هذه الألوان من النشاط، فى كل جانب من جوانب الحياة.
وجناية الحضارة الراهنة، وسبب فسادها الأساسى، وإهدارها للقيم الإنسانية والخصائص الإنسانية، والمقومات الفردية.. وكل ما يدمغها به دكتور كاريل بحق، يكمن فى رفضها ابتداء أن يكون للدين – بوصفه منهجاً للحياة من عند الله – هذه الاختصاصات وهذا السلطان. أى رفضها لألوهية الله سبحانه. هذا الرفض التمثل فى اتخاذ مناهج للحياة غير منهجه، ولو لم تعلن رفضها لألوهية الله جهراً – كالبلاد الشوعية – فاتخاذ مناهج من صنع البشر هو رفض لألوهية الله قطعاً.
وهذا الرفض سابق على قيام هذه الحضارة. وله أسبابه الخاصة فى التاريخ الأوروبى من ناحية، وفى تاريخ النصرانية فى أوروبا من ناحية أخرى، وله ما يفسر كذلك() . وبسبب هذا الرفض القديم – منذ أيام النهضة – وارتداد أوروبا إلى الوثنية الرومانية. قامت الحضارة الحديثة على قاعدة لا دينية.. ومن هذه الثغرة جاءتها كل الآفات، وجنايتها الحقيقية على ((الإنسان)) تنبع كلها من هذا المصدر الخبيث. وإهدارها للقيم الإنسانية، وخصائص النوعية والفردية، مرده كله إلى هذا المنبث النكد .
وفى هذا ((التشخيص)) نختلف كل الاختلاف مع دكتور كاريل لختلف فى أننا نبدأ من الجذور العميقة، بينما يبدأ هون من أحد الفروع (تخلف علوم الإنسان عن علوم المادة )) وفى أننا ندرك حدود النشاط الدينى فى تكبتها هذه الحضارة فى مداها الواسع الشامل لكل جانب من حيث الحياة الإنسانية.
ومن ثم نختلف فى وصف العلاج .. على ذات المستوى .
ولكن هذا ليس مكانه هذا الفصل فسنعالجه فى الفصل قبل الأخير عند اقتراح ((طريق الخلاص)) .
وحسبنا هنا أن نشير إلى أصل الفساد فى منابت شجرة الحضارة ، إلى جانب الظواهر المتنوعة التى عرضها دكتور كاريل فى إدراك سياسة وإخلاص أكيد فى كتابه القيم. بوصفه أحد العلماء الكبار، الذين على العلم وحده فى الملاحظة والتشخيص والعلاج.