كما وقع التخبط ، والتطرف، والهزات العنيفة، والتأرجح بين الطرفين الجامحين دائماً، وعدم اعتدال الميزان فى الوسط العادل المتناسق.. كما وقع هذا كله فى النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته. وفى النظرة إلى المرأة وعلاقات الجنسين.. كذلك وقع فى النظم الاتصادية والاجتماعية سواء بسواء .
وكان هذا طبيعياً ومنتظراً من نظم تقوم نعلى تلك النظرة الخاطئة إلى الإنسان، وعلى الجهل المطبق بحقيقة الإنسان. فما لم تصح النظرة إلى الإنسان ذاته، وحقيقة فطرته واستعداداته، وغاية وجوده وحدود سلطانه.. إلخ ما لم تصح النظرة إلى هذا كله، فلا مفر من التخبط والأرجحة فى كل ارتباطاته الأخرى. وبخاصة ارتباطاته الاقتصادية والاجتماعية.. فهذه فروع من تلك وأثر من آثارها.
وهذا الذى نقرره فى الفقرة السابقة هو مفرق الطرفن بين التفسير الإنسانى للتاريخ – وهو الذى يتفق مع التصور الإسلامى – والتفسير المادى والاقتصادى للتاريخ. وهو الذى تقوم عليه الماركسية.
ولا عبرة بما يلح فيه الماركسيون من أن أدوات الإنتاج هى التى تنشىء نوع الارتباطات فى المجتمع، وأن هذه الارتباطات – وحدها هى التى تنشئ النظرة إلى ((الإنسان)) وإلى ((الأخلاق)) وإلى ((الدين)) وإلى ((المبادئ)) وإلى ((الأوضاع)) وإلى سائر الارتباطات فى حياة الإنسان.
لا عبرة بهذا الإلحاح فى إفراد العوامل الاقتصادية – وحدها – بتسير كل شىء فى حياة الكائن الإنسانى، والمجتمع الإنسانى ، اعتبارها هى – وحدها – إلهاً قادراً على التغير والتبديل، قاهراً لابد للإنسان إزاءه من الخضوع ((للحتمية)) والتسليم.
لا عبرة بهذا الإلحاح، فإنه هو إلا لوثة من لوثات ((الماركسية)) الكثيرة. وقد تهلهلت ((الماركسية)) على كل حال – ((كنظرية)) – تحت مطارق الواقع، ودوافع الفطرة، وحقائق الدوافع البشرية الأصيلة، واحتاجت إلى التعديلات المتوالية، على يد لينين وستالين وخروشوف. وهم يسمونها ((تعديلات)) وهى فى الواقع ((عدولات) عن أسس النظرية مع الاحتفاظ – لشارة والإطار . وهم يعللون هذه العدولات، بأن الماركسية مذهب متطور .. على حين أن ليس هناك مذهب، ولا نظرية، ولا دين، يحتشد بالحتميات احتشاد الماركسية الأولى، كما وضعها ماركس وأنجلز. فدعوى ((التطور)) بعد الماركسية، دعوى جديدة جداً، لمواجهة مطارق نالفطرة، ومطارق الواقع، وجهاد ((الذات الإنسانية)) فى روسيا والصين، وسائر البلاد التى أخضعتها الشيوعية، لإثبات وجودها على الرغم من الثقل الساحق للنظام البوليسى الرعيب.
ونحن لا نناقش ((الماركسية)) هنا . ولكننا نستعرض فقط بعض مظاهر التخبط والأرجحة فى النظم الاقتصادية والاجتماعية التى قامت مستندة إلى الجهالة المطلقة بحقيقة الإنسان ونظرته وميوله واستعداداته وحاجاته الحقيقة. بسبب أنها قامت بمعزل عن منهج الله العليم بحقيقة هذا الإنسان، وبما يصلح له وما يصلحه من النظم والأوضاع.
لقد سارت الأوضاع تتأرجح بين التطرف هنا والتطرف هناك على نفس الطريقة التى سارت بها فى النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته، والنظرة إلى المرأة وعلاقات الجنسين. بل أشد تأرجحاً وأكثر ضحايا، وأشد بلاء. منذ كان الاقتصاد وتوزيع السلطات فى المجتمع مجالاً لصراع أشد، يبلغ حد الوحشية الرعيبة فى كثير من الأحيان. ومنذ كانت معالجة الخطأ الجامح تأتى بخطأ أخر جامح فى الجانب الآخر. ولا يعتدل بها الميزان قط فى يد الإنسان، الجاهل بنفسه ومقداراته وحاجاته الحقيقية، الخاضع لشهواته وضعفه وهواه، الشارد فى ذاته عن الله ومنهجه للحياة.
والماركسية والتفسيرات المادية عموماً تخرج الإنسان من حسابها وهى تسجل هذه التقلبات والأطوار . والماركسية بصفة خاصة تقيم الاقتصاد – وحده – إلهاً متفرداً متصرفاً فى أقدار ((الإنسان)) بعيداً عن إرادة الإنسان وفطرته واستعداداته . فهى دائماً خاضعة لحتمية العوامل الاقتصادية، أو ناشئة من هذه العوامل الاقتصادية.
وهى تعزو هذه التقلبات والأطوار إلى تغير أدوات الإنتاج، فإن تغبر هذه الأدوات ((يحتم تغير الارتباطات فى المجتمع، ومن ثم يوجد ((التناقض)) بين الوضع القائم، وما يتطلبه تغير أدوات الإنتاج من تغير فى الروابط الاجتماعية والاقتصادية، فتقع الثورة أو الانقلاب لإنشاء وضع جديد ملائم لتغير أدوات الإنتاج. والإنسان لا دور له فى هذا كله.. ولو كان هو الذى يغير أدوات الإنتاج بيده أو بفكره. فلهذا ما يسكت عنه ماركس. وكأن أدوات الإنتاج هذه إله آخر. ولكنه إله يغير بنفسه! فتنشأ ((حتمية)) التغير فى الأوضاع الاجتماعية تبعاً للتغير فى ذات الإله !
ما علينا .. فنحن كما قلنا لا نناقش الماركسية. هنا، ولكن نستعرض فقط الأرجحة فى حياة الناس الشاردين من الله. غير أننا سنناقش فقط هذه ((الحتمية)) والأسباب الواهنة التى قامت عليها فى الفلسفة الماركسية.
إن الماركسيين يعزون التقلبات والأطوار كلها إلى تغير أدوات الإنتاج. ومن ثم تغير الأوضاع الاجتماعية. وهم يعدون هذه الأطوار إذن ((حتمية)) فى خط سير التاريخ .. فعلام يستندون؟
إنهم يستندون – كما يقول كارل ماركس – إلى الواقع التاريخي.
وعلى الرغم مما فى إدعاء فرد واحد – أو حتى مجموعة من الأفراد – أنهم يحيطون علماً بكل وقائع التاريخ، وبكل العوامل المستترة والظاهرة فى هذا التاريخ، وبكل دوافع ((الإنسان)) فى جميع الأجيال والأزمان، لا فى الماضى فقط، ولكن فى الحاضر وفى المستقبل كذلك – بينما العلماء المتخصصون فى القرن العشرين يعترفون بجهالتهم المطلقة بالإنسان، وبأنهم يقفون على عتبات المجهول.. على الرغم مما فى هذا الإدعاء العريض من ((خرافة)) لا يجوز أن يقوم عليها ((رأى أو فرض)) ، فضلاً عن أن يقوم عليها ((مذهب))! فإن الماركسية قد نبذت كل رأى آخر يمكن أن يخالف هذا المذهب: وقامت بالمذابح الرهيبة للملايين من البشر لمجرد أن يكون لهم رأى آخر فى تاريخ الإنسان . أى نفس ما فعلت ((الكنيسة)) شيئاً منه، وهى تحرق العلماء الذين يرون رأياً آخر فى ((خرافاتها المقدسة)) .. وهى لا ترتفع كثيرا على ((الخرافات الماركسية المقدسة)) .. ((العلمية!)) .. فى هذا الزمان!
ولكن الماركسية – ((المذهب العلمى)) – تريح نفسها من متاعب ((الدراسة العلمية)) لكل عوامل التاريخ، ولك دوافع الإنسان.. فهى تحتار عنصراً واحداً من عناصر الحياة – عنصر الاقتصاد – وتعتبره – كما قلنا – إلهاً ، لا راد لمشيئته ، ولا معقب لحكمه. ولا حيلة للإنسان فى ((حتمية )) ما يراه !
غير أنها لا تدرس آثار قدرة هذا الإله فى تاريخ العالم .. إنما تدرسه فى تاريخ أوروبا. ثم تعمم حتمية إرادته على الأرض كلها.. وهذه كذلك إحدى تخريفات ((المذهب العلمى)) القائم على الاستقصاء !
ومن ثم يعتبر الماركسيون أن تاريخ أوروبا هو تاريخ العالم، وأن إله الاقتصاد الذى حكم تاريخ أوروبا هو الذى يحكم تاريخ العالم. ويقررون حتمية تلك اللأطوار فى تاريخ العالم إستناداً إلى ما وقع فى تاريخ أوروبا.. من وجهة نظرهم، التى تنحى كل العوامل فى تاريخ البشر، لتقرر وحدانية إله الاقتصاد بالعمل !
وهم – طبعاً – لا يمكن أن يخطر على بالهم أنه على فرض أن هذا التاريخ صحيح، وعلى فرض أنه تاريخ العالم لا تاريخ أوروبا .. فإن هذه الأطوار تأرجحت هكذا بين طرفى الغلو دائماً. ولم يعتدل بها الميزان أبداً، ووجدت فيها ((المتناقضات)) المتصارعة، نظراً إلى أنها قامت على مناهج من صنع الإنسان، الجاهل بنفسه، وبحاجاته لحقيقة، المثقل فى أحكامه واختياراته وتصرفاته بآثار هذا الجهل، وبالضعف البشرى، والهوىلا المتقلب والشهوات العمياء .. وأنه فى الوقت ذاته لم يستعن بمنهج الله ليضبط هذه الشهوات، وهذا الهوى، وهذا الضعف، وهذا الجهل، بضابط ثابت، يخفف على الأقل من هذه الاندفاعات البشرية على غير هدى فى كل اتجاه !
لا يمكن – طبعاً – أن يخطر هذا على بالهم. وهم يقيمون فلسفتهم الاقتصادية ابتداء على أساس المذهب المادى الذى ينكر أن يكون لهذا الكون إله. وهم يسخرون أشد السخرية ممن يعتقدون بوجود الله ..
ونحن الذين عصمنا الله من الشرود من كنف الله – لأنه لم تكن لنا كنيسة تطاردنا باسمه، فنشرد منها ومن إلهها ودينها، ونمضى كالذين يقول الله عنهم : ((كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة)) º
ونحن الذين عصمنا الله من أن نكل إلى العلم الإنسانى – أو بتعبير العلماء إلى الجهل الإنسانى! – مهمة وضع المناهج الأساسية للحياة الإنسانية ، بل أمدنا بقواعد المنهج المنير، القائم على العلم المطلق بفطرة الإنسان واستعداداته وطاقاته وحاجاته الحقيقة.
نحن – وهذا فضل الله علينا – جديرون أن ننظر إلى المسألة نظرة أخرى . وأن نأخذ الأمور بالرفق والهدوء . والنظر (( العلمى ))الصحيح ، الذى يتقصى كل جوانب المسألة، ولا ينهش منها نهشة ويجرى شارداً من ا لكنيسة، وإله الكنيسة، ودين الكنيسة، وتصورات الكنيسة !
وعندئذ ندرك مظاهر التخبط والتأرجح، والأسباب الحقيقية الكامنة وراءها . وتكون لنا نظرتنا المستقلة، ونظريتنا المستقلة، المستمدة من منهج الله وهداه.. ومن ثم نرى أن هناك اختلافاً جذرياً أصيلاً بين منهجنا، وكل المناهج السائدة، وبين مذهبنا وكل المذاهب المعروفة، وبين طبيعة نظرتنا لواقع الحياة البشرية وللتاريخ البشرى وكل النظرات القائمة، وبين تفسيرنا للحياة والتاريخ وكل تفسير آخر. وبين كل عنوان اتخذته الأنظمة الاجتماعية البشرية وعنوان نظامنا ((الإسلامى)).
وليس هذا البحث المجمل مجال هذه الدراسة، فضلاً على أنها فى حاجة إلى كفايات منوعة، تتجمع فى تنظيم واحد، وتستوفى الزمن اللازم لهذه الدراسة الضخمة، فى ظروف وأوضاع جادة فى الأخذ بمنهج الله. وأمام عزمة حقيقة لتنفيذ هذا المنهج. ومن ثم تتجه إلى هذه الدراسة لتطبيق نتائجها فى عالم الواقع ودنيا التعامل لا لمجرد ابحث والدراسة والثقافة ! فالمنهج الإسلامى فى التفكير والنظر منهج واقعى جاد ، لا يسمح لأصحابه أن يبذلوا جهودهم لمجرد البحث والدراسة والثقافة، إنما هم يبذلونها لتطبق، ولتصبح واقعاً من الواقع، وذلك حين يكون هناك اتجاه جاد لتحكيم النظام الإسلامى كله فى الحياة !
إنما المجال فى هذا البحث المجمل مقصور على استعراض بعض التخبطات فى الحياة الأوروبية – فى هذا الجانب – هذه الحياة التى طغت – مع الأسف – على رقعة الأرض كلها فى هذا الزمان. والتى أصبحت مفهوماتها وتفسيراتها وشاراتها وعنواناتها ومصطلحاتها هى التى تغمر رقعة الأرض كلها، أو تندس فى ثنايا التفكير والتعبير والتطبيق فى كل مكان.
من الرق الروماني الشهير. إلى الإقطاع . إلى الرأسمالية. إلى الماركسية والنازية .. غلو فى طرف يعالجه غلو آخر فى الطرف الآخر.. وظلم لطبقة يعالجه ظلم آخر لطبقة أخرى.. واعتداء على ((الإنسان)) وخصائصه الأساسية فى النظام الآخر.. ولا يعتدل الميزان مرة واحدة بالعدل بين الطبقات كلها، والتناسق بين طاقات الإنسان كلها، وإتاحة المجال ((للفردية)) التى يتميز بها كل فرد، مع رعاية حق ((الجماعة))) الممثلة لخصائص الأفراد جميعاً، فى تناسق واعتدال .. ا لأمر الذى لا يتوافر إلا فى منهج الله.
ونستطيع أن نتجاوز – هنا – عن عهد الرق – الروماني- على سبيل الاختصار فى هذا البحث المجمل الذى يشير ولا يفصل – ونبدأ فقط من عهد الإقطاع.. فى استعراض مجمل عام، يناسب طبيعة هذا البحث المجمل العام.
* * *
ويجب – ابتداء – أن نميز بين الخصائص الأساسية المميزة للإقطاع بمعناه الاصطلاحى التاريخى الذى عرفته أوروبا، وتلك المظاهر الثانوية السطحية التى ربما تكون قد وجدت فى أنحاء أخرى من الأرض فى عصور مختلفة ..
فهذا التمييز ضرورة من الناحية العلمية، ومن الناحية الشعورية كذلك.
إن نظام الإقطاع فى أوروبا لم يكن مجرد وجود ملكيات كبيرة، ولكنه كان مصحوباً بخصائص هذا النظام الأساسية :
وأخص خصائص هذا النظام كانت
1- تبعية الفلاحين للأرض، حيث كان وضعهم فيها كوضع آلات الزراعة وحيواناتها، وانتقالهم – مع الأرض – إلى المالك الجديد كما تنتقل الآلات والحيوانات – ولو كانوا لا يباعون كما هو الحال فى نظام الرق – ولكن تبعيتهم للأرض تحرمهم حق الانتقال منها إلى أرض أخرى، كما تحرمهم بطبيعة الحال حتى اختيار حرفة أخرى فردية مستقلة
2- كما كانت إرادة السيد ((الشريف)) هى القانون فى إقطاعيته. فهو الذى يشرع للأقنان (رقيق الأرض) وهو الذى يحدد علاقاتهم به وبالأرض، وعلاقتهم بعضهم ببعض.
وهذا هو الإقطاع كما عرفته أوروبا وكما ثارت عليه أيضاً !
وهاتان الخاصيتان تعتبران العلامتين المميزتين لهذا العهد البغيض.
وقد ظلت أوروبا ترزح تحت وطأ هذا النظام الفظيع، الذى تهدر فيه قيمة الإنسان – ابتداء – يجعله تابعاً للأرض كالماشية وأدوات الزراعة، ينتقل معها إلى المالك الجديد. ولا يملك أن يحص بكينونته ((الإنسانية)) مستقلة عن الأرض. ولا يملك أن يغادرها – ولو إلى إقطاعية أخرى. وإلا اعتبر آبقا – بحكم القانون – ووجب القبض عليه ورده إلى الأرض التى يتبعها (وإن كان هذا القانون لم يعد ينفذ فى أواخر عهد الإقطاع فى الحالات التى كان المالك الذى أوى إليه الهاربون إلى إقطاعيته يرى أن من مصلحته عدم ردهم إلى سيدهم وأرضهم!) .. وتهدر فيه كرامة ((الإنسان)) مرة أخرى بجعله أسير إرادة الشريف، واعتبار هذه الإرادة هى القانون.. وليس أحط من وضع يكون فيه الإنسان خاضعاً للشريعة هى مجرد إرادة إنسان مثله .. ولو كان هو السيد الشريف !!!
ظلت أوروبا تحت وطأ هذا النظام الفظيع، حتى انساحت جموع الصليبيين فى الشرق الإسلامى، واحتكوا بالمجتمع الإسلامى، وعرفوا عن كثيب أوضاع حياة الناس فيه، ورأوا نظاماً آخر غير ذلك النظام الفظيع.
رأوا شريعة يتحاكم إليها الناس جميعاً، حاكمهم ومحكومهم، غنيهمن وفقيرهم، مالكهم ومعدمهم، صاحب الأرض والعامل فيها على السواء. شريعة ليست هى إرادة السيد صاحب الأرض، وليس هى إرادة الأمير كذلك. ولا السلطان. إنما هى شريعة تجيئهم جميعاً من عند الله. ويتولى الحكم بها قضاة. طالما وقفوا بها فى وجه الأمراء والسلاطين، عندما كان أحدهم يهم بظلم الرعية أفراداً أو جماعات. وقد ظهر فى هذه الفترة بالذات أئمة أقوياء مرات فى وجه سلاطين المماليك، وكان لوقفاتهم صداها الذى تتناقله الجماهير فى الوطن الإسلامى، وتعرفها جموع الصليبيين الذين يحتكون بهذا المجتمع خلال قنرنين من الزمان.
وعلى الرغم من كل ما كان قد وقع فى المجتمع الإسلامى فى هذا الوقت من انحرافات والمجتمع الإقطاعى الذى جاء منه الصليبيون كانت بعيدة بعيدة.
رأوا الناس أحراراً، لا فى الانتقال من مزرعة إلى مزرعة، ولا فى الانتقال من مدينة إلى مدينة، بل فى الانتقال خلال الأقطار الإسلامية فى أطراف الأرض.. إذ كانت كلها وطناً إسلامياً واحداً متصلاً لا تقومن فيه الحواجز دون أفراد المسلمين – حتى ولو تعدد الأمراء والسلاطين.
ورأوا الناس أحراراً فى اختيار المهن حسب مزاجهم ورغبتهم واختيارهم. لا يحد من حريتهم فى هذا قيد ما .
ورأوا أصحاب الحرف يتجمعون فيما يشبه النقابات، حيث يكون لكل حرفة (ريس) وتقوم العلاقة بين أصحاب الحرفة الواحدة على التعاون والمودة .
وكل هذه الظواهر لم يكن لها بعد وجود فى المجتمع الأوربى الإقطاعى الذى جاء منه الصليبيون.
نعم ., إنه ربما وجدت بعض الملكيات الكبيرة فى المجتمع الإسلامى حينذاك. ولكنها لم تكن تنشئى نظام إقطاع كالذى عرفته أوروبا. لأنه لا ((شريف)) ولا ((أقنان)) ولا تبعية للأرض تلصق ((الأقنان)) بها، ولا إرادة للسيد هى القانون! بل القانون شريعة من عند الله.. وهذا لم يكن ينشىء نظام إقطاع بالمعنى الاصطلاحى الفنى التاريخى لنظام الإقطاع. الذى عرفه أولئك الصليبيون.
وفى خلال القرنين اللذين اشتعلت فيهما نار الحروب الصليبية، طرداً وعكساً، كانت الانطباعات والتأثيرات بالمجتمع وأوضاعه تفعل فعلها فى نفوس عشرات الألوف من الصليبيين الذين شاهدوه، ومئات الألوف بل الملايين ممن وراءهم، ممن سمعوا قصص العائدين من هناك.
وكانت تتخمر فى المجتمع الأوربى هذه الانطباعات والتأثيرات، إلى جانب العوامل المحلية الأخرى (التى يتعمد الأوروبيون عامة والماركسيون خاصة أن يجعلوها وحدها هى العوامل المؤثرة) من نشأة الحرف، والمدن التجارية، وطبقة التجار، والامتيازات التى حصلوا عليها فى مقابل تمويل الأمراء فى حروبهم الصليبية، وفى حروبهم مع بعضهم البعض... إلى آخر العوامل التى أدت إلى الثورة على نظام الإقطاع.
لقد كان نظاماً جائراً فظيعاً. امتهنت فيه كرامة ((الإنسان)) إلى أقصى حد. ولم يكن يفرقه عن نظام الرق إلا أن رقيق الأرض فيه لا يباع، ولا يقدم للسباع!
وكان أحد التيارات الإسلامية فى الأرض، هو ا لذى نخر فى أساسه. ثم جاءت العوامل الأخرى المحلية فضغطت عليه، فانهار.
وكرد فعل لإهدار الوجود الفردى والحرية الفردية، بل لإهدار الوجود الإنسانى، قام النظام الرأسمالى على أساس من إطلاق العنان لنشاط الفرد إلى غير حد، وللحرية الفردية من غير قيد، ولاعتبار الصالح الفردى هو ا لصالح الأعلى..
وبرزت هذه الاتجاهات فى المجال الاقتصادى إلى أقصى حد، إذ ترك كل شىء فى هذا المجال لنشاط الأفراد ورغبتاتهم وصوالحهم، دون أى اعتبار للمجتمع أو للأخلاق، أو لأية اعتبارات أخرى يمكن أن تحد من الحرية الفردية، أو من تحقيق الصالح الفردى، كما يتراءى للفرد أن يحققه.
وبينما قام هذا الاتجاه فى مجال الاجتماع والاقتصاد – فى أول الأمر – بدور المخلص للجماهير من قبضة الإقطاع الفظيعة، وأتاح للمواهب الفردية وللنشاط الفردى أن تصل إلى قمة الإبداع والحركة والطلاقة، وأن تتجه الجهود – فى سبيل تحقيق الصالح الخاص – إلى استثمار كنوز الأرض، وقوى الطبيعة للصالح البشرى العام .. إلى آخر الخدمات الكثيرة التى أداها بروز النظام الرأسمالى، كدور تقدمى بالقياس إلى النظام الإقطاعى فى أوروبا.
بينما قام هذا الاتجاه بهذه الخدمات، وأدى للبشر هذه الخيرات، كان عامل التطرف فيه، وكونه رد فعل لخطأ أخر، وعلاجاً لداء بداء جديد – أدى هذا كله إلى انطلاق السعار ((الرأسمالى)) الذى يبدأ من النظام الربوى اللعين الذى صاحب نشأة النظام الرأسمالى ، وتغلغل فيه بحيث أصبح هو أساس الاقتصاد الحديث، وينتهى إلى اعتبار جميع القيم الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية هراء لا معنى له إذا شاءت أن تتدخل فى قواعد الاقتصاد، وأن توقف هذا السعار المجنون، الذى لا ينتهى إلى تضخم رءوس الأموال والمصالح الرأسمالية على حساب الطبقات المنتجة فحسب.. ولكن يضيف إلى هذا المظهر البشع ما هو أبشع .. ذلك أن يصبح ا لعمال والصناع والتجار، وأصحاب المصانع أنفسهم، مجرد أجراء للصيارفة الذين قاموا بتأسيس البنوك، وجذبوا إليها أموال حملة الأسهم والمودعين، ليستغلوها لصالحهم، إذ تعود عليهم حصيلة تشغيل هذه الأموال – ما عدا النصيب الضئيل الذى يصرف لحملة الأسهم، وللمودعين فى بعض الحالات – بينما يكد العمال والصناع والتجار والمستهلكون وأصحاب المصانع أنفسهم كذلك، للوفاء بالفوائد الربوية التى تعود فى النهاية على الطغمة القليلة من الماليين الذين يمولون الصناعة والتجارة عن طريق الإقراض، ويقبضون – وهم قاعدون – ثمرة كد الجميع فى نهاية المطاف.
إن بلاء النظام الرأسمالى لا يتمثل فقط فى المظهر البارز الذى يوجه إليه النقد، وهو تسخير الشعوب والحكومات لمصالح أصحاب رءوس الأموال.. فيجب تحديد الطبقة التى تسخر لها هذه الشعوب والحكومات.. وهى طبقة مستترة وراء أكداس من النظريات الاقتصادية، ووسائل الدعاية والتمويه، والأساتذة الكبار والجامعات والقوانين واللوائح، فى جميع أرجاء الأرض.. طبقة المرابين .. الطبقة التى تؤسس بنوك الإقراض، وتملك سندات التأسيس. طبقة البيوت المالية القابعة هناك فى الظلام، حيث إليها حصيلة الجهد البشرى كله.. بما فيها جهد أصحاب المصانع والتجار، الذين يوسمون بأنهم البراجوزيون الكبار .. فالنظام الربوى هو المسئول عن هذا البلاء. هو ا لمسئول عن عودة حصيلة الجهد البشرى كله إلى هذه الشرذمة الصغيرة من أصحاب البيوت المالية، ومؤسسى البنوك وحملة سندات التأسيس.
كذلك صاحب النظام الرأسمالى الانحلال الخلقى.. أولاً تحت تأثير النظريات المختلفة الاتجاهات .. سواء نظريات الحرية الفردية التى لا يجوز أن يحدها حد أو قيد . أو نظريات حيوانية الإنسان، ومادية الكون، والتفسير المادى الاقتصادى للتاريخ.. وكلها – كما تقدم – منبثة من حركة الهروب من الكنيسة، والشرود من كل تفكير دينى على الإطلاق.
ولكن هنالك كذلك عاملاً آخر كامناً وراء هذه النظريات كلها، والنظام الربوى.
إن الذى يقترض بالفائدة لكى يقيم مشروعاً من المشروعات، لابد أن يفكر فى أربح المشروعات التى تكفل تغطية الفوائد الربوية، وتكفل له فائضاً من الربح.. والمشروعات التى تقوم على إثارة الغرائز الجنسية وتلبيتها، والتى تقوم على إثارة الميل إلى الترف وتلبيته.. هى أدنى المشروعات إلى الربح، فى عالم متجرد من الهوائف الدينية والخلقية..
ومن ثم يصبح من السياسة الثابتة لأصحاب المال (الصيارفة وبيوت المال ومؤسسى البنوك وحملة السندات التأسيسية) ومعظمهم من اليهود فى العالم، كما يصبح من سياسة الكثيرين من أصحاب المشروعات الذين يقترضون من هذه المؤسسات بالربا .. أن ينشروا فى المجتمع الإنسانى حالة من الانهيار الخلقى، ومن الترف، ومن التفاهة، ومن قذارة الاهتمامات، تسمح بأن تروج فيه مشروعات الترفيه الجنسى فى شتى صوره، ومشروعات الترف كذلك والمتاع إلى أقصى حد، بدون حد من دين أو خلق ولا قيد .
وهكذا تصبح صناعة الأفلام المستهترة، وصالات العرض المهيجة، والصحافة الداعرة، وتجارة الرقيق، والخمر والمخدرات.. كما تصبح صناعة أدوات الترف والزينة وما وراءها من تقاليد المجتمع المستهتر والحفلات والسهرات.. إلى آخر مظاهر الانحلال والترف التى تقوم عليها مئات الصناعات فى العالم .. تصبح هذه كلها فى خدمة الرأسمالية (أى القاعدة الرأسمالية الممولة) . وتحتاج إلى فلسفات ونظريات وأساتذة وأدباء وفنانين ومشرعين وأنظمة حكم تسمح وتحمى وتشجع هذه الصناعات. ويكون لرأس المال فى هذه الأنظمة، هذه القوة التوجيهية، لأنه هو وحده الذى يتحكم فى المجتمعات اللادينية، مما لا يكون له حين تخضع الحياة كلها – والمال معه – لمنهج الله فى الحياة. فرأس المال لا يكون له التوجيه المؤذى إلا فى المجتمع الذى لا يهيمن عليه منهج الله، حيث ينفرد رأس المال بالهيمنة. فأما حين يكون منهج الله هو المسيطر، فإنه حينئذ سيوجه المجتمع وسيوجه المال المتداول فيه وجهة نظيفة، ولن يسمح للمال أن يكون أداة بغى أو أداة فساد.
إنه ليس المال بذاته هو الذى يفسد حياة المجتمع. إنما هو المنهج والمذهب والنظام والتصور الذى يحكم مجتمعاً من المجتمعات ..
وليست هذه سوى لمسات سريعة جداً للحالة البشعة التى أنشأها النظام الرأسمالى – بينما كان يعالج التطرف بتطرف آخر . ويعالج الداء بداء آخر، ويتأرجح بين طرفى الكبت والجموح، كالحصان الذى يجمح من شدة اللجام! ولا نملك أن ندخل فى تفصيل المتاعب الاقتصادية التى أنشأها النظام الربوى الذى قام على أساسه النظام الرأسمالى. ولا أن نتحدث عن أثر هذا النظام فى دورات الانكماش والأزمات الدورية، وويلات البطالة والكساد التى تصاحب هذه الدورات.
ولا نملك أن ندخل فى تفصيل ويلات الاستعمار التى اقتضاها النظام الرأسمالى، فى أثناء البحث عن أسواق تمد الصناعات الكبيرة بالخامات، وفى الوقت ذاته تستهلك ما تنتجه هذه الصناعات.
كما لا نملك أن ندخل فى تفصيل ويلات الاستعمار الجديد، الذى لا يبدو فى صورة الاحتلال العسكرى القديمة. وإنما يبرز فى صورة البحث عن أسواق لرءوس الأموال الفائضة فى الدول الرأسمالية، والتى لا تجد لها مجالاً للعمل فى بلادها بسبب التشبع الصناعى. ومن ثم تبحث عن بلاد متخلفة ((تتصنع)) برءوس الأموال الأجنبية. كى يعود على هذه الأموال الفائض الربوى. ولا تبقى معطلة فى بلادها التخمة. هذا الاستعمار الذى يتصارع الآن فى إفريقية بالذات، على مرأى منا ومسمع، فى كل مكان .
لا نملك الدخول فى تفصيلات هذه النواحى المتعددة لبلاء النظام الرأسمالى. لأن هذا أمر يطول، ولا يتفق مع طبيعة هذا البحث المجمل. ويمكن الاجتراء بالإشارة إليه فى صدد تقدير التخبط فى خطوات البشرية، فى مجال النظم الاقتصادية والاجتماعية، وهى شاردة من الله، ومن منهجه للحياة.
* * *
ثم تتمثل الطامة الكبرى فى ((النظم الجماعية)) التى طبقتها أوروبا فى الشرق أو فى الغرب، على اختلاف أسمائها وأشكالها، والتى جاءت كرد فعل للجموح الشارد فى ((النظم الرأسمالية)).
إنه جموح جديد ينشأ من رد الفعل لجموح قديم. وداء جديد تعالج به البشرية منم داء قديم. وتحطيم لخصائص الإنسان الأساسية فى جانب، لإنقاذه من تحطم خصائصه الأساسية فى جانب آخر !
وكلها تجتمع عند دعوى تمليك الموارد العامة ووسائل الإنتاج إما للشعب كانازية وإما لطبقة من الشعب كالماركسية. وحكاية تمليك هذه الموارد والوسائل للشعب أو لطبقة من الشعب، فى تلك الأنظمة، خكاية لا يدرى أحد كيف يمكن تحقيقها عملياً ..
وفى هذا يقول (( كاريوهنت)) المجرى فى بحثه : ((الشيوعية نظرياً وعملياً )) .. ((الشوعية – وفقاً للنظرية الكلاسيكية على الأقل – ترمى إلى إقامة مجتمع بلا طبقات، يكون فيه جميع وسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل، ملكاً للجمهور، وتختفى منه الدولة، التى تعد أداة إرغام واضطهاد.. ولكن تقوم مع هذا، بين الثورة التى تلغى النظام الرأسمالى وبين هذا المجتمع الشيوعى، فترة انتقال تعرف باسم ((ديكتاتورية الطبقة الكادحة)) وهذه هى المرحلة التى تزعم روسيا أنها تمر بها الآن.. ومن المهم أن نلاحظ أن الروس يسمونها ((الاشتراكية)) _(لا الشوعية)) . وأن الجمهوريات التى تؤلف الاتحاد السوفيتى يطلق عليها : ((اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية)) . ولكن إذا أخذنا ما نادى به ماركس فى البداية ودأب ستالين على تكراره، وجدنا أن مساوة كهذه مستحيلة فى الدولة الاشتراكية. ولهذا يجب أن يتحكم فيها مبدأ (( من كل إنسان بحسب قدرته، ولكل إنسان بحسب عمله)).
... ((وحذا لينين وستالين حذو ماركس وأطلقنا تسمية ((الاشتراكية)) على النظام الجديد، الذى سينشأ على أنقاض الرأسمالية. ولهذا لم ترد فى الدستور السوفييتى الذى صدر فى 3 ديسمبر سنة 1936 أية إشارة إلى ((الشيوعية)) إلا فى المادة 126 التى أشارت بالتحديد إلى ((الحزب الشيوعي)) ، ووصفت الاتحاد السوفييتى بأنه (( دولة اشتراكية للعمال والفلاحين)) .. وقد قال ستالين فى التقرير الذى أصدره عن الدستور فى 5 ديسمبر : إن الشىء الوحيد الذى تم تحقيقه إلى الآن هو ((الاشتراكية)) ورفض تعديلاً بإدراج هذه العبارة فى الدستور، وهى ((إن الغاية النهائية للحركة السوفيتية هى خلق مجتمع شيوعى بحت )) وقال : إنه ليست لهذه العبارة صلة مباشرة بالدستور، الذى يسعى إلى مجرد تدشين المكاسب التى تم الظفر بها فعلاً ..
((وسينكر الكثيرون من الاشتراكيين – بلا ريب – حق ستالين فى صوفه هذا للنظام السياسى والاقتصادى السوفييتى الحالى. ولكنا نجد فيما يتعلق بالغايات التى يسعون إلى تحقيقها، أن عبارتى ((الشيوعية)) و ((الاشتراكية)) قابلتان للتعديل والتغيير فى الواقع. وهو أمر يمكن لأى إنسان أن يكتشفه، إذا راجع قاموس ((أكسفورد )) الإنجليزى .. فإن جوهر الاثنتين هو أن وسائل الإنتاج يجب أن تكون ملكاً للشعب .. ولكن لم يتسن لإنسان إلى الآن – أن يكتشف كيف يمكن للشعب السيطرة على هذه الوسائل . ولهذا أسند أمر الإشراف عليها باسم الشعب إلى الدولة أو أى هيئات أخرى تعين لهذا الغرض. وهكذا أصبحت الملكية الشعبية تعنى فى الواقع رأسمالية الدولة. وكانت الاشتراكية السوفيتية أعظم تعبير قوى مناسب لها. ولهذا فإنه من الخير لنا قبل البحث فى الأساس النظرى للشيوعية، أن نذكر أن الهدف النهائى لها هو نفسه هدف الاشتراكية. وأن أى خلافات بين الاثنتين إنما تكون على الوسيلة لا الغاية فالاشتراكيون يرون أنهم يستطيعون إدخال نظامهم والمحافظة عليه بوسائل ديمقراطية، ولكن الشيوعيون يعتقدون أن ذلك مستحيل)) .
والكارثة الفادحة فى الأنظمة الجماعية، التى عرفتها أوروبا فى الشرق وفى الغرب – على اختلاف مسمياتها وأشكالها – وهى محاولة إلغاء وجود الفرد، فى حين أن الفردية عميقة فى التكوين البيولوجى وبالتالى فى التكوين العقلى والنفسى للإنسان. واستخدام هذه الفردية بأقصى طاقتها فى إطار يوجهها إلى خير المجموع هو النظام المناسب لفطرة الإنسان. أما محاولة كبحها وقتلها بشتى الوسائل، فى تلك الأنظمة، فهى عملية تدمير تامة للجهاز الإنسانى.
ومن مقتضيات هذه ((الفردية)) ألا يكون التنظيم الاقتصادى بحيث يضع كل شىء فى يد الدولة فتصبح – إلى جوار سلطاتها السياسية والقانونية – هى المالك الوحيد لموارد الإنتاج وأدواته ووسائله. وهى التاجر الوحيد الذى يستورد ويصدر ويبيع للأفراد. وهى ((المفكر)) الوحيد كذلك لأنها لا تسمح بالرأى المخالف، ولا بالمناقشة لمبادئ الدولة وأفكارها ووسائلها.. والخصائص الإنسانية العامة والخصائص الفردية الخاصة، كلها مهددة بالدمار فى مثل هذه الأحوال.
ومن حسن الحظ أن الفطرة البشرية لا تخضع طويلاً لمثل هذه المحاولات الجائرة على الطبيعة البشرية، والكينونة الإنسانية. ومن ثم تضغط حتى تسحق هذه المحاولات شيئاً فشيئاً . وقد اضطرت الأنظمة الشيوعية (أو الاشتراكية كما تسمى نفسها) إلى التعديلات المتوالية، التى هى فى الحقيقة ((عدولات )) عن كثير من الأسس الرئيسية فى المذهب. لأن ضغط الفطرة كان أقوى من أن تصمد له كل أجهزة الدولة وضغطها الساحق.
* * *
وحسبنا هذه الإشارات إلى التخبط بين طرفى المبالغة فى كل اتجاه، وفى كل نظام، والترنح فى خطوات البشرية ذات اليمين وذات الشمال، وما صاحبه من مذابح رهيبة، ذهب فيها الملايين من البشرية، ومن مذابح كذلك للأخلاق والآداب الإنسانية ارتكست فيها الإنسانية فى الوحل.
وقد رأينا – فى اختصار وإجمال – هذه الظواهر فى الجوانب الثلاثة الرئيسية لحياة الإنسان متمثلة فى النظرة إلى الإنسان وفطرته واستعداداته. وفى النظرة إلى المرأة وعلاقات الجنسين. وفى النظرة إلى الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية.
وكانت هذه هى الضريبة الفادحة التى دفعتها أوروبا – ومن ورائها البشرية كلها مع الأسف – لشرودها عن الله ومنهجه فى الحياة .