لم يكن بد، وقد شرد الإنسان عن ربه ومنهجه وهداه.. وعبد الإنسان نفسه واتخذ إلهه هواه. وجهل الإنسان نفسه كذلك وراح يخبط فى التيه بلا دليل. وأقام منهج حياته على قواعد من هذا الجهل ومن ذلك الهوى. واعتدى على فطرته التى فطره الله عليها فى حموة لشرود من ربه وفطرته ومنهجه.
ولم يكن بد وقد رفض الإنسان تكريم ربه له، فاعتبر نفسه حيواناً – وقد أراده الله إنساناً – وجعل نفسه آلة – وقد أراده الله مهندساً للآلة. بل جعل الآلهة إلهاً يحكم فيه بما يريد. وجعل المادة إلهاً يحكم فيه بما يريد. وجعل الاقتصاد إلهاً يحكم فيه بما يريد – وقد أراد له ربه أن يكون سيد المادة، وسيد الاقتصاد. ولكنه رفض هذا التكريم كله لينجو فقط من الكنيسة، ويشرد من إله الكنيسة!
لم يكن بد وقد جعل الإنسان من المرأة حيوانأً لطيفاً – كما أن الرجل حيوان خشن – غاية الالتقاء بينهما اللذة، وغاية الاتصال بينهما المتاع. ونسى أن الله يرفع هذه العلاقة ويطهرها ويزكيها، وينوط بها امتداد الحياة من جهة، وترقية الحياة من جهة أخرى، ويربط بها عجلة التمدن الإنسانى، ويجعل من الأسرة محضن المستقبل، ويجعل من المرأة حارسة الإنتاج النفيس.. نتاج المادة الإنسانية.. ويصونها من التبذل كى لا تكون مجرد أداة لذة. ويصونها من الاشتغال بإنتاج المواد فى المصنع، وهى فى الأسرة تنتج وتحرس مادة ((الإنسان)).
لم يكن بد وقد عطل الإنسان خصائصه ((الإنسانية)) ليحصر طاقته فى الإنتاج المادى، وأقام حياته كلها على أساس مادى، وتصور مادى، وكبت الجوانب الحية المرفرفة اللطيفة فى حسه، والتى وهبها الله له لأنه (( الإنسان)) الخليقة الفذة فى هذا الكون، التى تشمل المتناقضات كلها فى تناسق بديع.
لم يكن بد وقد أقام الإنسان نظامه على الربا – ليكد القطيع البشرى كله فى خدمة بضعة آلاف من مؤسسى البيوت المالية وبنوك المرابين، تعود إليهم حصيلة كد البشرية فى أقاصى الأرض، وهم قابعون وراء المكاتب الفخمة، والنظريات الاقتصادية، وجميع أجهزة التوجيه والإعلام !
وفى النهاية .. لم يكن بد وقد اتخذ الإنسان له آلهة من دون الله، فاتخذ من المال إلهاً، ومن الهوى إلهاً، ومن المادة إلهاً، ومن الإنتاج إلهاً، ومن الأرض إلهاً، ومن الجنس إلهاً، ومن المشرعين له آلهة يغتصبون اختصاص الله فى التشريع لعباده، فيغتصبون بذلك حق الألوهية على عباد الله.. كل هذه الآلهة اتخذها وعبدها، ليهرب من الله ويستنكف عن عبادته !!!
لم يكن بد وقد فعل الإنسان هذا كله بنفسه أن تحل به عقوبة الفطرة يؤدى ضريبة المخالفة عن ندائها العميق.. وأن يؤديها فادحة قاصمة مدمرة ..
وقد كان ..
كان .. وأداها من نفسه وأعصابه. ومن بدنه وعافيته.. ومن سعادته وطمأنينته . ومن مواهبه وخصائصه . ومن دنياه وآخرته .
أداها – وفى الأمم التى بلغت ذروة الحضارة المادية بالذات – تناقصاً فى النسل يهدد بالانقراض . وتناقصاً فى الخصائص الإنسانية يوحى بالنكسة إلى البربرية. وتناقصاً فى الذكاء والمستوى العقلى يهدد بانهيار العلم الذى قامت عليه الحضارة، وبانهيار الحضارة ذاتها فى النهاية.
وظهرت آثار الكبت للطاقات الأخرى التى لا تحتاج إليها الصناعة بطرائقها الحاضرة، وآثار القلق على المستقبل فى المجتمع المادى المتناحر، وآثار الخواء الروحى الذى تفرضه الفلسفات والأوضاع فى المدينة الكافرة.. ظهرت آثارها فى صورة الأمراض العصبية والعقلية والنفسية والعته والجنون والشذوذ والانحراف والجريمة.
وظهرت آثار التوجيه المتواصل إلى حيوانية الإنسان وماديته وسلبيته، وإطلاق شهواته وغرائزه من كل ضابط.. ظهرت فى صورة الانحلال، واللامبالاة، والسلبية، وقبول الديكتاتوريات، وحياة القطيع، التى لا هدف لها إلا السفاد واللقاح والطعام والشراب.
وكتب على البشرية كلها أن تؤدى الضريبة فادحة صارمة ثقيلة: حروباً رعيبة ضحاياها بالملايين قتلى وجرحى ومشوهين ومعتوهين ومعذبين. وأزمات تلو أزمات.. وأزمات إذا قل الإنتاج. أزمات إذا مال الميزان التجارى إلى العجز وأزمات إذا مال الميزان التجارى إلى الزيادة. أزمات إذا نقصت المحصولات وأزمات إذا فاضت المحصولات. أزمات إذا قل انسل وأزمات إذا زاد النسل. وتخبط من هنا وتخبط من هناك. وقلق وحيرة واضطراب وعدم استقرار. وضغط على أعصاب الناس لا تطيقه بنيتهم، فيخرون أمواتاً بالسكتة وتفجر المخ، أو يخرون أشلاء أو مجانين، كما لو كانت قد سلطت عليهم قوى المردة الأسطورية من حيث لا يحتسبون.. وما سلطت عليهم سوى أنفسهم. وما كان إلا نذير الله الذى لم تتفتح له القلوب والآذان. ((ومن يبدل نعمة الله من بعد ماجاءته فإن الله شديد العقاب )) ...
((البقرة : 211))
((ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل)).. (البقرة : 108)
((واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث أنتتركه يلهث)) ...
(الأعراف : 175 – 176)
((الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس. ذلك بأنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا – وأحل الله البيع وحرم الربا – فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، وأمره إلى الله، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يمحق الله الربا ويربى الصدقات. والله لا يحب كل كفار أثيم )) ...
(البقر : 275 – 276)
((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وذروا ما بقى من الربا – إن كنتم مؤمنين – فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله )) ...
(البقرة : 278 – 279)
((والعصر إن الإنسان لفى خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصلوا بالحق، وتواصوا بالصبر )) ...
(سورة العصر)
* * *
والآن نأخذ فى عرض أقوال الشهود عن بروز آثار الحضارة المادية وتضخمها فى الأمم التى وصلت إلى قمة الحضارة .. فنستوفى بهذا عناصر المأساة الأربعة – كما أشرنا إليها فى مقدمة هذا البحث.
وقد أخذنا شهودنا من درجات متفاوته . ومن بيئات مختلفة: منهم العالم المحقق، المؤمن بالعلم، المعتمد عليه فى مواجهة المأساة.. ولا سواه .. ومنهم الفيلسوف الذى لا يؤمن بالدين، ومن ذلك يرى على ضوء العقل الخطر الذى تتردى فيه البشرية.. ومنهم الباحث المؤمن بالدين وبالعقل وبالعلم وبفطرة الإنسان، العارف فى الوقت نفسه بمكان كل من هؤلاء فى مجال المعرفة ومجال العلاج .. ومنهم الطبيبة التى تقدر جدية الموضوع، فتعالجه بالجد الذى يستحقه . ومنهم الصحفى الذى لا يعنيه من المسألة إلا العرض الصحفى والتشويق والإغراء
وقد اكتفينا بهذه الشهادات من عشرات مثلها، لأنه لا سبيل لإثبات كل الشهادات، واستدعاء كل الشهود، فى فصل من كتاب !
* * *
يبدأ الدكتور ألكسيس كاريل شهادته بالكلام عن مخالفة البشر لما يسميه ((القوانين الطبيعية)) – ونسميه نحن ((قوانين الفطرة التى فطر الله الناس عليها)) – والعواقب التى لابد أن يلقاها من يخالف هذه القوانين الصلبة التى لا تلين، ولا تترك مخالفيها بلا عقوبة، ثم يأخذ فى بيان ما حل بالبشرية فعلاً من هذه العقوبة :
((قبل أن أبدأ هذا الكتاب، كنت أدرك تماماً صعوبة هذا العمل بل استحالته تقريباً.. ولكننى شرعت فيه، لأننى كنت أعلم أن شخصاً ما لابد سيؤديه.. لأن الناس لا يستطيعون أن يتبعوا الحضارة العصرية فى مجراها الحالى لأنهم آخذون فى التدهور والانحطاط. لقد فتنهمن جمال علوم الجماد. إنهم لم يدركوا أن إحساسهم وشعورهم تتعرض للقوانين الطبيعية – وهى قوانين أكثر غموضاً وإن كانت تتساوى فى الصلابة مع القوانين الطبيعية – وهى قوانين أكثر غموضاً وإن كانت تتساوى فى الصلابة مع القوانين الدنيوية – كذلك فهم لم يدركوا أنهم لا يستطيعون أن يعتدوا على هذه القوانين دون أن يلاقوا جزاءهم. ومن ثم يجب أن يتعلموا العلاقات الضرورية للعالم الدنيوى، ولأترابهم أبناء آدم، ولذاتهم الداخلية، وتلك التى تتصل بأنسجتهم وعقولهم، فإن الإنسان يعلو كل شىء فى الدنيا، فإذا انحط وتدهور، فإن جمال الحضارة، بل حتى عظمة الدنيا المادةي لن تلبث أن تزول وتتلاشى .. لهذه الأسباب كتبت هذا الكتاب)).. (ص 10 – 11).
((الإنسان نتيجة الوراثة والبيئة وعادات الحياة والتفكير، التى يفرضها عليه المجتمع العصرى.. ولقد وصفنا كيف تؤثر هذه العادات فى جسمه وشعوره وعرفنا أنه لا يستطيع تكييف نفسه بالنسبة للبيئة التى خلقتها التكنولوجيا، وأن مثل هذه البيئة تؤدى إلى انحلاله. وأن العلم والميكانيكا ليسا مسئولين عن حالته الراهنة، وإنما نحن وحدنا المسئولون. لأننا لم نستطع التمييز بين الممنوع والمشروع. لقد نقضنا قوانين الطبيعة، فارتكبنا بذلك الخطيئة العظمى، الخطيئة التى يعاقب مرتكبها دائماً.. إن مبادئ ((الدين العلمى)) والآداب الصناعية قد سقطت تحت وطأة غزو الحقيقة ((البيولوجية)) ... فالحياة لا تعطى إلا إجابة واحدة حينما تستأذن فى السماح بارتياد الأرض المحرمة.. هى إضعاف السائل. ولهذا فإن الحضارة آخذة فى الانهيار. لأن علوم الجماد قادتنا إلى أرض ليست لنا. فقبلنا هداياها بلا تمييز ولا تبصر. ولقد أصبح الفرد ضيقاً، متخصصاً، فاجراً، غبياً، غير قادر على التحكم فى نفسه ومؤسساته() .. (ص322).
(( يبدو أن الحضارة العصرية عاجزة عن انجاب قوم موهوبين من ناحية الخيال والذكاء والشجاعة. ففى كل بلد يوجد تناقص فى المستوى العقلى والأدبى لأولئك المسئولين عن الشئون العامة)) .. (ص37).
((إننا قلما نشاهد أفراداً يتبعون مثلاً أخلاقياً أعلى فى تصرفاتهم فى المدنية العصرية)) .. (ص160).
((إن أولئك الذين يستشعرون مجرد الإحساس البدائى بالجمال فى عملهم أكثر سعادة من أولئك الذين ينتجون لأن مجرد الإنتاج يمكنهم من الاستهلاك. إن الصناعة – بشكلها الحالى – حرمت العامل من الابتداع والجمال)) ..
(ص162)
((إن امتناع نمو وجوه النشاط العاطفى والجمالى أو الدينى يخلق أشخاصاً فى المرتبة الدنيا ذوى عقول ضعيفة غير سليمة. وبالرغم من أن التعليم العقلى يهيأ الآن لكل فرد، إلا أننا ما زلنا نشاهد أمثال هؤلاء الأشخاص فى كل مكان )) ... (ص168)
(( فأكثر الناس تمديناً يظهرون شكلاً بدائياص فقط من الشعور. إنهم قادرون على العمل السهل، الذى يؤمن حياة الفرد فى المجتمع العصرى. إنهم ينتجون ويستهلكون ويرضون شهواتهم الفسيولوجية. وهم أيضاً يسرون بمشاهدة المباريات الرياضية، والأفلام السينمائية الصبيانية الخشنة، كما يسرون حينما ينتقلون بسرعة من مكان إلى آخر بدون بذل أى جهد، وحينما يتطلعون إلى الأشياء السريعة الحركة. إنهم ناعمون، عاطفيون، شهوانيون، قساة، مجردون من الإحساس الأدبى والدينى والشعور بالجمال)) ...
(ص169)
((إن عدم التناسق فى دنيا الشعور ظاهرة مميزة لعصرنا)) .. (ص170)
((فى استطاعة التفكير أن يولد أمراضاً عضوية بصفة عامة. ومن ثم فإن عدم استقرار الحياة العصرية، والانفعال الدائم، وانعدام الأمن، تخلق حالات من الشعور تجلب الاضطرابات العصبية والعضوية للمعدة والأمعاء.. كذا نقص التغذية، وتسرب الجراثيم المعوية إلى الدورة الدموية.. والتهاب الكلى وما يصحبه من أمراض الكلى والمثانة إن هى إلا النتائج البعيدة لعدم التوازن العقلى والأدبى .. ومثل هذه الأمراض تكاد تكون غير معروفة فى الجماعات التى تحيا حياة بسيطة، وليست على القدر الذى ذكرناه من الانفعال، كما أن القلق فيها غير دائم.. وبالمثل فإن ا لأشخاص الذين يحافظون على سلام ذاتهم الباطنية، وسط ضوضاء المدنية الحديثة محصنون ضد الاضطراب العصبية والعضوية )) .. (ص177)
((يجب أن يظل النشاط الفسيولوجى خارج حقل الشعور. إذ أنه لا يلبث أن يصاب بالاضطراب حينما نوليه اهتمامنا. ولذلك فإن ((التحليل النفسى)) حينما يوجه عقل المريض نحو نفسه، قد يزيد من حالة عدم التوازن. ومن ثم فإنه من الأفضل أن يهرب الإنسان من نفسه يبذل جهد لا يشتت عقله، بدلاً من الاستغراق فى تحليل نفسه بالتفكير مثلما يشتتها بالعمل.. ومع ذلك فإنه يجدر به ألا يقنع بتأمل جمال المحيط أو الجبال والسحب، وروائع ما أنتجه الفنانون والشعراء، والمبادئ السامية التى تمخضت عنها عقول الفلاسفة، والعمليات الحسابية التى تعبر عن القوانين الطبيعية.. وإنما يجب عليه أيضاً أن يكون الروح التى تكافح لبلوغ مثل ادبى عال، وتبحث عن النور فى ظلمات هذا العالم، وتسير قدماً فى طريق الدين، وتنبذ نفسها لكى تفهم الأساس غير المنظور لهذا العالم. إن توحيد نشاط الشعور يؤدى إلى تناسق أعظم بين الوظائف العضوية والعقلية.
ولهذا ندر أن توجد الأمراض العصبية وأمراض التغذية، والإجرام، والجنون، بين الجماعات التى نما فيها الشعور الأدبى والعقلى فى وقت واحد، كما يكون الفرد أكثر سعادة فى مثل هذه الجماعات)) (ص177 – 178).
((إن الحضارة لم تفلح حتى الآن فى خلق بيئة مناسبة للنشاط العقلى، وترجع القيمة العقلية والروحية المنحطة لأغلب بنى الإنسان – إلى حد كبير – إلى النقائص الموجودة فى جوهم السيكلوجى. إذ أن تفوق المادة، ومبادئ دين الصناعة حطمت الثقافة والجمال والأخلاق – كما عرفتها الحضارة المسيحية أم العلم الحديث(). كما أن الجماعات الاجتماعية الصغيرة التى لها شخصيتها وتقاليدها الخاصة، تحطمت بفعل التغيرات التى طرأت على عاداتها. وقد تدهورت الطبقات المثقفة لانتشار الصحف انتشاراً واسع المدى، كذا الأدب الرخيص، والراديو ودور السينما.. ومن ثم فإن ازدياد الطبقة الغبية آخذ فى الازدياد أكثر فأكثر، بالرغم من كمال المناهج التى تدرس فى المدارس والكليات والجامعات.. ومن العجيب أن بلادة الذهن توجد غالباً حيثما تتقدم المعرفة العلمية !
((إن أطفال وطلبة المدارس يكونون عقلهم من البرامج السخيفة التى توضع لسوائل التسلية العامة. ومن ثم فإن البيئة الاجتماعية تناهض نمو العقل بكل قوتها بدلاً من أن تعمل على هذا النمو (ص184) .
((كما أن الشذوذ الجنسى آخذ فى الانتشار بعد أن طرحت الآداب الجنسية جانباً، وأصبح المحللون النفسانيون يستعرضون حياة الرجال والنساء الزوجية. ولم يعد هناك فرق بين الخطأ والصواب. والعدل والظلم. فالمجرمون يتمتون بالحرية بين جمهرة السكان، وليس هناك من يبدى اعتراضاً على وجودهم.. ولقد جعل القساوسة الدين شبيهاً بالتموين لكل فرد منه قسط معين. وحطموا الأسس الغامضة، ولكنهم لم ينجحوا فى اجتذاب القوم العصريين. ومن ثم فإنهم يعظون عبثاً أصحاب الأخلاق الضعيفة فى كنائسهم نصف الفارغة كل أسبوع.
((إنهم قانعون بدور رجل البوليس الذى يؤدونه. فهم يساعدون الأغنياء ومصالحهم، لكى يحفظوا إطار المجتمع الحالى. أن يتملقون شهوات الجمهور مثلما يفعل الساسة )) ž... (ص186) .
((ليس العقل قوياً كالجسم. ومن العجيب أن الأمراض العقلية أكثر عدداً من جميع الأمراض الأخرى مجتمعة. ولهذا فإن مستشفيات المجاذيب تعج بنزلائها، وتعجز عن استقبال جميع الذين يجب حجزهم.. ويقول س.م. بيرس: ((إن شخصاً من كل 22 شخصاً من سكان نيويورك يجب ادخاله أحد مستشفيات الأمراض العقلية بين آن وآخر)) .. وفى الولايات المتحدة تبدى المستشفيات عناتها لعدد من ضعاف العقول يعادل أكثر من ثمانية أمثال المصدورين .. فى كل عام يدخل مصحات الأمراض العقلية، وما يماثلها من المؤسسات، حوالى ستة وثمانين ألف حالة جديدة. فإذا استمر عدد المجانين فى السير على هذا المعدل، فإن حوالى مليون من الأطفال والشبان الذين يذهبون الآن إلى المدارس والكليات سوف يدخلون إلى المصحات عاجلاً أو آجلاً ž
((ففى عام 1932 كان عدد المجانين المودعين بالمستشفيات الحكومية 340000 مجنون ، كما كان عدد ضعاف العقول والمصروعين المحجوزين فى المصحات الخاصة 81580 وكان عدد ملطقى السراح بشرط كلمة الشرف من ضعاف العقول 10930 ، ولا تشمل هذه الإحصاءات الحالات العقلية التى تعالج فى المستشفيات الخاصة. وعلاوة على المجانين يوجد فى البلاد كلها 5.....شخص ضعاف العقول. ولقد كشف الفحص الذى تولته اللجنة الوطنية للصحة العقلية بعناية، عن أن 400000 طفل على الأقل على مستوى منخفض من الذكاء، إلى درجة أنهم لا يستطيعون الاستمرار فى المدارس العامة والإفادة مما يتلقون من علم.. وحقيقة الأمر أن عدد الأكراد الذين انحطوا عقلياً والإفادة أكثر من ذلك بكثير. ويقدر أن عدة مئات من الآلاف لم تشملهم الإحصاءات الرسمية، مصابون باضطرابات نفسية() وتدل هذه الأرقام على مدى استعداد شعور الرجل المتحضر للعطب، وكيف أن مشكلة الصحة العقلية تعتبر من أهم المشاكل التى يواجهها المجتمع العصرى. فإن أمراض العقل خطر داهم: إنها أكثر خطورة من السل والسرطان وأمراض القلب والكلى. بل والتيفوس والطاعون والكوليرا. فيجب أن يحسب للأمراض العقلية حسابها لا لأنها تزيد عدد المجرمين فحسب، بل لأنها ستضعف حتماً التفوق الذى تتمتع به الأجناس البيضاء() حالياً.. على أنه يجب أن يكون مفهوماً أنه لا يوجد ضعاف عقول ومجانين بين المجرمين بالكثرة التى يوجدون بها بين أفراد الشعبžصحيح أن عدداً كبيراً ممن يعانون من النقائص العقلية موجود فى السجون. بيد أنه يجب إلا يغيب عن بالنا أن أكثر المجانين واسعى الثقافة، ما زالوا مطلقى السراح.
((ولا شك أن كثرة عدد مرضى الأعصاب والنفوس دليل حاسم على النقص الخطر الذى تعانى منه المدينة العصرية، وعلى أن عادات الحياة الجديدة لم تؤد مطلقاً إلى تحسين صحتنا العقلية)) ... (ص 187 – 188) .
((هناك أشكال معينة من الحياة العصرية تؤدى مباشرة إلى الانحلال كما توجد أحوال اجتماعية تهلك الجنس الأبيض)) (ص264)
((إن فى استطاعة الإنسان أن يتساءل بحق عما إذا كانت الشخصية العقلية لا تزال موجودة فى الرجال العصريين žبل إن بعض المراقبين يرتابون فى حقيقتها فِ ((تيودور دريزر)) يعتبرها أسطورة خرافيةžوالحقيقة أن سكان المدنية الحديثة يظهرون تشابهاً كبيراً فى ضعفهم العقلى والأدبى. فمعظم الأفراد ينتمون إلى طراز واحد. إنهم خليط من الأشخاص مضطربى الأعصاب بليدى الشعور، مغرورين معدومى الثقة بأنفسهم، أصحاب قوة عضلية، وإن كانوا سريعى التعب.. يعانون حدة الدوافع الجنسية برغم ضعفهم وشذوذهم أحياناً )) (ص316).
* * *
هذه فقرات مقتضبة من شهادة دكتور كاريل خاصة ((بالإنسان)) عامة فى الحضارة العصرية .. وهناك جانب آخر أحببنا أن نفرده وحده. وهو شهادته فيما يختص بقضية المرأة ، وعلاقات الجنسين فى هذه الحضارة، وأخطارها على وجود الجنس البشرى، وعلى مستواه العقلى والأدبى.
ونحب أن ندعه هو يدلى بشهادته ((العلمية)) دون تعليق :
((وعلينا أن نستوثق من الكيفية التى ستؤثر بها طريقة الحياة فى مستقبل الجنس. لقد كانت استجابة النساء للتعديلات التى أدخلتها الحضارة الصناعية على عادات الأسلاف سريعة قاطعة. إذ نقص معدل المواليد فوراً . وقد تبين أثر ذلك بوضوح، كما لمست نتائجه الخطيرة فى الطبقات الاجتماعية وفى الأمم التى سبقت غيرها فى الانتفاع بالتقدم الذى حققته – إما مباشرة أو بطريقة غير مباشرة – بتطبيق الاكتشافات العلمية . فالتعقيم الاختيارى ليس جديداً فى تاريخ العالم. فقد عرف فى مرحلة معينة من مراحل المدنية السابقة.. إنه ظاهرة علمية نعرف دلالتها())) .. (ص37) .
((إن الاختلافات الموجودة بين الرجل والمرأة لا تأتى من الشكل الخاص للأعضاء التناسلية، ومن وجود الرحم والحمل، أو من طريقة التعليم. إذ أنها ذات طبيعة أكثر أهمية منن ذلك.. إنها تنشأ من تكون الأنسجة ذاتها، ومن تلقيح الجسم كله بمواد كيماوية محددة يفرزها المبيض.. ولقد أدى الجهل بهذه الحقائق الجوهرية بالمدافعين عن الأنوثة، إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقى الجنسان تعليماً واحداً، وأن يمنحا سلطات واحدة ومسئوليات متشابهة.. والحقيقة أن المرأة تختلف اختلاقاً كبيراً عن الرجل. فكل خلية من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها. والأمر نفسه صحيح بالنسبة لأعضائها. وفوق كل شىء بالنسبة لجهازها العصبى. فالقوانين الفسيولوجية غير قابلة للين، شأنها شأن قوانين العالم الكوكبى،. فليس فى الإمكان إحلال الرغبات الإنسانية محلها. ومن ثم فنحن مضطرون إلى قبولها كما هى . فعلى النساء أن ينمين öأهليتهن تبعاً لطبيعتهن، دون أنيحاولن تقليد الذكور. فإن دورهن فى تقدم الحضارة أسمى من دور الرجال فيجب عليهن ألا يتخلين عن وظائفهن المحددة )) ... (114) .
((إن الأب والأم يساهمان بقدر متساو فى تكوين نواة البويضة، التى تولد كل خلية من خلايا الجسم الجديد. ولكن الأم تهب علاوة على نصف المادة النووية كل البروتوبلازم المحيط بالنواة.. وهكذا تلعب دوراً أ÷م من الأب فى تكوين الجنين )) .. (ص115) .
((إن دور الرجل فى التناسل قصير الأمد. أما دور المرأة فيطول إلى تسعة أسهر. وفى خلال هذه الفترة يغذى الجنين بمواد كيماوية ترشح من دم الأم من خلال أغشية الخلاص. وبينما تمد الأم جنينها بالعناصر التى تتكون منها أنسجته فإنها تتسلم مواد معينة تفرزها أعضاء الجنين. وهذه المواد قد تكون نافعة وقد تكون خطرة. فحقيقة الأمر أن الجنين ينشأ تقريباً من الأب مثلما ينشأ من الأم. فإن مخلوقاً من أصل غريب – جزئياً – قد اتخذ له مأوى فى جسم المرأة . فتتعرض المرأة لتأثيره خلال فترة الحمل. وقد تتسمم المرأة فى بعض الأحيان بواسطة جنينها، كما أن احوالها الفسيولوجية والسيكولوجية تعدل به دائماً.. وعلى أى حال يبدو أن النساء – من بين الثدييات – هن فقط اللائى يصلن إلى نموهن الكامل بعد حمل أو اثنين. كما أن النساء اللائى لم يلدن لسن متزنات توازناً كاملاً كالوالدت. فضلاً عن أنهم يصبحن أكثر عصبية منهن. صفوة القول إن وجود الجنين، الذى تختلف أنسجته اختلافاً كبيراً عن أنسجة الأم، بسبب صغرها، ولأنها – جزئياً- من أنسجة زوجها، تحدث أثراً كبيراً فى المرأة. إن أهمية وظيفة الحمل والوضع بالنسبة للأم لم تفهم حتى الآن إلى درجة كافية. مع أن هذه الوظيفة لازمة لاكتمال نمو المرأة.. ومن ثم فمن سخف الرأى أن نجعل المرأة تتنكر للأمومة. ولذا يجب ألا تلقن الفتاة التدريب العقلى والمادى، ولا أن تبث فى نفسها المطامع التى يتلقاها الفتيان وتبث فيهم.. يجب أن يبذل المربون اهتماماً شديداً للخصائص العضوية والعقلية فى الذكر والأنثى. كذا لوظائفها الطبيعية. فهناك اختلافات لا تنقض بين الجنسين. ولذلك فلا مناص من أن نحسب حساب هذه الاختلافات فى إنشاء عالم متمدين (1165- 117) .
((أليس من العجيب أن برامج تعليم البنات لا تشتمل بصفة عامة على أية دراسة مستفيضة للصغار والأطفال، وصفاتهم الفسيولوجية والعقلية؟ يجب أن تعاد للمرأة وظيفتها الطبيعية التى لا تشتمل على الحمل فقط . بل أيضاً على رعاية صغارها))(368 – 369) .
وأخيراً :
((من المعروف أن الإفراط الجنسى يعرقل النشاط العقلى. ويبدو أن العقل يحتاج إلى وجود غدد جنسية حسنة النمو، وكبت مؤقت للشهوة الجنسية، حتى يستطيع أن يبلغ منتهى قوته.. ولقد أكد فرويد، عن حق، الأهمية القصوى للدوافع الجنسية فى وجوه نشاط الشعور. ومع ذلك فإن ملاحظاته تتعلق بالمرضى على الأخص. ومن ثم يجب ألا تعمم استنتاجاته بحيث تشمل الأشخاص العاديين، وبخاصة أولئك الذين وهبوا جهاراً عصبياً قوياً ، وسيطرة على أنفسهم.. وبينما يصبح الضعفاء، المعتلو الأعصاب، غير المتزنين، أكثر شذوذاً عندما تكبت شهواتهم الجنسية، فإن الأقوياء يصيرون أكثر قوة، بممارسة هذا الشكل من الزهد() )) .. (174ص)
* * *
ولنأخذ شهادة ((ول ديورانت)) الكاتب الأمريكى المتفلسف .. وهو رجل لا يمكن أن يقال إنه من أعداء هذه الحضارة. فهو شديد الإعجاب بالتقدم الذى تمثله هذه الحضارة فى مجموعها . وهو يبدو معارضاً للدين فى جملته، كما أنه ظاهر العداء للإسلام بصفة خاصة.. وقد نشرت له مؤسسة فرنكلين ترجمة جزء من كتابه ((مباهج الفلسفة)) ونشرت له جامعة الدول العربية ترجمة أجزاء من كتابه قصة الحضارة. ويستطيع قارئ اللغة العربية أن يلاحظ موقفه هذا من الإعجاب بهذه الحضارة فى جملتها، كما يلاحظ موقفه من الدين جملة، وعداءه الظاهر للإسلام خاصة .
ومع هذا كله فهو يؤدى هذه الشهادة عن هذه الحضارة فى كتابه ((مباهج الفلسفة)) :
((وثقافتنا اليوم سطحية، ومعرفتنا خطرة، لأننا أغنياء فى الآلات فقراء فى الأغراض. وقد ذهب اتزان العقل الذى نشأ ذات يوم من حرارة الإيمان الدينى، وانتزع العلم منا الأسس المتعالية لأخلاقياتنا، ويبدو العالم كله مستغرقاً فى فردية مضطربة تعكس تجزؤ خلقنا المضطرب. إننا نواجه مرة أخرى تلك المشكلة التى أقلقت بال سقراط، تعنى: كيف نهتدى إلى أخلاق طبيعية تحل محل الزواجر العلوية التى بطل أثرها فى سلوك الناس؟ إننا نبدد تراثنا الاجتماعى بهذا الفساد الماجن من جهة. وبهذا الجنون الثورى من جهة أخرى، حين نفقد الفلسفة التى بدونها نفقد هذه النظرة الكلية التى توحد الأغراض، وترتب سلم الرغبات. إننا نهجر فى لحظة مثاليتنا السلمية ونلقى بأنفسها فى هذا الانتحار الجماعى للحرب. وعندنا مائة ألف سياسى، وليس عندنا ((رجل حكم)) واحد. إننا نطوف حول الأرض بسرعة لم يسبق لها مثيل. ولكننا لا نعرف إلى أين نذهب، ولم نفكر فى ذلك، أو هل نجد هناك السعادة الشافية لأنفسنا المضطربة. إننا نهلك أنفسنا بمعرفتنا التى أكسرتنا بخمر القوة. ولن ننجو منها بغير الحكمة() .. (ص6-7ج1).
(( وثقافتنا اليوم سطحية، ومعرفتنا خطرة، لأننا أغنياء فى الآلات فقراء فى الأغراض. وقد ذهب اتزان العقل الذى نشأ ذات يوم من حرارة الإيمان الدينى، وانتزع العلم منا الأسس المتعالية لأخلاقياتنا، ويبدو العالم كله مستغرقاً فى فردية مضطربة تعكس تجزؤ خلقنا المضطرب.
إننا نواجه مرة أخرى تلك المشكلة التى أقلقت بال سقراط، نعنى: كيف نهتدى إلى أخلاق طبيعية تحل محل الزواجر العلوية التى بطل أثرها فى سلوك الناس؟ إننا نبدد تراثها الاجتماعى بهذا الفساد الماجن من جهة، وبهذا الجنون الثورى من جهة أخرى، حين نفقد الفلسفة التى بدونها نفقد هذه النظرة الكلية التى توحد الأغراض، وترتب سلم الرغبات. إننا نهجر فى لحظة مثاليتنا السلمية ونلقى بأنفسنا فى هذا الانتحار الجماعى للحرب. وعندنا مائة ألف سياسى، وليس عندنا((رجل حكم)) واحد. إننا نطوف حول الأرض بسرعة لم يسبق لها مثيل. ولكننا لا نعرف إلى أين نذهب، ولم نفكر فى ذلك، أو هل نجد هناك السعادة الشافية لأنفسنا المضطربة. إننا نهلك أنفسنا بمعرفتنا التى أسكرتنا بخمر القوة. ولن ننجو منها بغير الحكمة()))...(ص6- 7ج1).
واختراع موانع الحمل وذيوعها هو السبب المباشر فى تغير أخلاقنا. فقد كان القانون الأخلاقى قديماً يقيد الصلة الجنسية بالزواج، لأن النكاح كان يؤدى إلى الأبوة بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ولم يكن الوالد مسئولاً عن ولده إلا بطريق الزواج. أما اليوم فقد انحلت الرابطة بين الصلة الجنسية وبين التناسل، وخلقت موقفاً لم يكن آباؤنا يتوقعونه، لأن جميع العلاقات بين الرجال والنساء آخذة فى التغير نتيجة هذا العامل. ويجب على القانون الأخلاقى فى المستقبل أن يدخل فى حسابه هذه التسهيلات الجديدة التى جاءت بها الاختراعات لتحقيق الرغبات المتأصلة!))... (ص125 ج 1).
((فحياة المدينة تفضى إلى كل مثبط عن الزواج، فى الوقت الذى تقدم فيه إلى الناس كل باعث على الصلة الجنسية وكل سبيل يسهل أداءها. ولكن النمو الجنسى يتم مبكراً عما كان من قبل، كما يتأخر النمو الاقتصادى. فإذا كان قمع الرغبة شيئاً عملياً ومعقولاً فى ظل النظام الاقتصادى الزراعى، فإنه الآن يبدو أمراً عسيراً وغير طبيعى فى حضارة صناعية أجلت الزواج حتى بالنسبة للرجال حتى لقد يصل إلى سن الثلاثين. ولا مفرد من أن يأخذ الجسم فى الثورة، وأن تضعف القوة على ضبط النفس عما كان فى الزمن القديم، وتصبح العفة التى كانت فضيلة موضوعاً للسخرية، ويختفى الحياء الذى كان يضفى على الجمال جمالاً، ويفاخر الرجال بتعداد خطاياهم، وتطالب النساء حقها فى مغامرات غير محدودة على قدم المساواة من الرجال، ويصبح الاتصال قبل الزواج أمراً مألوفاً، وتختفى البغايا من الشوارع بمنافسة الهاويات لا برقابة البوليس. لقد تمزقت أوصال القانون الأخلاقى الزراعى، ولم يعد العالم المدنى يحكم به()))... (ص126- 127).
((ولسنا ندرى مقدار الشر الاجتماعى الذى يمكن أن نجعل تأخير الزواج مسئولاً عنه. ولا فى أن بعض هذا الشر يرجع إلى ما فينا من رغبة فى التعدد لم تهذب، لأن الطبيعة لا تهيئنا للاقتصار على زوجة واحدة. ويرجع بعضها إلى ولاء المتزوجين الذين يؤثرون شراء متعة جنسية جديدة على الملل الذى يحسونه فى حصار قلعة مستسلمة. ولكن معظم هذا لشر يرجع فى أكبر الظن فى عصرنا الحاضر إلى التأجيل غير الطبيعى للحياة الزوجية. وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو فى الغالب ثمرة التعود قبله. وقد نحاول فهم العلل الحيوية والاجتماعية فى هذه الصناعة المزدهرة، وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه فى عالم خلقه الإنسان(). وهذا هو الرأى الشائع لمعظم المفكرين فى الوقت الحاضر. غير أنه من المخجل أن نرضى فى سرور عن صورة نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذبح الإباحية، وهى تعرض علينا فى المسارح وكتب الأدب المكشوف، تلك التى تحاول كسب المال باستثارة الرغبة الجنسية فى الرجال والنساء المحرومين، وهم فى حمى الزواج ورعايته للصحة.
((ولا يقل الجانب الآخر من الصورة كآبة. لأن كل رجل حين يؤجل الزواج يصاحب فتيات الشوارع ممن يتسكعن فى ابتذال ظاهر. ويجد الرجل لإرضاء غرائزه الخاصة فى هذه الفترة من التأجيل نظاماً دولياً مجهزاً بأحدث التحسينات، ومنظماً بأسمى ضروب الإدارة العلمية. ويبدو أن العالم قد ابتدع كل طريقة يمكن تصورها لإثارة الرغبات وإشباعها))...
ص (117- ص 118).
((وأكبر الظن أن هذا التجدد فى الإقبال على اللذة، قد تعاون أكثر مما نظن مع هجوم داروين على المعتقدات الدينية. وحين اكتشف الشبان والفتيات- وقد اكسبهم المال جرأة- أن الدين يشهر بملاذهم التمسوا فى العلم ألف سبب وسبب للتشهير بالدين. وأدى التزمت فى حجب الحياة الجنسية والزهد فيها إلى رد فعل فى الأدب وعلم النفس صور الجنس مرادفاً للحياة. وقد كان علماء اللاهوت قديماً يتجادلون فى مسألة لمس يد الفتاة أيكون ذنباً؟ أما الآن فلنا أن ندهش ونقول: أليس من الإجرام أن نرى تلك اليد ولا نقبلها؟ لقد فقد الناس الإيمان وأخذوا يتوجهون نحو الفرار من الحذر القديم إلى التجربة الطائشة))... (ص 134).
((وكانت الحرب العظمى الأولى آخر عامل فى ظل هذا التغيير. ذلك أن تلك الحرب قوضت تقاليد التعاون والسلام المتكونين فى ظل الصناعة والتجارة، وعودت الجنود الوحشية والإباحية. حتى إذا وضعت الحرب أوزارها عاد آلاف منهم إلى بلادهم فكانوا بؤرة للفساد الخلقى. وأدت تلك الحرب إلى رخص قيمة الحياة بكثرة ما أطاحت من رءوس، ومهدت إلى ظهور العصابات والجرائم القائمة على الاضطرابات النفسية، وحطمت الإيمان بالعناية الإلهية، وانتزعت من الضمير سند العقيدة الدينية(). وبعد انتهاء معركة الخير والشر بما فيها من مثالية ووحدة، ظهر جيل مخدوع وألقى بنفسه فى أحضان الاستهتار والفردية والانحلال الخلقى. وأصبحت الحكومات فى واد والشعب فى واد آخر، واستأنفت الطبقات الصراع فيما بينها، واستهدفت الصناعات الربح، بصرف النظر عن الصالح العام، ةتجنب الرجال الزواج خشية مسئوليته، وانتهى الأمر بالنساء إلى عبودية خاملة، أو إلى طفليات فاسدة، ورأى الشباب نفسه وقد منح حريات جديدة تحميه الاختراعات من نتائج المغامرات النسائية فى الماضى() وتحوطه من كل جانب ملايين المؤثرات الجنسية فى الفن والحياة))..
(ص 135- 136).
((لما كان اليوم هو عصر الآلة، فلا بد أن يتغير كل شئ. فقد قل أمن الفرد فى الوقت الذى نما فبه الآمن الاجتماعى. وإذا كانت الحياة الجسمانية أعظم أمناً مما كانت، فالحياة الاقتصادية مثقلة بألف مشكلة معقدة، مما يجعل الخطر جاثماً كل لحظة. أما الشباب الذى أصبح أكثر إقداماً وأشد غروراً من قبل، فهو عاجز مادياً، وجاهل اقتصادياً إلى حد لم يسبق له مثيل. ويقبل الحب فلا يجرؤ الشباب على الزواج وجيوبه صفر من المال. ثم يطرق الحب مرة أخرى وباب القلق أكثر ضعفاً(وقد مرت السنوات) ومع ذلك لم تمتلئ الجيوب بما يكفى للزواج. ثم يقبل الحب مرة أخرى أضعف حيوية وقوة عما كان من قبل(وقد مرت السنوات) فبجد الجيوب عامرة، فيحتفل الزواج بموت الحب.
((حتى إذا سئمت فتاة المدنية الانتظار اندفعت بما لم يسبق له مثيل فى تيار المغامرات الواهية. فهى واقعة تحت تأثير إغراء مخيف من الغزل والتسلية وهدايا من الجوارب وحفلات من الشمبانيا فى نظير الاستمتاع بالمباهج الجنسية. وقد ترجع حرية سلوكها فى بعض الأحيان إلى انعكاس حريتها الاقتصادية. فلم تعد تعتمد على الرجل فى معاشها، وقد لا يقبل الرجل على الزواج من برعت مثله فى فنون الحب. فقدرتها على كسب دخل حسن هو الذى يجعل الزوج منتظراً متردداً، إذ كيف يمكن أن يكفى أجره المتواضع للإنفاق عليهما معاً فى مستواهما الحاضر من المعيشة؟
((وأخيراً تجد الرفيق الذى يطلب يدها للزواج، ويعقد عليها لا فى كنيسة. لأنهما من أحرار الفكر الذين ألحدوا عن الدين، ولم يعد القانون الخلقى الذى ظل جاثماً على إيمانهما المهجور أثر فى قلبيهما. إنهما يتزوجان فى قبو المكتب البلدى(الذى يفوح منه عبير الساسة) ويستمعان إلى تعاويذ العمدة. إنهما لا يرتبطان بكلمة الشرف، بل بعقد من المصلحة، لهما الحرية فى أى وقت فى التحلل منه. فلا مراسيم مهيبة، ولا خطبة عظيمة، ولا موسيقى رائعة، ولا عمق ولا نشوة فى الانفعال تحيل ألفاظ وعودهم إلى ذكريات لا تمحى من صفحة الذهن. ثم يقبل أحدهما صاحبه ضاحكاً ويتوجهان إلى البيت فى صخب.
إنه ليس بيتاً! فليس ثمة كوخ ينتظر الترحيب بهما أنشئ وسط الحشائش النضرة والأشجار الظليلة، ولا حديقة تنبت لهما الزهور والخضروات التى يشعران بأنها أبهى وأحلى لأنها من زرع أيديهما. بل يجب أن يخفيا أنفسهما خجلاً كأنهما فى زنزانة سجن، فى حجرات ضيقة لا يمكن أن تستبقيهما فيها طويلاً، ولا يعنيان بتحسينها وتزيينها بما يعبر عن شخصيتيهما. ليس هذا المسكن شيئاً روحياً كالبيت الذى كان يتخذ مظهراً ويكسب روحاًُ قبل ذلك بعشرين عاماً(الكتاب مكتوب سنة 1929) بل مجرد شئ مادى فيه من الجفاف والبرودة ما تجده فى مارستان. فهو يقوم وسط الضوضاء والحجارة والحديد حيث لا ينفذ إليه ربيع، لا ينبت لهما الصيف الزرع النضر بل سيلاً من المطر. ولا يريان مع ورود الخريف قوس قزح فى السماء أو أى ألوان على أوراق الشجر، بل المتاعب والذكريات الحزينة.
((وتصاب المرأة بخيبة أمل. فهى لا تجد فى هذا البيت شيئاً يجعل جدرانه تحتمل فى الليل والنهار، ولا تلبث إلا قليلاً حتى تهجره فى كل مناسبة ولا تعود إليه إلا قبل مطلع الفجر. ويخيب أمل الرجل، فهو لا يستطيع أن يتجول فى أنحاء هذا البيت، يعزى شعوره ببنائه وإصلاحه ما تصاب به أصابعه من دق المطارق. ويكتشف بعد قليل أن هذه الحجرات تشبه تمام الشبه تلك التى كان يعيش فيها وهو أعزب، وأن علاقته مع زوجته تشبه شبهاً عادياً تلك العلاقات غير البريئة التى كان يعقدها مع المستهترات من النساء. فلا جديد فى هذا البيت، وليس فيه ما ينمو، ولا يمزق سكون الليل صوت الرضيع، ولا يملأ مرح الأطفال النهار بهجة، ولا أذرع بضة تستقبل الزوج عند عودته من العمل وتخفف وطأته. إذ أين يمكن ان يلعب الطفل؟ وكيف يمكن للزوجين تخصيص حجرة أخرى للأطفال وتوفير العناية بهم وتعليمهم سنين طويلة فى المدينة؟ والفطنة فيما يظنان أفضل جوانب الحب.. فيعتزمان منع النسل... إلى أن يقع بينهما الطلاق!
((ولما كان زوجهما ليس زواجاً بالمعنى الصحيح- لأنه صلة جنسية لا رباط أبوة- فإن يفسد لفقدانه الأساس الذى يقوم عليه، ومقومات الحياة. يموت هذا الزواج لانفصاله عن الحياة وعن النوع. وينكمش الزوجان فى نفسيهما وحيدين كأنهما قطعتان منفصلتان. وتنتهى الغيرة الموجودة فى الحب إلى فردية يبعثها ضغط حياة المساخر. وتعود إلى الرجل رغبته الطبيعية فى التنويع، حين تؤدى الألفة إلى الاستخفاف. فليس عند المرأة جديد تبذله أكثر مما بذلته)... (ص 223- 225).
((ولندع غيرنا مكن الذين يعرفون يخبرونا عن نتائج تجاربنا. أكبر الظن أنها لن تكون شيئاً نرغب فيه أو نريده. فنحن غارقون فى تيار من التغيير، سيحملنا بلا ريب إلى نهايات محتومة لا حيلة لنا فى اختيارها. وأى شئ قد يحدث مع هذا الفيضان الجارف من العادات والتقاليد والنظم، فالآن وقد أخذ البيت فى مدننا الكبرى فى الاختفاء، فقد فقد الزواج القاصر على واحدة جاذبيته الهامة. ولا ريب أن زواج المتعة سيظفر بتأييد أكثر فأكثر حيث لا يكون النسل مقصوداً. وسيزداد الزواج الحر، مباحاً كان أم غير مباح. ومع أن حريتهما إلى جانب الرجل أميل، فسوف تعتبر المرأة هذا الزواج أقل شراً من عزلة عقيمة تقضيها فى أيام لا يغازلها أحد. سينهار((المستوى المزدوج)) وستحث المرأة الرجل بعد تقليده فى كل شئ على التجربة قبل الزواج. سينمو الطلاق، وتزدحم المدن بضحايا الزيجات المحطمة. ثم يصاغ نظام الزواج بأسره فى صور جديدة أكثر سماحة. وعندما يتم تصنيع المرأة، ويصبح ضبط الحمل سراً شائعاً فى كل طبقة، يضحى الحمل أمراً عارضاً فى حياة المرأة، أو تحل نظم الدولة الخاصة بتربية الأطفال محل عناية البيت.. وهذا كل شئ!())).. (ص235- 236).
* * *
والآن نسمع شهادة الأستاذ أبى الأعلى المودودى فى بعض جوانب هذه الحضارة، وما أنشأته من آثار تنطوى على تهديد مدمر للحياة الإنسانية ذاتها فضلاً على الخصائص الإنسانية:
من كتاب((الحجاب)):
((إن أساطين الفلسفة والأدب وأقطاب العلوم الطبيعية الذى رفعوا لواء الإصلاح فى القرن الثامن عشر، كانوا- كما سبق لنا الإشارة إليه- يجابهون نظاماً للتمدن فيه أنواع من القيود والسدود، وفيه صلابة من غير مرونة، وعسر من غير يسر، طافحاً بالتقاليد التى لا يقبلها الطبع والضوابط الجامدة، والطرق المناقضة للفطرة والعقل. وزاد طينه بلة انحطاط القوم المتواصل على طول القرون فجعله عقبة كأداء فى كل طريق للرقى. فبجانب كانت النهضة العلمية والعقلية الجديدة تبعث فى نفوس الطبقة المتوسطة أشد الميل إلى التقدم والنبوغ بالعمل والاجتهاد الذاتى. وبجانب آخر كانت على رءوسهم طبقة الأمراء والزعماء الدينيين تبالغ فى شدهم بالأغلال التقليدية. فمن الكنيسة إلى الجندية والقضاء، ومن قصور الإمارة إلى المزارع ودور التجارة.. كل شعبة من شعب الحياة، وكل مؤسسة للتنظيمات الاجتماعية، كانت تجرى على نظام يتيح لبعض الطبقات المخصوصة بحجة امتيازاتها القديمة وحقوقها المتوارثة، أن تعسف وتجور على من لا ينتمى إليها من العاملين الناهضين، فتذهب بثمار أعمالهم، وتستأثر بنتاج مواهبهم وكفاءاتهم. فكل محاولة يقوم بها القائمون لإصلاح تلك الحال كانت تخيب وتفشل، بإزاء أثرة الطبقات المسيطرة وجهالتها..
((لهذه الأسباب كلها غدت الطبقات الناشدة للإصلاح تثور فى نفوسهم مع الأيام ثائرة الانقلاب الجامحة، حتى غلبت عليهم وعمتهم، آخر الأمر، نزعات البغى والثورة على هذا النظام الاجتماعى بجميع شعبه وأجزائه.. وراج بين الناس نظرية متطرفة فى الحرية الشخصية، ترمى إلى إعطاء الفرد الحرية التامة، والإباحية المطلقة بإزاء المجتمع. فأصبحوا ينادون بأنه يجب أن يكون للفرد الحق المطلق فى عمل ما يشاء، والحرية الكاملة فى ترك ما يشاء، وليس للمجتمع أن ينتزع منه الحرية الشخصية.. الخ)) (ص60- 61).
ومن غرائب الاتفاق أنه قد واتت هذا الانقلاب الفكرى- وهو فى صدر شبابه- أسباب تمدنية أخرى. ففى هذا العصر قامت الثورة الصناعية الشهيرة، وأعقبتها تغيرات هامة فى الحياة الاقتصادية، كان من آثارها المترتبة على الحياة التمدنية ما هو عون على تحويل وجهة سير الاجتماع الحديث إلى حيث تريد الآداب الانقلابية أن تحولها. وذلك أن تصور الحرية الشخصية، الذى نشأ عليه النظام الرأسمالى، جاءت الاختراعات الميكانيكية، وإمكانات وفرة الإنتاج الصناعى(Mass Production) تحكمه وتقويه. فأقامت الطبقات الرأسمالية مؤسسات صناعية وتجارية إلى مدن عامرة، أصبح ينجر إليها من القرى والأرياف أضعاف الملايين من النفوس. وغلت تكاليف الحياة غلاءً فاحشاً، وارتفعت أسعار الحاجيات للحياة، من المطعم والملبس والمسكن، إلى ما فوق طاقة العامة زد على ذلك أن أضيف إلى حاجات الحياة ما لا يحصى من وسائل المعيشة المتجددة لأسباب راجع بعضها إلى ارتقاء التمدن وبعضها إلى مساعى أهل الثروة.
((ولكن النظام الرأسمالى لم يوزع الثروة بين الناس بما يكفل للجميع وسائل الحصول على تلك المتع واللذات، وأدوات الزينة والزخرفة التى أدخلها فى لوازم الحياة. بل هو لم يهيئ للعامة من وسائل المعاش ما يسدون به عوزهم بسهولة من حاجات الحياة الحقيقية- وهى السكنى والطعام واللباس- فى تلك المدن التى قد زج بهم إليها..
((كان من نتائج ذلك كله أن أصبحت المرأة كلاً على زوجها، وأصبح الولد عبئاً على أبيه، وتعذر على كل فرد أن يقيم أود نفسه، فضلاً على أن يعول غيره من المتعلقين به. وقضت الأحوال الاقتصادية أن يكون كل واحد من أفراد المجتمع عاملاً مكتسباً. فاضطرت جميع طبقات النساء- من الأبكار والأيامى والثيبات- أن يخرجن من بيوتهن لكسب الرزق رويداً.
((ولما كثر بذلك اختلاط الصنفين، واحتكاك الذكور والإناث، وأخذت تظهر عواقبه الطبيعية فى المجتمع، تقدم هذا التصور للحرية الشخصية، وهذه الفلسفة الجديدة للأخلاق، فهدأ من قلق الآباء والبنات، والإخوة والأخوات، والبعولة والزوجات، وجعلا نفوسهم المضطربة تطمئن إلى أن الذى هو واقع أمام أعينهم، لا بأس به، فلا يوجسوا منه خيفة، إذ هو ليس هبوطاً وتردياً، بل هو نهضة وارتقاء(Emancipation) وليس فساداً خلقياً، بل هو عين اللذة والمتعة التى يجب أن يقتنيها المرء فى حياته، وأن هذه الهاوية التى يدفع بهم إليها الرأسمالى، ليست بهاوية النار، بل هى جنة تجرى من تحتها الأنهار().
((وما وقف الأمر عند هذا الحد. بل جاء النظام الرأسمالى الذى دفعت قواعده على هذا التصور للحرية الشخصية، فمنح الفرد حقاً مطلقاً من كل قيد أو شرط فى اكتساب الثروة بكل ما أمكنه من الطرق. وتبعته فلسفة الأخلاق فأباحت له كل وسيلة يمكن أن تتخذ لجمع الأموال، وإن كان إثراء الفرد الواحد بتلك الوسائل والطرق مهلكة أفراد كثيرين.. وبذلك تألف نظام التمدن. من أوله إلى آخره، على صورة تؤثر الفرد على الجماعة من كل وجهة، وليس فيها ضمان للمحافظة على مصالح الجماعة بإزاء أثرة للفرد. فانفتحت السبل على إخوان الطمع والأثرة ليغيروا ويعتدوا على المجتمع كيف يشاءون. فعمد هؤلاء إلى الغرئز الإنسانية يتحسسون فيها مواطن الضعف والخلل، وراحوا يتفننون فى استغلالها لأغراضهم. فقام أحدهم، وروج فى الناس سيئة الخمر جلباً للثروة إلى جيبه، ولم ينهض منهم من ينقذ المجتمع من غوائل هذا الطاعون. وقام آخر وابتلى خلق الله بآفة الربا، ونصب شبكته فى القاصية والدانية، وما هنالك من يدفع عن دماء الناس ضر هذا العلق، بل حافظت القوانين على مصلحة هذه الدويبة الفتاكة، كى لا يسلم منها أحد بقطرة من دمه. وجاء ثالث وأشاع فى المجتمع طرقاً مبتكرة للقمار، حتى لم تسلم شعبة من شعب التجارة من عنصره، وما ثمة من يتقدم لحفظ الحياة الاقتصادية من هذه الحمى المحرقة.
((وما كان من الممكن فى هذا العصر من الأنانية والبغى والعدوان الفردى، أن يغرب عن إخوان الأثرة والطمع، ذلك الضعف الإنسانى الأكبر.. الشهوة الجامحة.. التى يمكنهم باستثارتها جلب كثير من المنافع. فلم يفتهم ذلك فعلاً، بل استخدموا غريزة الشهوة العارمة فى الإنسان ما وسعهم وما أمكنهم. إذ أصبح مدار العمل والعناية كلمة فى المراقص والمسارح ومراكز إخراج الأفلام، على أن تستخدم لها الغيد الحسان، ويعرضن على المنصة فى صورة أكمل من التبرج، وفى هيئة أكبر من العرى، ويجلب الذهب من جيوب الرجال بأكثر ما يمكن من إضرام نار الشهوة فيهم .. جاء قوم فمهدوا الأسباب لإكراء النساء، وتقدموا بحرفة الغباء إلى أن أصبحت تجارة دولية منظمة.. وجاء آخرون فتفننوا فى صنع أدوات الزينة والزخرفة، ثم عمموها فى المجتمع ليزيدوا من غريزة التبرج التى جبلت عليها المرأة إلى أن يجعلوها فيهن هوساً، ويجمعوا بذلك الذهب والفضة ملء أكفهم.. وجاءت فئة أخرى فاخترعوا لملابس النساء أزياء كاشفة مغرية، واستخدموا كل فاتنة الجمال لتلبسها وتغشى بها النوادى والحفلات، حتى يقبل عليها الشباب ويفتنوا بها، فتغرم الفتيات بتلك الأزياء الجديدة من اللباس، وتربح تجارة مخترعيها. وتذرع آخرون بإشاعة الصور العارية والقصص الغرامية، والمقالات الخليعة، إلى استدرار الأموال، وأخذوا كذلك يملأون جيوبهم بإصابة العامة بالجذام الخلقى. حتى انتهت الحال، على مضى الأيام، إلى أن لم تبق ناحية من نواحى التجارة خالصة من عنصر الإغراء. وها أنت ذا صرت لا ترى فى زمانك هذا إعلاناً من الإعلانات التجارية فى الجرائد والمجلات، إلا وسمته الملازمة البارزة، صورة امرأة عارية أو فى حكم العارية، كأنه لم يعد من الممكن أن يكون إعلان ما وافياً بالغرض بدون وجود المرأة()، ولا تجد كذلك فندقاً من الفنادق ولا مقهى، ولا صالة عرض إلا وقد استخدمت فيها المرأة لتعمل عملها المغناطيسى فى الرجال().
((وكان المجتمع المسكين المخذول لا يملك- حيال ذلك كله- إلا وسيلة واحدة للمحافظة على مصالحه. وهى أن يستعين بتصوراته الخلقية على دفع تلك الغارات عن نفسه، ويتحفظ من استيلاء غريزة الشهوة عليه.. ولكن النظام الرأسمالى لم يكن من الضعف والهوان بحيث يمكن رد حملته بسهولة. وإنما كان من ورائه فلسفة كاملة الأداة، وعسكر شيطانى عرمرم، من العلوم والآداب، كانا لا يزالان يعملان عملهما فى نسخ النظريات الخلقية ومحوها من النفوس().
((ومن براعة القاتل- والله- أن يحمل قتيله على الاستسلام للقتل بطيب خاطره ورضاه)) (ص 82- 87).
... ((هذه حالة المرأة عندهم.. وأما الرجال فما تزيدهم كل هذه المظاهر الخلابة من الجمال النسوى إلا شوقاً وطموحاً ونهمة. لأن نار الشهوة والعاطفة البهيمية المتأججة فى الصدور، لا تخمد بكل منظر جديد من الخلاعة والسفور، بل تزداد لهيباً، وتتطب منظراً آخر أكثر منه سفوراً وحسوراً وتكشفاً. ومثلهم فى ذلك كمثل من تصيبه لفحة من السموم، فيكاد لا يسكن ظمؤه. كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً وظمأ. فهم دائم فى إعداد أدوات، وتهيئة أسباب وظروف لإطفاء أوار شهوتهم المبرح بهم، ولا يهدأ لهم دون ذلك بال، ولا هم يستقر لهم قرار. وما هذه الصور العارية، وهذا الأدب المكشوف وهذه القصص الغرامية وهذه المراقص والمباذل، والمسرحيات المشحونة بالانفعالات والنزعات العارمة.. ما هذه كلها إلا نماذج من جهودهم وحيلهم التى يتعاطونها لإخماد الشهوات الجامحة- ولكن فى الحقيقة لاستثارتها والنفخ فيها- التى أججها هذا المجتمع الماجن، وتلك الحياة الاجتماعية الضالة، فى صدر كل فرد من أفرادهم.. ولكنهم سموها بالفن(Art) لإخفاء هذا الضعف الكامن فى نفوسهم وفى حياتهم.
((ولا يزال هذا الداء الوبيل- من غلبة الشهوات البهيمية- ينخر فى كيان الأمم الغربية، وينتقص من قوة حياتهم بسرعة هائلة. والتاريخ يشهد أنه ما سرى هذا الداء فى مفاصل أمة، إلا أوردها موارد التلف والفناء. ذلك بأنه يقتل فى الإنسان كل ما آتاه الله من القوى العقلية والجسدية لبقائه وتقدمه فى هذه الحياة. وأنى للناس- لعمر الله- ذلك الهدوء وتلك الدعة والسكينة، التى لابد لهم منها لمعالجة أعمال الإنشاء والتعمير، ما دامت تحيط بهم محركات شهوانية من كل جانب، وتكون عواطفهم عرضة أبداً لكل فن جديد من الأغراء والتهييج، ويحيق بهم وسط شديد الاستثارة، قوى التحريض، ويكون الدم فى عروقهم فى غليان مستمر بتأثير ما حولهم من الأدب الخليع، والصور العارية، والأغانى الماجنة، والأفلام الغرامية، والرقص المثير، والمناظر الجذابة من الجمال الأنثوى العريان، وفرص الاختلاط بالصنف المخالف. استغفر الله – بل أنى لهم ولأجيالهم الناشئة – أن يجدوا فى غمرة هذه المهيجات الجو الهادئ المعتدل الذى لا مندوحة عنه لتنشئة قواهم الفكرية والعقلية، وهم لا يكادون يبلغون الحلم حتى يغتالهم غول الشهوات البهيمية ويستحوذ عليهم. وإذا هم وقعوا بين ذراعى هذا الغول فأنى لهم النجاة منه ومن غوائله وعواديه()؟ (ص37-39).
((كان أكثر الأمم تأثراً بحركة منع التناسل هى فرنسا. فكانت نسبة المواليد فيها إلى الانخفاض منذ أربعين سنة على التوالى (عند نشوب الحرب العالمية الأولى) ولم تكن إلا عشرون مقاطعة من مقاطعات فرنسا السبع والثمانين تربو فيها نسبة المواليد على نسبة الوفيات. وأما المقاطعات السبع والستون الباقية، فكانت نسبة الوفيات فيها أكثر من نسبة المواليد. وكان معدل الوفيات فى بعض مقاطعاتها يتراوح بين 13. ، 17. بإزاء كل مائة مولود. فلما نشبت الحرب العالمية الأولى، ودفعت الأمة الفرنسية إلى موقف حرج بين الموت والحياة، أدرك أرباب فكرها بغتة أن هذه الأمة البائسة تفتقر إلى شباب مقاتلين، ورجال محاربين، وأنه إن ضحى – على الفرض – بذلك العدد القليل من شباب الأمة وفتيانها فى سبيل الدفاع عن الوطن فى تلك الآونة، فإنه لن تمكن النجاة من كرة العدو الثانية. فكان من انبعاث هذا الشعور فى نفوس الفرنسيين أن تملكت مشاعرهم فكرة الاستزادة من النسل حتى خبلتهم، وجعل الكتاب والصحفيون والخطباء – وحتى أهل الجد من رجال الدين والسياسة – كلهم يهيبون بالناس، من كل جانب، وبصوت واحد : أن يكثروا من التوليد والتناسل، ولا يبالوا القيود التقليدية من النكاح والزواج. ونادوا أن العذراء التى تتبرع برحمها للتوليد خدمة للوطن، تستحق العز والكرامة لا العتب والملامة! وكان هذا العصر المضطرب بطبيعة حاله حافزاً قوياً لدعاة الحرية والإباحية، فانتهزوا الفرصة السانحة، وبثوا جميع ما كان قد بقى فى جعبة فكرهم الشيطانى من النظريات))… (72 – 73) .
((إن أول ما قد جر على الفرنسيين تمكن الشهوات منهم، اضمحلال قواهم الجسدية، وتدرجها إلى الضعف يوماً فيوماً. فإن الهياج الدائم قد أوهن أعصابهم، وتعبد الشهوات يكاد يأتى على قوة صبرهم وجلدهم، وطغيان الأمراض السرية قد أجحف بصحتهم،. فمن أوائل القرن العشرين لا يزال حكام الجيش الفرنسى يخفضون من مستوى القوة والصحة البدنية المطلوب فى المتطوعة للجند الفرنسى، على فترة كل بضع سنين، لأن عدد الشبان الوافين بالمستوى السابق من القوة والصحة لا يزال يقل ويندر فى الأمة على مسير الأيام. وهذا مقياس أمين يدلنا – كدلالة مقياس الحرارة فى الصحة والتدقيق - على كيفية اضمحلال القوى الجسدية فى الأمة الفرنسية())).... (ص113).
((والنكبة الثانية العظيمة التى قد جرها على التمدن الفرنسى طغيان الشهوة المطلقة، ورواج الإباحية وقبولها : هى خراب النظام العائلى وتقوض بنيانه …….. )) (ص114).
((والأمة الفرنسية – كما أسلفت – لا تزال تهبط فيها نسبة المواليد منذ ستين عاماً متوالي. ففى بعض السنين تزيد نسبة الوفيات على نسبة المواليد وفى الأخرى تتساويان، وفى الثالثة لا تزيد على نسبة الوفيات إلا بقليل جداً .
وبجانب آخر لا يزال عدد الجالية المهاجرين فى فرنسا ينمو ويكثر، فكانوا قرابة ثلاثة ملايين من بين اثنين وأربعين مليوناً من سكان فرنسا الأصليين سنة 1931 . وإن استمرت الحال على ما هى عليه الآن، فلا يستبعد أن تعود الأمة الفرنسية عند ختام القرن العشرين أقلية فى وطنها هى))… (ص132) .
((نشر فى جريدة (free press) بدوتريت (detroit) الأمريكية مقال جاء فيه :
((إن ما قد نشأ بيننا الآن من قلة الزواج وكثرة الطلاق وتفاحش العلاقات غير المشروعة – الدائمة والعارضة – بين الرجال والنساء ، يدل كله على أننا راجعون القهقرى إلى البهيمية. فالرغبة الطبيعية فى النسل إلى التلاشى، والجيل المولود حبله على غاربه، والشعور بكون تعمير الأسرة والبيت لازماً لبقاء المدنية والحكم المستقل، يكاد ينتفى من النفوس. وبخلاف ذلك أصبح الناس ينشأ فيهم الإغفال لمال المدنية والحكومة وعدم النصح لهما )) .........(ص137) .
((كل هذا الاتباع لأهواء النفس، والنفور من تبعات الزوجية، والتبرم بالحياة العائلية، والارتخاء فى الروابط الزوجية، يكاد يذهب فى المرأة عاطفة الأمومة الفطرية، التى هى أشرف العواطف الروحية وأسماها فى النساء، والتى لا يقف عليها بقاء الحضارة والتمدن فحسب، بل بقاء الإنسانية جمعاء . وما نجمت سيئات منع الحمل وإسقاط الجنين، وقتل الأولاد، إلا ينضوب هذه العاطفة فى نفسن المرأة. فالمعلومات عن تدابير منع الحمل موفورة لكل فتى وفتاة فى الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من قيود القانون. والآلات والعقاقير المانعة للحمل معروضة للبيع فى الحوانيت كالسلعة المباحة، تستصبحها دائماً بنات المدارس والكليات – بله عامة النساء – لكتى لا تفوت إحداهن لذات عشية من عشيات الشباب، إن نسى خدينها أن يأخذ أدواته معه . فيكتب القاضى ((لندسى)) (فى محكمة دفنفر)) :
(( 495 بنتاً فى السن الباكرة من بنات المعاهد الثانوية اعترفن لى بأنهن كن قد جربن العلاقة الجنسية مع الصبيان، إلا أنه لم تحمل منهن إلا خمس وعشرون. وأما الباقيات فسلم بعضهن من الحمل بمحض الاتفاق. ولكن كانت لأكثرهن خبرة كافية بتدابير منع الحمل. وهذه الخبرة قد عمت فيهن إلى حد لا يكاد الناس يصيبون فى تقديره ))() ……… (ص139)
((وقد ذكرت فى مجلة أمريكية هذه الأسباب التى لا تزال تؤدى إلى رواح الفحشاء وقبولها هناك ، بالكلمات الآتية :
((عوامل شيطانية ثلاثة يحيط ثالوثها بدنيانا اليوم. وهى جميعها فى تسعير سعير لأهل الأرض: أولها الأدب الفاحش الخليع الذى لا يفتأ يزداد فى وقاحته وراجه بعد الحرب العالمية (الأولى) بسرعة عجيبة.. والثانى الأفلام السينمائية التى لا تذكى فى الناس عواطف الحب الشهوانى فحسب، بل تلقنهم دروساً عملية فى بابه . . والثالث انحطاط المستوى الخلقى فى عامة النساء الذى يظهر فى ملابسهن بل فى عريهن، وفى إكثارهن من التدخين، واختلاطهن بالرجال بلا قيد ولا التزام.. هذه المفاسد الثلاثة فينا إلى الزيادة والانتشار بتوالى الأيام. ولابد أن يكون مآلها زوال الحضارة والاجتماع النصرانيين وفناءهما آخر الأمر. فإن نحن لم نحد من طغيانها، فلا جرم أن يأتى تاريخنا مشابهاً لتاريخ الرومان ومن تبعهم من سائر الأمم الذين قد أوردهم هذا الاتباع للشهوات والأهواء موارد التهلكة والفناء مع ما كانوا فيه من خمور ونساء ومشاغل ورقص وغناء ))(ص129).
* * *
والآن نستمع إلى شهادة الطبيبة التى تحدثت عنها الدكتورة عائشة عبد الرحمن ((بنت الشاطئ)) بعنوان ((جنس ثالث فى طريقه إلى الظهور)) من مشاهداتها فى ((فينا)):
(( ……… شاءت الظروف أن أذهب فى عطلة الأحد، لزيارة صديقة لى طبيبة بإحدى ضواحى ((فينا)) – بعد أسبوع مرهق قضيناه بين أوراق البردى العربية فى دار الكتب – وكنت أحسب أن يوم الأحد هو أنسب وقت لمثل تلك الزيارة. فما كان أشد عجبى، حين فتحت لى صديقتى باب بيتها معجلة، وفى يدها ((بطاطس)) تقشره. ثم قادتنى فى لطف إلى مطبخها لنأخذ مجلسنا هناك .
((ولم يغب عنها ما شعرت به من دهشة. فابتدرتنى قائلة :
(( ما كنت تتوقعين هذا المنظر : طبيبة فى المطبخ ، يوم الأحد !
((قلت ضاحكة )) :
((أما العمل يوم الأحد فربما فهمته. وأما اشتغالك بالطبخ مع ما أعرفه من إرهاق مهنتك، فهذا ما لم أنتظره.
((فردت)) :
((لو عكست لكنت أقرب إلى الصواب: فالعمل فى عطلة الأحد هو المستغرب عندنا. لولا أنه فرصتى الوحيدة لكى أقف هنا حيث ترين. وأما اشتغالى بالمطبخ، فلعلى لم أتجاوز به نطاق مهنتى. إذ هو من نوع العلاج لحالة قلق أعانيها وتعانيها معى سيدات أخريات من المشتغلات بالأعمال العامة.
(( ولما سألتها عن سر هذا القلق – مع استقرار الوضع الاجتماعى للمرأة الغربية – أجابت بأن ذلك القلق ، لا صلة له بمتاعب الانتقال المفروضة على جيل الطليعة من نساء الشرق! وإنما هو صدى شعرو ببدء تطور جديد يتوقع حدوثه علماء الاجتماع والفسيولوجيا والبيولوجيا فى المرأة العاملة، وذلك لما لحظوا من تغير بطئ فى كيانها، لم يثر الانتباه أول الأمر، لولا ما سجلته الإحصاءات من اطراد النقص فى المواليد بين العاملات. وكان المظنون أن هذا النقص اختيارى محض وذلك لحرص المرأة العاملة على التخفف من أعباء الحمل والوضع والإرضاع، تحت ضغط الحاجة الاستقرار فى العمل. ولكن ظهر من استقراء الإحصاءات أن نقص المواليد للزوجات العاملات، لم يكن أكثره عن اختيار، بل عن عقم استعصى علاجه. وبفحص نماذج شتى منوعة من حالات العقم اتضح أنه فى الغالب لا يرجع إلى عيب عضوى ظاهر. مما دعا العلماء إلى افتراض تغير طارئ على كيان الأنثى العاملة نتيجة لانصرافها المادى والذهنى والعصبى – عن قصد أو غير قصد – عن مشاغل الأمومة، ودنيا حواء، وتشبثها بمساواة الرجل، ومشاركته فى ميدان عمله.
((واستند علماء الأحياء فى هذا الفرض – نظرياً – إلى قانون طبيعى معروف، وهو أن ((الوظيفة تخلق العضو) ومعناها فيما نحن فيه أن وظيفة الأمومة هى التى خلقت فى حواء خصائص مميزة للأنوثة، لابد أن تضمر تدريجياً بانصراف المرأة عن وظيفة الأمومة واندماجها فيما نسميه ((عالم الرجل)) .
((ثم تابع العلماء هذا الفرض، فإذا التجارب تؤيده إلى أبعد مما كان منتظراً، وإذا بهم يعلنون- فى اطمئنان مقرون بشىء من التحفظ – عن قرب ظهور ((جنس ثالث)) تضمر فيه خصائص الأنوثة التى رسختها الممارسة الطويلة لوظيفة حواء .
((وثارت اعتراضات .. منها : أن كثرة العاملات ينفرن من العقم ويشتهين الولد. ومنها : أن المجتمع الحديث يعترف بالعاملة الأم ويحمى حقها فى العمل، ويتيح لها بحكم القانون، فرصة الجمع بين شواغل الأمومة وواجبات العمل. ومنها : أن عهد المرأة بالخروج من دنياها الخاصة لا يتعدى بضعة أجيال، على حين يبلغ عمر خصائص الأنوثة فيها ما لا يحصى من دهور وأحقاب .
((وكان الرد على هذه الاعتراضات: أن اشتهاء الزوجة العاملة للولد يخالطه دائماً الخوف من أعبائه، والاشفاق من أثر هذه الأعباء على طمأنينة مكانها فى محل العمل. ثم إن الاعتراف بالعاملة الم قلما يتم إلا فى حدود ضيقة، وتحت ضغط القانون. وما أكثر ما يجد أصحاب العمل فرصتهم لتفضيل غير الأمهات. وأما قصر عهد المرأة بالخروج، فيرد عليه بأن هذا الخروج – على قرب العهد به – قد صحبه تنبه حاد إلى المساواة بالرجل ، وإصرار عنيد على التشبه به، مما عجل ببوادر التغيير، لعمق تأثير فكرة المساواة على أعصاب المرأة وقوة رسوخها فى ضميرها.
((وما يزال المهتمون بهذا الموضوع، يرصدون التغيرات الطارئة على كيان الأنثى، ويستقرئون فى اهتمام بالغ دلالات الأرقام الإحصائية لحالات العقم بين العاملات، والعجز عن الإرضاع لنضوب اللبن، وضمور الأعضاء المخصصة لوظيفة الأمومة)) ... (جريدة الأهرام) .
* * *
من مقال إخبارى فى أخبار اليوم ( من استوكلهم) لموسى صبرى:
((قال لى أستاذ جامعى سويدى :
((إننا نعلم أبناءنا وبناتنا فى المدارس الثانوية، وفى سن مبكرة، كل شىء عن الجنس، واضحاً صريحاً، ليست لدينا مشكلة جنس(). إن المتعة الجنسية كمتعة الطعام اللذيذ، ومتعة الملابس الأنيقة، والعلاقات الجنسية بين الرجال والنساء قبل الزواج هى شىء طبيعى عادى. وما يباح للشاب يجب أن يباح للفتاة !
…. ( وخلاصة القول إن ((حرية الحب)) فى السويد تعنى أن نداء الجنس هو نداء طبيعى، كنداء البطن، ونداء العقل.. ليس فيه ما يدعو إلى كبته، أو شدة كتمانه.. ولقد تطور بهم مجتمعهم إلى هذه النظرة المجردة إلى الجنس بين الرجل والمرأة – وقد فوجئت وأنا أتروض فى حدائق ((سكانسن))ذات صباح مشمس، بوجود بركة مياه لاستحمام الصبية والبنات. ورأيت الأولاد والبنات يستحمون فى الماء عراياً، كما ولدتهم أمهاتهم، وهم ما بين سن الثامنة والحادية عشرة.. وتبددت المفاجأة تماماً، عندما عرفت أن الكبار أيضاً من النساء والرجال، ينزلون إلى البحر ويمرحون على الشاطىء، وهم عرايا تماماً.. ليس هذا هو أسلوبهم فى التصييف، فهناك من يرتدى المايوه.
ولكن نزول ((شلة )) من الجنسين إلى البحر – وهم عرايا - أمر لا يلفت النظر، ولا يدير أى رأس !
والسؤال : وماذا تفعل الفتاة إذا أصبحت أماً غير زواج ؟
((والجواب : إذا تخلصت من من جنينها كان بها. وإذا لم تتخلص فإن الدولة كفيلة برعاية الطفل وحضانته وتعليمه بالمجان، حتى سن السادسة عشرة .. وهو يقيد فى سجل المواليد باسم أمه. أو باسم الأب – إذا اعترف به – والمجتمع لا يعطى الابن غير الشرعى أو الأمهات غير المتزوجات إلا كل تقدير واحترام !
((وهنا نتساءل – فى جد وخطورة :
(( إذا كانت السويد تعتبر كدولة من أرقى دول العالم، فهل نستطيع أن نتصور، أننا – وباقى الدول – سننجرف إلى هذا المصير، إن عاجلاً أو آجلاً ()؟
وتأكيد تقدم السويد – كأرقى دول العالم – أمر تؤيده الإحصاءات، وتعترف به كل الأبحاث العلمية .
((إن ما يخص الفرد الواحد فى السويد من الدخل القومى يساوى 521 جنيهاً مصرياً فى العام. أى حوالى 43 جنيهاً فى الشهر الواحد .
(( ووصل نظام الحكم الاشتراكى فى السويد إلى ما يقارب محو الفروق تماماً بين الطبقات، بفرص الضرائب التصاعدية، وإيجاد مختلف أنواع التأمينات الصحية والاجتماعية، التى لا تجدها فى دول أخرى .
((كل مواطن سويدى يستحق معاشاً، وإعانة مرض، ومعاش عدم صلاحية، وإعانة غلاء معيشة وإعانة للسكن ، وإعانة للعمى.
(( كل مواطن يستحق نصيبه من التأمين الصحى، وإعانات المرض التى تصرف نقداً، والعلاج المحانى فى المستشفيات.
((تدفع إعانة أمومة لكل النساء. تشمل هذه الإعانة مصاريف الولادة والرعاية الطبية فى المستشفى، وإعانة إضافية لكل مولود.
((التأمين ضد إصابات العمل إجبارى .
((شروط الإعانات فى حالة البطالة هى أسخى شروط معروفة دولياً .
(( تقدم الدولة مساعدات اجتماعية للطفولة أقرب إلى الخيال . منها إعانة مالية قدرها 40 جنيهاً فى العام للطفل حتى يبلغ 16 سنة. رعاية صحية مجانية. مصاريف انتقال مجانية للإجازات يتمتع بها الطفل حتى سن 14 سنة . مدارس برسوم تافهة لرعاية الأطفال دون سن المدرسة طول اليوم.
((التعليم فى جميع مراحله بالمجان، مع تقديم إعانات ملابس، وإعانات معيشية لغير القادرين، وتقدم للطلبة قروض دراسية تصل إلى 25. جنيهاً للطلبة المجتهدين.
((تقدم الدولة قروضاً لتأثيث منازل العرسان تصل إلى 3..جنيه بفائدة بسيطة تسدد على خمس سنوات .
((إن ثلث الضرائب التى يدفعها الشعب السويدى تنفقها الدولة فى التأمينات الاجتماعية وتدفع الدولة 8.% منها فى مساعدات نقدية. إن أضخم ميزانية وزارة الشئون الاجتماعية التى وصلت هذا العام إلى 334 مليون جنيه . ثم تليها ميزانية وزارة التربية وقد بلغت 133 مليون جنيه بينما تنزل ميزانية القصر الملكى إلى حوالى 4.. ألف جنيه فقط .
((مع وجود كل هذه المشجعات على الاستقرار فى الحياة وتكوين أسرة، فإن الخط البيانى لعدد سكان السويد يميل إلى الانقراض.. مع وجود الدولة التى تكفل للفتاة إعانة زواج، ثم تكفل لطفلها الحياة حتى الجامعة.. فإن الأسرة السويدية فى الطريق إلى عدم انجاب الأطفال على الإطلاق..
((يقابل هذا )) :
((انخفاض مستمر فى نسبة المتزوجين إلى غير المتزوجين ..
(( وارتفاع مستمر فى نسبة عدد المواليد غير الشرعيين ..
((مع ملاحظة أن 20% من البالغين الأولاد والبنات لا يتزوجون أبداً .
((لقد بدأ عهد التصنيع، وبدأ معه المجتمع الاشتراكى فى السويد عام 1870. كانت نسبة الأمهات غير المتزوجات فى ذلك العام 7% وارتفعت هذه النسبة فى عام 1920 إلى 16% والإحصاءات بعد ذلك لم أعثر عليها ولكنها ولا شك مستمرة فى الزيادة !
((إن نسبة الطلاق فى السويد هى أكبر نسبة فى العالم كله. إن طلاقاً واحداً يحدث بين كل ست أو سبع زيجات – طبقاً للإحصاءات التى أعدتها وزارة الشئون الاجتماعية بالسويد – والنسبة بدأت صغيرة، وهى مستمرة فى الزيادة .. فى عام 1925 كان يحدث 26 طلاقاً بين كل 100 ألف من السكان. ارتفع هذا الرقم إلى 1.4 فى عام 1952 . ثم ارتفع إلى 114 فى عام 1954م .
((سبب ذلك أن 30% من الزيجات تتم اضطراراً تحت ضغط الظروف، بعد أن تحمل الفتاة، والزواج بحكم ((الضرورة)) لا يدوم بطبيعة الحال. ويشجع على الطلاق أن القانون فى السويد لا يضع أية عقبة أمام الطلاق، إذا قرر الزوجان أنهما يريدان الطلاق فالأمر سهل جداً . وإذا طلب أحدهما الطلاق فإن أى سبب بسيط يقدمه ، يمكن أن يتم به الطلاق.
((وإذا كانت ((حرية الحب )) مكفولة فى السويد .. فهناك حرية أخرى يتمتع بها غالبية أهل السويد .. إنها (( حرية عدم الإيمان بالله )) ! لقد انتشرت فى السويد الحركات التحريرية من سلطان الكنيسة على الإطلاق . وهذه الظاهرة تسود النرويج والدنمرك أيضاً. فالمدرسون فى المدارس والمعاهد يدافعون عن هذه الحرية، ويبثونها فى عقول النشء والشباب.. إن الكنائس موجودة فى كل مكان، ولكنها أقرب إلى التحف الأثرية. والدولة تصرف على الكنائس، وتدفع مرتبات القسس. ولكن الكنائس لا تفتح أبوابها إلا صباح الأحد لبضع ساعات، ولا يؤمها إلا عدد محدود جداً من العجائز – أمثال جدتى وجدتك – والنكتة التى تسمعها منهم: أنها من حقها بعد ذلك أن تأخذ إجازة.. لم يعودوا يؤمنون بأن الدين هو وسيلة إلى اشباع حاجات النوع الإنسانى!
((وهذه ظاهرة جديدة تهدد الجيل الجديد فى السويد وباقى دول اسكندنافيا. إن افتقادهم للإيمان يجرفهم إلى الانحراف، وإلى الإدمان على المخدرات والخمور.
… (( وقد قدر عدد أطفال العائلات التى لها أب مدمن بحوالى 175 ألفاً. أى ما يوازى 10% من مجموع أطفال العائلات كلها.. وإقبال المراهقين على إدمان الخمر يتضاعف.. إن من قبض عليهم البوليس السويدى فى حالة سكر شديد من المراهقين، بين سن 15 ، 17 ، يوازى ثلاثة أمثال المقبوض عليهم بنفس السبب منذ 15 عاماً. وعادة الشراب بين المراهقين والمراهقات تسير من سيئ إلى أسوأ .. ويتبع ذلك حقيقة رهيبة.
((إن عشر الذين يصلون إلى سن البلوغ فى السويد يتعرضون لاضطرابات عقلية، تلازم أمراضهم الجسدية. ولا شك أن التمادى فى التمتع بحرية عدم الإيمان سيضاعف هذه الانحرافات النفسية، وزيد من دواعى تفكك الأسرة ، ويقر بهم إلى هوة انقراض النسل ..
((قال لى صحفى نرويجى :
((إن مستقبل شباب ساكندنافيا يتجه إلى الهاوية بلا إيمان ..
(( قلت له :
((وماذا تفعل حكومتهم لدرء هذا الخطر ؟
((أجاب متألماً :
((إن حكومتنا أيضاً ليست مؤمنة )) …… (أخبار اليوم )
وبدون أى تعليق أو تعقيب، نغلق هذا الفصل، على هذه النذر الرهيبة. فهى ناطقة بذاتها. إن الذين يخالفون قانون الفطرة، لا يمكن أن يمضوا بلا عقاب .. وهو عقاب رهيب ولو تفتحت عليهم أبوبا كل شىء من خيرات الأرض، ورخاء العيش، ومضاعفة الدخل، والضمانات المادية الخيالية. فللحياة الإنسانية قوانينها الفطرية الصارمة التى لا تجامل ولا تتخلف، ولا تلين ...
هذه القوانين هى التى يقول عنها الدكتور ألكسيس كاريل :
((إنهم لم يدركوا أن أجسامهم وشعورهم تتعرض للقوانين الطبيعية، وهى قوانين أكثر غموضاً – وإن كانت تتساوى فى الصلابة – مع القوانين الدنيوية. كذلك لم يدركوا أنهم لا يستطيعون أن يعتدوا على هذه القوانين دون أن يلاقوا جزاءهم )) .
ولقد حذر الله – سبحانه – عباده عواقب التعرض للخلاف عن هذه القوانين. وذلك حين يعرضون عن منهج الله وهداه ، المتمشى مع سنته فى الكون، فلا تكون لهم من عواقبها نجاة :
(( فلما نسوا ما ذكروا به، فتحنا عليهم أبواب كل شىء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة، فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين )) .. (الأنعام 44-45)
((حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً، فجعلناها حصيداً، كأن لم تغن بالأمس . كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون)) .. (يونس 24) . (يونس 24)
وصدق الله العظيم ..